قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ [٣٣/ ب] خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال فى صفة النَّار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] بغير واو.
فقالت طائفة: هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنَّة، لكونها ثمانية، وأبواب النَّار سبعة فلم تدخل الواو.
وهذا قولٌ ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية، وإنَّما هذا من استنباط بعض المتأخرين (^١).
وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة، والجواب: الفعل الَّذي بعدها، كما هو في الآية الثانية.
وهذا أيضًا ضعيف، فإنَّ زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليقُ بأفصح الكلام أنْ يكون فيه حرفٌ زائد بغير معنى ولا فائدة.
وقالت طائفةٌ ثالثة: الجواب محذوف، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] عطف على قوله: ﴿جَاءُوهَا﴾.
_________________
(١) * كالثعلبي وابن خالويه والحريري الأديب * وانظر: "بدائع الفوائد" للمؤلف: (٢/ ٦٦٣ - ٣٦٥) و(٣/ ٩١٥ - ٩١٩)، * و"الفصول المفيدة" للعلائي ص (١٤٢ - ٢٤٥) *.
[ ١ / ١٠١ ]
هذا اختيار أبي عُبَيْدة والمُبَرِّد والزَّجَاج وغيرهم (^١) .
قال المبرِّد: "وحذفُ الجواب أبلغ عند أهل العلم" (^٢) .
قال أبو الفتح بن جِنِّي: "وأصحابنا يَدفعون زيادة الواوِ ولا يُجِيْزونه، ويرون أنَّ الجواب محذوفٌ للعلم به" (^٣) .
بَقِيَ أنْ يقالَ: فما السِّرُّ في حذف الجواب في آية أهل الجنَّة، وذِكْرِهِ في آية أهل النَّارِ؟ فيقال: هذا أبلغُ في الموضعين، فإنَّ الملائكة تسوق أهل النَّارِ إليها، وأبوابُها مُغلقة، حتَّى إذا وصلوا (^٤) إليها فتحت في وجوههم ففجأهم (^٥) العذابُ بغتةً، فحين انتهوا إليها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بلا مُهْلَة، فإنَّ هذا شأن الجزاء المترتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنَّها دار الإهانة والخِزي، فلم يُسْتأذن لهم في دخولها، ويُطلبُ إلى خزنتها أنْ يمكنوهم من الدخول.
وأمَّا الجنَّة فإنَّها دار اللَّهُ، ودار كرامته، ومحل خواصّه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أنْ يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأُولي العزم من رسله، فكلهم يتأخَّر عن ذلك، حتَّى تقع الدَّلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول: "أنا
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٦٤)، و"مجاز القرآن" (٢/ ١٩٢).
(٢) انظر: * المقتضب له: (٢/ ٧٧ - ٧٨) *.
(٣) انظر: * "سِرّ صناعة الإعراب" له: (٢/ ٦٤٦) *.
(٤) من قوله: "في الموضعين" إلى "وصلوا" سقط من "ج" ووقع في "أ، ب، د": "دخلوا"، وفي "هـ": "دخلوها" بدلًا من "وصلوا" وهو خطأ.
(٥) في "ج": "فيفجئهم"، وفي نسخةٍ على حاشية "أ": "فيجيئهم".
[ ١ / ١٠٢ ]
لها" (^١): فيأتي إلى تحتِ العرش ويخرُّ ساجدًا لربه، فيدعه ما شاء أنْ يدعه، ثمَّ يأذنُ له في رفع رأسهِ، وأنْ يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه، ويفتحها تعظيمًا لخطرها، وإظهارًا لمنزلة رسوله وكرامته عليه.
وإنَّ مثل هذه الدَّار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين، إنَّما دُخِلَ إليها بعد تلك الأهوالِ العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدَّار إلى أنْ انتهى إليها، وما رَكِبَهُ من الأطباق طبقًا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدَّةً بعد شدَّة، حتَّى أذنَ اللَّهُ تعالى لخاتم أنبيائه ورسله، وأحبِّ خلقه إليه أنْ يشفع إليه في فتحها لهم.
وهذا أبلغُ وأعظمُ في تمام النِّعمة وحصول الفرحِ (^٢) والسُّرور ممَّا يُقَدَّرُ بخلاف ذلك، ولئلا يتوهمُ الجاهل أنَّها بمنزلة الخان (^٣) الَّذي
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم: (٦١٩٧)، ومسلم رقم (١٩٣) - (٣٢٦) واللفظ لمسلم من حديث أنس بن مالك ﵁. تنبيه: ليس في حديث الشفاعة الطويل ما ذكره المؤلفُ "من أنَّ طلبهم للشفاعة كان بسبب وجودهم أبواب الجنَّة مغلقة، بل الَّذي جاء فيه - وهذا لفظه -: "يجمعُ اللَّهُ النَّاس يوم القيامة، فيهتمُّون -وفي لفظٍ: فيلهمون- لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيأتون آدم. .، وذكر الحديث بطوله واللفظ لمسلم. فَلَعَلَّه في حديثٍ آخر فلينظر.
(٢) في "ج": "الفَرَج".
(٣) الخان: الذي للتُّجارِ. أي: المتجر، ويحتمل: الفندق. انظر: "الصحاح": (٢/ ١٥٥١)، و"المعجم الوسيط" ص (٢٨٦).
[ ١ / ١٠٣ ]
يدخله من شاء، فجنَّة اللَّهِ غاليةٌ عاليةٌ، بين النَّاس وبينها من العقبات (^١) والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا بهِ، فما لِمَنْ أتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على اللَّهِ الأمانيَّ ولهذه الدَّار؟ فليُعَدِّ عنها إلى ما هو أولى به، وقد خُلِقَ لهُ وهُيِّئَ له.
وتأمَّل ما في سَوْقِ الفريقين إلى الدَّارين زمرًا من فرحة هؤلاء بإخوانهم، وسَيْرهم معهم كل زمرة على حِدَة، مشتركين في عملٍ متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك يؤنس بعضهم بعضًا، ويفرح بعضهم ببعض.
وكذلك أصحاب الدَّار الأُخرى يُسَاقون إليها زمرًا، يلعن بعضهم بعضًا، ويتأذَّى (^٢) بعضهم ببعض، وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهَتِيْكَة، من أن يساقوا واحدًا واحدًا، فلا تُهمِلْ تَدَبُّر قوله: ﴿زُمَرًا﴾.
وقال خزنة أهل (^٣) الجنَّة لأهلها: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فبدؤوهم بالسَّلام المتضمِّن للسلامة من كلِّ شرٍّ ومكروهٍ، أي: سَلِمْتُمْ، فلا يلحقكم بعد اليومِ ما تكرهون، ثمَّ قالوا لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ أي: سلامتكم ودخولها بطيبكم، فإنَّ اللَّهَ حرَّمها إلَّا على الطيبين، فبشَّروهم
_________________
(١) في "ب": "العقاب" وهو خطأ.
(٢) في "ب": "وينادي".
(٣) ليس في "ب".
[ ١ / ١٠٤ ]
بالسَّلامة وبالطيبِ، والدخول والخلود.
وأمَّا أهلُ النَّارِ، فإنَّهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهمِّ والغمِّ والحُزنِ، وفتحت لهم أبوابها، ووقفوا عليها وزيدوا إلى ما هم عليه توبيخ خزنتها، وتبْكِيتهم لهم بقولهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١] فاعترفوا وقالوا: بلى. فبشروهم بدخولها والخلود فيها، وأنَّها بئس المثوى لهم.
وتأمَّل قول خزنة الجنَّة لأهلها: ﴿ادْخُلُوهَا﴾: وقول خزنة النَّارِ (^١) لأهلها: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ تَجِدْ تَحْتهُ سرًّا لطيفًا ومعنًى بديعًا لا يخفى على المُتأمِّلِ، وهو: أنَّها لمَّا كانت دار العقوبة وأبوابها أفظع شيءٍ، وأشد (^٢) حرًّا، وأعظم غمًّا، يستقبل فيها الداخلُ من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغمّ والخزي والكرب بدخول الأبواب = قيل (^٣): ادخلوا أبوابها صَغَارًا لهم، وإذْلالًا وخزيًا، ثمَّ قيل لهم: لا يقتصر بكم (^٤) على مجرَّد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن وراءها الخلود في النَّار.
وأمَّا الجنَّة فهي دار الكرامة، والمنزل الَّذي أعدَّه اللَّهُ لأوليائه، فبُشروا من أوَّل وَهْلَةٍ بالدخولِ إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها.
_________________
(١) في "ب": "أهل النَّار" بدل "النَّار".
(٢) في "ج، د": "وأشده"، وفي "ب": "وأشده حرًّا وأعظمه إثمًا".
(٣) في جميع النسخ "فقيل" ولعلَّ الصواب ما أثبته، وهو جواب "لمَّا".
(٤) في "ب": "منكم".
[ ١ / ١٠٥ ]
وتأمَّل قوله سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ [ص: ٥٠ - ٥١] كيف تجد تحته معنى بديعًا، وهو أنَّهم إذا دخلوا الجنَّة لم تغلق أبوابُها عليهم بل تبقى مفتحة كما قال (^١) .
وأمَّا النَّارُ فإذا دخلها أهلها أُغلقت عليهم أبوابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] أي مطبقة مغلقة (^٢)، ومنه سُمِّيَ الباب وصِيدًا وهي: ﴿مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قد جعلت العُمُد مُمْسكة للأبواب من خلفها، كالحجر العظيم الَّذي يُجْعل خلف الباب.
قال مُقَاتِل: "يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غَم، ولا يدخل فيها رَوْح آخرَ الأبَدِ" (^٣) .
وأيضًا: فإنَّ في تفتيح الأبواب لهم إشارةٌ إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتَبؤهم من الجنَّة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتُّحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يَسُرُّهم عليهم كل وقت.
وأيضًا: إشارة إلى أنَّها دارُ أمْنٍ لا يحتاجون فيها إلى غَلْقِ الأبوابِ، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا.
وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصِّفة على
_________________
(١) في "ب، د": "هي".
(٢) ليس في "ب".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل": (٣/ ٥١٩).
[ ١ / ١٠٦ ]
الموصوف في هذه الجملة (^١) .
فقال الكوفيون: التَّقْدير مفتَّحة لهم أبوابها. والعربُ تعاقب بين الألف والَّلامُ والإضافة، فيقولون: مررتُ برجل حسن العين: أي عينه. ومنه (^٢) قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات: ٣٩] أي: مأواه.
وقال بعض البصريين: التقديرُ: مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به، قال: وهذا التقديرُ في العربية أجودُ من أنْ تجعل الألف والَّلام بدلًا من الهاءِ والألفِ، أي (^٣) معنى الألف والَّلام ليس من معنى الهاء والألف في شيء؛ لأنَّ الهاء والألف اسم، والألف والَّلام دخلتا للتعريف، ولا يُبْدَل حرفٌ من اسم، ولا ينوب عنه.
قالوا: وأيضًا لو كانت الألف والَّلامُ بدلًا من الضَّمير لوجب أنْ يكون في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنَّات، ويكون المعنى مفتحة هي، ثمَّ أُبْدِلَ منها الأبواب، ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب لكون ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ قد رفع (^٤) ضمير الفاعل، فلا يجوز أن يرتفع به اسمٌ آخر لامتناع ارتفاع فاعِلَيْن بفعلٍ واحدٍ، فلمَّا ارتفع ﴿الْأبَوَابُ﴾ دلَّ على أنَّ ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ حالٌ من ضمير، و﴿الْأَبَوَابُ﴾ مرتفعة به. وإذا كان في الصِّفة
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء: (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، وللزجاج: (٤/ ٣٣٧)، و"البحر المحيط": (٧/ ٣٨٧).
(٢) في "أ، ج": "ومعنى". والمثبت أصح.
(٣) في "ب": "لأنَّ".
(٤) في "ب، ج": "وقع".
[ ١ / ١٠٧ ]
ضمير تعَيَّنَ نصْبُ الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن الوجه. ولو رفعت "الوجهَ" ونَوَّنْتَ "حَسَنًا" لم يجز، فالألف والَّلامُ إذًا للتعريف ليس إلَّا، فلا بُدَّ من ضمير يعودُ على الموصوف الَّذي هو جنَّات عدنٍ، ولا ضمير في اللفظ، وهو محذوف، تقديره: الأبواب منها.
وعندي: أنَّ هذا غير مبطل لقول الكوفيين، فإنَّهم لم يُرِيْدُوا بالبدَلِ إلَّا أنَّ الألف والَّلام خَلَفٌ وعِوَضٌ عن الضمير يغني (^١) عنه، وإجماع العرب على قولهم: حسن الوجه، وحسن وجهه = شاهدٌ بذلك، وقد قالوا: إنَّ التنوين بدل من الألف والَّلام. بمعنى: أنَّهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون بدلًا من التنوين، والتنوين بدلٌ من الإضافة، بمعنى: التَّعَاقب والتَّوارد، ولا يريدون بقولهم: هذا بدلٌ من هذا، أنَّ (^٢) معنى البدلِ معنى المُبْدَل منه، بل قد يكون في كلٍّ منهما معنى لا يكون في الآخر.
فالكوفيون أرادوا أنَّ الألفَ والَّلام في ﴿الْأَبْوَابُ﴾ أغنت عن الضمير؛ لو قيل: أبوابها، وهذا صحيح، فإنَّ المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمرٍ يجعلها له لا مستقلة، فلمَّا كان الضميرُ عائدًا على الموصوف تعيَّن (^٣) توهم الاستقلال، وكذلك لام التعريف، فإنَّ كلًّا من الضَّمير والَّلام يُعَيِّن صاحبه: هذا يعيِّن (^٤) تفسيره، وهذا
_________________
(١) في "ج": "يَعْني".
(٢) في "ج": "أي".
(٣) في "ب": "نفى"، في "هـ": "تعيَّن الاستقلالُ".
(٤) في "أ، ب، ج، د": "معنى".
[ ١ / ١٠٨ ]
يُعَيِّن ما دخل عليه، وقد قالوا في "زيد نعم الرجل": إنَّ الألف والَّلام أغنت عن الضمير، واللَّهُ أعلم.
وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابًا اعْتُرِضَ عليه فيه، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ معرفة، لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]، وانتصابها على أنَّها عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾، و﴿مُفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها ما في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ من معنى الفعل، وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾: ضمير الجنَّات، و﴿الأَبَوَابُ﴾: بدل من الضمير، تقديره: مفتحة، هي الأبواب، كقولهم: "ضرب زيد اليد والرجل"، وهو من بدل الاشتمال" (^١) . هذا إعرابه.
فاعتُرِضَ عليه بأنَّ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأمَّا قوله: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ فَبَدَل، لا صِفَة. وبأنَّ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ لا يسهل (^٢) أن تكون عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ على قوله؛ لأنَّ جريان المعرفة على النكرة عطف بيان = لا قائل به، فإنَّ القائلَ قائلان:
أحدهما: أنَّه لا يكون إلَّا في المعارف، كقول البصريين.
والثاني: أنَّه يكونُ في المعارف والنَّكِرَاتِ بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي.
وقوله: إنَّ في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنَّات، فالظاهر خلافه، وأنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: مرتفعٌ به، ولا ضمير فيه.
_________________
(١) انظر: "الكشاف": (٤/ ١٠٠).
(٢) في "د، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "تشتمل".
[ ١ / ١٠٩ ]
وقوله: إنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: بدلُ اشتمالٍ، فبدل الاشتمال (^١) قد صرَّحَ هو وغيره أنَّه لا بُدَّ فيه من الضَّمير، وإنْ نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوزُ أنْ يكون الضمير ملفوظًا به، وأنْ يكون مُقَدَّرًا، وهنا لم يلفظْ به، فلا بُدَّ من تقديرهِ أي: الأبواب منها، فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها، كان فيه تكثيرُ للإضمارِ، وتقليله أولى.
وفي "الصحيحين" (^٢): من حديثِ أبي حازم (^٣) عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "في الجنَّةِ ثمانيةُ أَبْوَابٍ، بابٌ منها يُسَمَّى الرَّيَّانُ، لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائمون".
وفي "الصحيحين" (^٤) من حديث الزهري، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مَنْ أَنْفَقَ زَوجينِ من شيءٍ من الأشياء في سبيل اللَّهِ، دُعي من أبواب الجنَّة: يا عبدَ اللَّهِ هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصَّلاةِ دُعي من باب الصَّلاة، ومن كان من أهل الجهادِ دُعِيَ من باب الجهادِ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصَّدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان"، فقال أبو بكر: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسول اللَّهِ، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها، فقال: "نعم، وأرجو أنْ تكون منهم".
_________________
(١) قوله: "فبدل الاشتمال" ليس في "ب".
(٢) البخاري رقم (٣٠٨٤)، ومسلم (١١٥٢)، واللفظ للبخاري.
(٣) في "ب": "حاتم" وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦٦)، ومسلم رقم (١٠٢٧)، واللفظ للبخاري.
[ ١ / ١١٠ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١): عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "ما منكم من أحدٍ يتوضَّأ فَيُبلِغُ أو فَيُسْبِغُ الوضوءَ ثمَّ يقول: أشهدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ (^٢) أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، إلَّا فُتِحَتْ لهُ أبوابُ الجنَّة الثمانية يدخلُ من أيِّها شاء".
زاد الترمذي بعد التشهد: "الَّلهم اجعلني من التَّوابين واجعلني من المتطهرين" (^٣) .
_________________
(١) رقم (٢٣٤).
(٢) قوله: "وحده لا شريك له، وأشهدُ" من رواية أخرى لحديث عمر عند مسلم رقم (٢٣٤).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٥). عن جعفر بن عمران الكوفي عن زيد بن الحُباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب فذكره. قال الترمذي: "حديث عمر قد خُولِف زيد بن حُباب في هذا الحديث، روى عبد اللَّه بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمر، وعن ربيعة بن أبي عثمان عن جُبَير بن نُفَيْر عن عمر. وهذا حديثٌ في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النَّبي -ﷺ- في هذا الباب كثير شيء". قلت: هذه الزيادة شاذَّةٌ، وهي وهمٌ من شيخ الترمذي جعفر بن عمران الكوفي "صدوق"، فقد خالفه أبو بكر بن أبي شيبة، والعباس بن محمد الدوري ومحمد بن علي بن حرب، وأسد بن موسى، وأبو بكر الجعفي، كلهم عن زيد بن الحباب به، ولم يذكروا هذه الزيادة: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٣٤)، والنسائي (١/ ٩٢)، وابن خزيمة =
[ ١ / ١١١ ]
زاد أبو داود والإمام أحمد: "ثمَّ رفع نَظَرَهُ إلى السَّماءِ فقال. . . " (^١) .
وعند الإمام أحمد من رواية أنس يرفعه: "من توضأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثمَّ قال ثلاث مرات: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فُتِحَ له ثمانيةُ أبواب الجنَّة من أيِّها شاءَ دخل" (^٢) .
وعن عُتْبة بن عَبْدٍ (^٣) السُّلَمِي ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ما من مسلمٍ يُتوفَّى له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ، إلَّا تلَقَّوه من أبواب الجنَّة الثمانية، من أيِّها شاء دخل".
_________________
(١) = رقم (٢٢٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (٦٠٥ و٦٠٧) وغيرهم. ورواه الليث بن سعد وابن وهب وعبد الرحمن بن مهدي كلهم عن معاوية ابن صالح عن ربيعة عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر. ووقع في هذا الحديثِ اختلافٌ آخر، انظر تفصيله في شرح الترمذي لأحمد شاكر (١/ ٧٩ - ٨٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٠)، وأحمدُ في مسنده (٤/ ١٥٠). من طريق أبي عقيل زُهرة بن مَعْبد عن ابن عمِّه عن عقبة بن عامر عن عمر فذكره. وسنده ضعيف، لجهالة ابن عم زهرة بن معبد، انظر: التقريب رقم (٨٥١٠).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٦٥)، وابن ماجه برقم (٤٦٩) وغيرهما. من طريق زيد العمِّيِّ عن أنس بن مالك فذكره. قال البوصيري: "هذا إسنادٌ فيه زيد العمِّي، وهو ضعيف" انظر: "مصباح الزجاجة": (١/ ١٨٧).
(٤) وقع في "هـ": "عبد اللَّه" وهو خطأ.
[ ١ / ١١٢ ]
رواه ابن ماجه، وعبد اللَّهِ بن أحمد عن ابن نُمَير، حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا حَرِيْز بن عثمان، عن شُرَحبِيل بن شُفْعَة، عن عُتْبة (^١) .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه رقم (١٦٠٤)، وأحمد في المسند (٤/ ١٨٣)، والطبراني في الكبير: (١٧/ ١٢٥) رقم (٣٠٩) وغيرهم. قال البوصيري: "هذا إسنادٌ فيه شرحبيل بن شفعة ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: "شيوخ حريز كلهم ثقات" قلتُ: وباقي رجال الإسناد على شرط البخاري". انظر: "مصباح الزجاجة": (١/ ٥٣٠).
[ ١ / ١١٣ ]