قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خلق اللَّهُ ﷿ آدَمَ على صورته، طولُه ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلِّم على أولئك النفر - وهم نفرٌ من الملائكة جُلوسٌ -، فاستمع ما يحيونك، فإنَّها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهبَ فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكَ ورحمةُ اللَّهِ، فزادوه ورحمة اللَّه قال: فكلُّ من يدخل الجنَّة على صورة آدمَ، طولُهُ ستون ذراعًا، فلم يزل ينقص الخلق بعدهُ حتَّى الآن" (^١) متفقٌ على صحته.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ جُردًا مُردًا بيضًا جعادًا مكحَّلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا في عرض سبعة أذرع" (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣١٤٨)، ومسلم رقم (٢٨٤١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥١).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٩) رقم (٣٣٩٩٥)، وابن أبي داود في البعث رقم (٦٣)، وابن أبي الدنيا في صفة =
[ ١ / ٣١٣ ]
قيل: تفرد به حماد، عن علي بن زيد.
وفي "جامع الترمذي" من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن ابن غنْم عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّ النَّبي -ﷺ- قال: "يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ جردًا مردًا مكحلين بني (^١) ثلاثٍ وثلاثين" (^٢) .
_________________
(١) = الجنَّة رقم (١٥). - ورواهُ جماعة عن حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد به نحوه. أخرجه الطبراني في معجمه الصغير رقم (٨٠٨)، والأوسط رقم (٥٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٥٥)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٤٦٣، ٤٦٤). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلَّا حماد بن سلمة، ولا يروى عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد". والحديث مدارهُ على علي بن زيد بن جُدْعان، وفيه لين، وفي المتن ألفاظٌ تفرَّد بها، لم يأتِ بها غيره كقوله "في عرض سبع أذرع". ولهذا ساق ابن عدي هذا الحديث في جملة ما أُنكر عليه، وقال في آخر ترجمته ". . . وهو مع ضعفه يكتب حديثه".
(٢) في الترمذي: "بني ثلاثين أو".
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٥٤٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢١)، والبزار في مسنده برقم (٢٦٤٤)، والشاشي في مسنده رقم (١٣٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٤) رقم (١١٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٥٧). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا الحديث عن قتادة مرسلًا ولم يسندوه". - رواه معمر عن قتادة قال: أهل الجنَّة أبناء ثلاثين، جرد، مرد، مكحَّلون. . . ". أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٤١٦) رقم (٢٠٨٧٢)، وابن المبارك =
[ ١ / ٣١٤ ]
قال: "هذا حديث حسن غريب".
وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر عن الأوزاعي عن هارون بن رئاب (^١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يُبْعثُ أهل الجنَّةِ على صورة آدم في ميلاد ثلاثِ وثلاثين سنة جُرْدًا مُرْدًا مكحلين، ثمَّ يذهبُ بهم إلى شجرةٍ في الجنَّة، فيُكسون منها لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم" (^٢) .
_________________
(١) = في الزهد -رواية نعيم- رقم (٤٢٣). - ورواهُ سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة عن شهر عن معاذ "ولم يذكرا: عبد الرحمن بن غنم". أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٢ و٢٣٩) وغيره. - ورواهُ عامر الأحول عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه الترمذي برقم (٢٥٣٩) وغيره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وهذه إشارة إلى خطأ هذه الرواية. والصواب رواية سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة. وعليه فالإسناد ضعيف للانقطاع، شهر لم يسمع من معاذ.
(٢) في "ج": "ريان"، وفي "هـ": "رباب".
(٣) أخرجه ابن أبي داود في البعث رقم (٦٤)، وأبو الشيخ في العظمة رقم (٥٨٢)، والطبراني في الصغير رقم (١١٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٦)، وفي صفة الجنَّة رقم (٢٥٥) وغيرهم. - ورواهُ الوليد بن مسلم فقال: حدثنا الأوزاعي به. أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (٨/ ٢١٩) تعليقًا. - قال أبو نعيم: ورواهُ غيره عن الأوزاعي عن هارون فقال: حدثني من سمع أنسًا. =
[ ١ / ٣١٥ ]
وقال الترمذي: حدثنا سويد بن نصر حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن رِشْدِين بن سعد عن عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من ماتَ من أهل الجنَّة من صغيرٍ أو كبيرٍ يُردُّونَ بني ثلاثين سنة في الجنَّة (^١) لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النَّار" (^٢) .
_________________
(١) = - ورواهُ روَّاد بن الجرَّاح عن الأوزاعي به وزاد في متنه شيئًا، وسيأتي عند المؤلف. أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢٢٠). وهذه الرواية منكرة، وروَّاد بن الجرَّاح تغير واختلط، فجاء بمناكير، وهذا منها؛ لمخالفته عمر والوليد بن مسلم، وعليه فالحديث إسناده ضعيف؛ لعدم معرفة الواسطة بين أنس وهارون، واللَّهُ أعلم. وقال الهيثمي "إسناده جيِّد". انظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٩).
(٢) قوله: "بني ثلاثين سنة في الجنَّة"، في الترمذي "أبناء ثلاثين في الجنَّة".
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٥٦٢)، وابن المبارك في الزهد -رواية نعيم- وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (١٧)، والبغوي في شرح السنة (١٥/ رقم ٤٣٨١). - ورواهُ عبد اللَّه بن وهب عن عمرو بن الحارث به مثله. أخرجه ابن أبي داود في البعث رقم (٧٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٥٩). - ورواهُ ابن لهيعة عن درَّاج به فقال فيه "ستين" بدلًا من "ثلاثين" وهو من أوهامه. أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ رقم ١٤٠٥)، والحديث ضعيف الإسناد، من أجل رواية درَّاج عن أبي الهيثم، كما تقدَّم في الباب (١٠) ص (١١٩). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث رشدين".
[ ١ / ٣١٦ ]
فإن كان هذا محفوظًا لم يناقض ما قبله، فإنَّ العرب إذا قدَّرت بعدَدٍ له نيِّف؛ فإنَّ لهم طريقين: تارةً يذكرون النَّيف للتحرير، وتارةً يحذفونه، وهذا معروف في كلامهم، وخطاب غيرهم من الأمم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم (^١) حدثنا صفوان بن صالح حدثنا روَّاد بن الجراح العسقلاني حدثنا الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدخل أهلُ الجنَّة الجنَّة على طول آدم ستين ذراعًا بذراع الملك، على حُسْنِ يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاثٍ وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جُرْد مُرْد مُكحَّلون".
وقال ابن وهب: حدثني معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بُخْت عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أهل الجنَّة يدخلون الجنَّة على قدر آدم ستون ذراعًا، وعلى ذلك قطعتْ سُررهم" (^٢) .
وقد تقدَّم (^٣) أنَّ أوَّل زمرة صورهم على صورة القمر ليلة البدر،
_________________
(١) وقع في "د، هـ" ونسخة على حاشية "أ": "هشام".
(٢) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ٩٢) تحت رقم (٢٤٨). - ورواه أبو صالح وأبو زرعة وهمام بن منبه عن أبي هريرة مطولًا، وليس فيه "وعلى ذلك قطعت سررهم". أخرجه البخاري رقم (٣١٤٨ و٣١٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٣٤ و٢٨٤١) وغيرهما.
(٣) في ص (٢٣١).
[ ١ / ٣١٧ ]
وأنَّ الذين يلونهم على ضوء أشدِّ كوكبٍ في السَّماءِ إضاءةً.
وأمَّا الأخلاق فقد قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]، فأخبر عن قلوبهم (^١) وتلاقي وجوههم.
وفي "الصحيحين" (^٢): "أخلاقهم على خَلْق رجلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء".
الرواية "على خَلْق" -بفتح الخاء وسكون اللام- والأخلاق كما تكون جمعًا للخُلق بالضم، فهي جمع للخَلق بالفتح، والمراد: تساويهم في الطول والعرض والسن، وإن تفاوتوا في الحسن والجمال، ولهذا فسره بقوله: "على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء".
وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي "الصحيحين" (^٣) من حديث أبي هريرة -﵁-: "أول زمرة تلج الجنة" الحديث. وقد تقدم وفيه: "لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا".
وكذلك وصف اللَّه ﷾ نسائهم بأنهنَّ أتراب. أي: في سِنٍّ واحدة، ليس فيهن العجائز والشواب، (^٤) وفي هذا الطول
_________________
(١) في "ب": "تلاقي قلوبهم".
(٢) تقدم في الباب (٢٧) ص (٢٣١ - ٢٣٢).
(٣) تقدم في الباب (٢٧) ص (٢٣١).
(٤) في نسخةٍ على حاشية "د": "والتوَّاب".
[ ١ / ٣١٨ ]
والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى، فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذة؛ لأنة أكمل سن القوة مع عظم آلات الَّلذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها، بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة عذراء، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى (^١)، ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض، وأنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتَنَاسُب الخِلْقة، يصير طولًا مع دِقَّةٍ، أو غلظًا مع قصر، وكلاهما غير مناسب، واللَّه أعلم.
_________________
(١) سيأتي في (ص/ ٥٠٢ - ٥٠٦، ٥١٧).
[ ١ / ٣١٩ ]