قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]. وقد ثبت أنَّ سِدرة المُنتهى فوق السماء، وسميت بذلك؛ لأنَّهُ (^١) ينتهي إليها ما ينزل من عند اللَّهِ فيُقْبَضُ منها، وما يَصْعَدُ إليه فيقبضُ منها (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: "هو الجنَّة" (^٣).
وكذلك تلقَّاهُ النَّاسُ عنه.
وقد ذكر ابن المنذر في "تفسيره" وغيره أيضًا عن مجاهد قال: "هو الجنَّة والنَّار" (^٤).
وهذا يحتاج إلى تفسير، فإنَّ النَّارَ في أسفل السافلين ليست في السماء، ومعنى هذا ما قاله في رواية ابن أبي نجيح عنه، وقاله أبو صالح عن ابن عباس: "الخيرُ والشر كلاهما يأتي من السماء" (^٥).
_________________
(١) في "ب": "لأنَّها".
(٢) قوله: "وما يصعد إليه فيقبض منها" سقط من "ج".
(٣) انظر: تفسير مجاهد ص (٦١٩)، والطبري (١٦/ ٢٠٦)، وابن المنذر في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/ ١٣٧).
(٤) ذكره السمرقندي في تفسيره بحر العلوم (٣/ ٢٧٧).
(٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٣٤).
[ ١ / ١٢٨ ]
وعلى هذا المعنى أسباب الجنَّة والنَّار مُقدَّرٌ ثابتٌ في السماء من عند اللَّه.
وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا مَهْدِي بن ميمون، حدثنا محمد بن عبد اللَّهِ بن أبي يعقوب، عن بِشْر بن شَغَاف قال: سمعت عبد اللَّه بن سلام يقول: "إنَّ أكرمَ خليقة اللَّه أبو القاسم -ﷺ-، وإنَّ الجنَّة في السماء" رواه أبو نعيم عنه (^١) .
وقال: ورواه معمر بن راشد، عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعًا.
ثمَّ ساقه من طريق ابن منيع، قال: حدَّثنا عمرو النَّاقِد حدثنا عمرو ابن عثمان، حدثنا موسى بن أعين، عن معمر به مرفوعًا (^٢) (^٣) .
_________________
(١) في صفة الجنَّة رقم (١٣١)، والحارث ابن أبي أسامة في مسنده كما في المطالب العالية (٣٨٥١). في سنده عبد العزيز بن أبان هو الأموي الكوفي، وهو متروك، وكذَّبه ابن معين وغيره، التقريب (٤٠٨٣). وقد توبع عبد العزيز تابعه: موسى بن إسماعيل التبوذكي وعفان ومحمد ابن كثير وخالد بن خداش كلهم عن مهدي بن ميمون به نحوه. أخرجه البخاري في تاريخه (٢/ ٧٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦١٢) رقم (٨٦٩٨). وقال الحاكم "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه،. . . ".
(٢) من قوله: "ثمَّ ساقه من طريق ابن منيع" إلى "مرفوعًا" سقط من "ج"، وسقط من "ب" "مرفوعًا".
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٣١). وفيه: عمرو بن عثمان الكلابي قال النسائي والأزدي: متروك، وقال =
[ ١ / ١٢٩ ]
ثمَّ ساقَ من طريق محمد بن فُضَيل، حدثنا محمد بن عبيد اللَّه عن عطية، عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "الجنَّة في السماء السابعة، ويجعلها اللَّهُ حيث شاء يوم القيامة، وجهنَّم في الأرض السابعة" (^١) .
وقال ابن منده: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا محمد بن عبد اللَّه، عن سلمة بن كُهيل عن أبي الزَّعْراء، عن عبد اللَّهِ قال: "الجنَّة فوق السَّماء الرَّابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها اللَّهُ حيث يشاء، والنَّار في الأرض السابعة (^٢)، فإذا كان يوم القيامة جعلها اللَّهُ حيث يشاء" (^٣) .
_________________
(١) = أبو حاتم: "يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرقة يحدث النَّاس من حفظه بأحاديث منكرة لا يصيبونه في كتابه". انظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ١٤٨ - ١٤٩). وأيضًا فقد رواهُ ابن المبارك في الزهد (٣٩٨) عن معمر عمَّن سمع محمد ابن عبد اللَّهِ بن أبي يعقوب بنحوه. والصحيح أنه موقوف.
(٢) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٣٢). وسنده ضعيف جدًّا، فيه محمد بن عبيد اللَّه بن أبي سليمان العَرْزَمي، قال الحاكم في المدخل: "متروك الحديث بلا خلاف أعرفه بين أئمة النقل فيه" تهذيب التهذيب (٣/ ٦٣٨).
(٣) في "هـ" وحاشية "أ" "السفلى"، وأيضًا (الزبعرى) بدل (الزعراء).
(٤) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٣٤)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٥٠٠)، وأبو الشيخ في العظمة رقم (٦٠٠). وفيه أبو الزَّعْراء، واسمه عبد اللَّهِ بن هانئ، قال البخاري: "ولا يتابع في حديثه عن ابن مسعود في الشفاعة". ووثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان. انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي (٣/ ٣١٤)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٤٨).
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال مجاهد: "قلت لابن عباس أين الجنَّة؟ قال: فوق سبع سماوات، قلتُ: فأين النَّار؟ قال: تحت سبعة أبْحرٍ مطبِقة" (^١) .
رواه ابن منده، عن أحمد بن إسحاق عن الزبيري عن إسرائيل عن أبي يحيى، عن مجاهد.
وأمَّا الأثرُ الَّذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد اللَّهِ بن عمرو، قال: "الجنَّة مطوية معلقة بقرون الشمس تنشر في كلِّ عامٍ مرَّة، وإنَّ أرواح المؤمنين في طير كالزرازير (^٢) يتعارفون يرزقون من ثمر الجنَّة" (^٣) .
فهذا قد يظهر منه التناقض بين أوَّل كلامه وآخره، ولا تناقض فيه؛ فإنَّ الجنَّة المعلقة بقرون الشمس ما يحدثه اللَّهُ سبحانه بالشمس في كلِّ سنة مرَّة من أنواع الثمار والفواكه، والنبات (^٤) جعله اللَّهُ تعالى مذكرًا بتلك الجنَّة، وآية دالَّة عليها، كما جعل هذه النَّار مذكرة بتلك؛ وإلَّا فالجنَّة التي عرضها السماوات والأرضِ ليست معلَّقة بقرون الشمس،
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٣٥). وفيه: أبو يحيى القتَّات: ليِّن الحديث، انظر: التقريب (٨٤٤٤).
(٢) الزرازير: جمع زَرْزور: وهو طائر، انظر: الصحاح (١/ ٥٤٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٦) رقم (٣٣٩٦٧)، وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (١٣٣) والبيهقي في "البعث والنشور" رقم (٢٢٨) وغيرهم. قال الجورقاني في "الأباطيل": (١/ ٣٢٠ - ٣٢١): "هذا حديثٌ باطل،. . وخالد بن معدان لم يسمع من ابن عمرو شيئًا".
(٤) في "ب": "والثمار".
[ ١ / ١٣١ ]
وهي فوق الشمس وأكبر منها.
وقد ثبت في "الصحيحين" عنه -ﷺ- أنَّه قال: "إنَّ الجنَّة مئة درجة ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرضِ" (^١) .
وهذا يدلُّ على أنَّها في غاية العلوِّ والارتفاع، واللَّهُ أعلم.
والحديث له لفْظان هذا أحدهما.
والثاني: "إنَّ في الجنَّة مئة درجة ما بين كلِّ درجتين كما بينَ السماء والأرضِ أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله".
وشيخنا يرجح هذا اللفظ (^٢)، وهو لا ينفي أنْ يكون دَرجَ الجنَّة أكثر
_________________
(١) لم أقف عليه في الصحيح بهذا اللفظ. وإنَّما ورد بهذا اللفظ من حديث عبادة بن الصامت عند الترمذي: (٢٥٣١) وأحمد (٥/ ٣١٦ و٣٢١)، والطبري في تفسيره (١٦/ ٣٧) وعبد بن حميد المنتخب رقم (١٨٢) وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (٢٢٥) وغيرهم. من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة. وهي رواية معلولة فقد وقع في الحديث اختلاف في سنده ومتنه وسيأتي.
(٢) بيان ذلك على وجه الاختصار: أنَّ الحديث يرويه عطاء بن يسار واختلف عليه:
(٣) فرواه زيد بن أسلم عن عطاء واختلف عليه: - فرواهُ الدراوردي وهشام بن سعد وحفص بن ميسرة ومحمد بن جعفر ابن أبي كثير كلهم عن زيد بن أسلم عن عطاء عن معاذ بن جبل فذكره. ولفظه فيه: ". . . فإنَّ الجنَّة مائة درجة بين كل درجتين منها مثل ما بين السماء والأرض. . . ". أخرجه أحمدُ (٥/ ٢٤١) والطبراني (٢٠/ رقم ٣٢٧ - ٣٢٩) وابن ماجه (٤٣٣١) وغيرهم. =
[ ١ / ١٣٢ ]
من ذلك، ونظير هذا قوله في الحديث الصحيح: "إنَّ للَّه تسعةً وتسعين اسمًا، مَنْ أَحْصاها دَخَلَ الجنَّة" (^١) .
_________________
(١) = - وخالفهم همام بن يحيي العَوْذي. فرواه عن زيد عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت فذكره باللفظ الأوَّل تقدم تخريجه. ورجَّح الترمذي رواية الجماعة فقال: "وهذا عندي أصح من حديث همام. . .، وعطاء لم يدرك معاذ بن جبل. . ". ٢ و٣ - ورواه هلال بن علي المدني ومحمد بن جُحادة: فقالا: عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. فذكره هلال باللفظ الثاني الَّذي ذكره المؤلف، وذكره ابن جُحادة باللفظ الأوَّل مختصرًا. ولفظ هلال: هو الصواب؛ لأنَّه مدني، ولم يختلف عليه لفظًا ولا معنًى، وإليه ذهب البخاري وشيخ الإسلام ابن تيمية. فقد أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠) الجهاد، (٤)، باب: درجات المجاهدين في سبيل اللَّهِ. (٣/ ١٠٢٨) رقم (٢٦٣٧). وأحمد في المسند (٢/ ٢٩٢)، والترمذي (٢٥٢٨) وقال: "حسن غريب". وأيضًا فقد جاء هذا اللفظ الثاني من حديث أبي الدرداء: عند النسائي (٦/ ٢٠)، والبخاري في تاريخه (١/ ٢٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٦٦). وفيه محمد بن عيسى الشامي، وثَّقه ابن شاهين، وقال ابن عدي: "لا بأس به. .، وهو حسن الحديث. . . ". وقال أبو أحمد الحاكم وابن حبان: مستقيم الحديث. وقال أبو حاتم الرَّازي: "لا يكتب حديثه ولا يحتج به". انظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٢٥٤ - ٢٥٨). فالسند لا بأس به، واللَّهُ أعلم.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩٥٧)، ومسلم برقم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة =
[ ١ / ١٣٣ ]
أي من جملة أسمائه هذا العَدَد، فيكون الكلام جملة واحدة في الموضعين.
ويدل على صحة هذا أنَّ منزلة نبينا -ﷺ- فوق هذا كلِّه، في درجةٍ في الجنَّة ليس فوقها درجة، وتلك المئة ينالها آحاد أُمَّته بالجهاد، والجنَّة مُقَبَّبة أعلاها أوسعها، ووسطها: هو الفردوس، وسقفه العرش، كما قال -ﷺ- في الحديث الصحيح: "إذا سألتمُ اللَّه فاسألوه الفِرْدَوس، فإنَّه وسَطُ الجنَّة وأعلى الجنَّة (^١)، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنَّة" (^٢) .
قال شيخنا أبو الحجاج المزِّي: "والصواب رواية من رواه "وفوقُه" بِضَمِّ القاف على أنَّه اسمٌ لا ظرف، أي: وسقفه عرش الرحمن" (^٣) .
فإنْ قيل: فالجنَّة جميعها تحت (^٤) العرشِ، والعرش سقفها، فإنَّ الكرسي وَسِعَ السماوات والأرضِ، والعرش أكبر منه.
قيل: لما كان العرش أقرب إلى الفردوس ممَّا دونه من الجنان،
_________________
(١) = ﵁.
(٢) قوله: "وأعلى الجنَّة" سقط من "أ".
(٣) هو تتمة لحديث أبي هريرة المتقدم: "إنَّ في الجنَّة مائة درجةٍ. . ". وهذا اللفظ عند البخاري في صحيحه رقم (٢٩٨٧).
(٤) راجع فتح الباري (١٣/ ٤١٤).
(٥) في "أ، ج، هـ": "غير".
[ ١ / ١٣٤ ]
بحيث لا جنَّة فوقه دون العرشِ (^١) = كان سقفًا له (^٢) دون ما تحته من الجنان، ولعظم سعة الجنَّة (^٣) وغاية ارتفاعها يكون الصعود من أدناها إلى أعلاها بالتدريج شيئًا فشيئًا، درجة فوق درجة، كما يقال لقارئ القرآن: "اقرأ وارقَ، فإنَّ منزلتك عند آخر آية تَقْرؤها" (^٤) .
وهذا يحتمل شيئين: أن تكون منزلته عند آخر حِفْظه، وأنْ تكون عند آخر تلاوته لمحفوظه، واللَّهُ أعلم.
_________________
(١) من قوله: "أقرب إلى" إلى "عرش" سقط من "ج".
(٢) ليس في "أ" فقط.
(٣) في "أ" "الجنان".
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٩١٤)، وأبو داود رقم (١٤٦٤)، وأحمد (٢/ ١٩٢)، وابن حبان (٣/ ٧٦٦)، والحاكم (١/ ٧٣٩) رقم (٢٠٣٠)، وغيرهم. من طريق عاصم بن أبي النجود عن زرِّ بن حُبَيش عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح". والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. وله شواهد: عن أبي هريرة، وأبي سعيد وعائشة موقوفًا عليها بمعناه. انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (ص/ ٣٧ - ٣٨)، وأخلاق أهل القران للآجري (ص/ ٤٨ - ٥١).
[ ١ / ١٣٥ ]