قالوا: قولنا هذا هو الَّذي فطرَ اللَّهُ عليه النَّاسَ صغيرهم وكبيرهم، لا يخطر بقلوبهم سواه، وأكثرُهم لا يَعْلَم في ذلك نزاعًا.
قالوا: وقد روى مسلم في "صحيحه" (^٢) من حديث أبي مالك، عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة -﵄- قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يجمع اللَّه تعالى النَّاسَ، فيقومُ المؤمنون حتى تُزْلَف (^٣) لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا: استفتح لنا الجنة: فيقول: وفل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم؟ " وذكر الحديث.
قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الجنَّة التي أُخرج منها هي بعينها التي تُطْلَبُ منه أن يستفتحها.
وفي "الصحيحين" (^٤) حديث احتجاج آدم وموسى، وقول موسى:
_________________
(١) في "ب": "في سياق حجج من ذهب إلى أنَّها جنَّة الخلد" بدلًا من قوله "في سياق" إلى "القيامة"، وليس في "هـ": كلمة "سياق".
(٢) رقم (١٩٥).
(٣) أي تُقَرَّب. انظر: النهاية: (٢/ ٣٠٩).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٦٢٤٠)، ومسلم رقم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة. وليس فيهما هذا اللفظُ، وإنَّما فيهما "خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة" وفي =
[ ١ / ٥٦ ]
"أخْرَجْتنا ونَفْسَك من الجنَّة".
ولو كانت في الأرضِ، فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنَّة.
وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة: "وهل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم" (^١)، وخطيئته لم تخرجهم من جِنَان الدنيا.
قالوا: وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦] عقيب قوله "اهبطوا" فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.
فهذا يدل على أنَّ هُبُوطهم كان من الجنَّة إلى الأرضِ من وجهين:
أحدهما: من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنَّه نزول من علوٍّ إلى سُفل.
والثاني: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]. عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.
ثمَّ أكَّدَ هذا بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٥]، ولو كانت الجنَّة في الأرضِ لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده.
قالوا: وقد وصَفَ سبحانه جنَّة آدم بصفاتٍ لا تكون إلَّا في جنَّة
_________________
(١) = لفظ: "أنت آدمُ الَّذي أخرجتكَ خطيئتك من الجنَّة" ونحوها.
(٢) تقدَّم قريبًا عند مسلم.
[ ١ / ٥٧ ]
الخُلْدِ فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
وهذا لا يكون في الدنيا أصلًا، فإنَّ الرَّجل ولو كان في أطيب منازلها فلا بُدَّ أن يعرض له شيءٌ من ذلك، وقابل سبحانه بين الجوع والعُرْي، والظمأ (^١) والضحى، وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش، والعري (^٢) والضحى؛ فإنَّ الجوعَ ذلُّ الباطن، والعُري ذلُّ الظَّاهرِ، والظمأُ حرُّ الباطنِ، والضحى حرُّ الظاهرِ؛ فنفى عن ساكنها ذلَّ الظاهر والباطن، وحرَّ الظاهر والباطن (^٣)، وهذا شأن ساكن جنَّة الخلدِ.
قالوا: وأيضًا، فلو كانت تلك الجنَّة فيِ الدنيا لَعَلِمَ آدمُ كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠]؛ فإنَّ آدم كان يعلمُ أنَّ (^٤) الدنيا مُنقضية فانية، وأنَّ ملكها يبلى.
قالوا: وأيضًا، فهذه القصة في سورة البقرة ظاهرةٌ جدًّا في أنَّ الجنَّة التي أُخْرِجَ منها فوق السَّماءِ، فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا
_________________
(١) ليس في "ب".
(٢) في "هـ": "والظمأ" وهو خطأ.
(٣) جاء في "ب" بعد قوله "والباطن" ما نصه: "وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطشِ والعري والضحى".
(٤) ليس في "ب".
[ ١ / ٥٨ ]
مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٧].
فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنَّةِ، ولهذا أتى فيه بضمير الجمعِ.
وقد قيلَ: إنَّ الخطاب لهما وللحيَّة. وهذا ضعيفٌ جدًّا، إذ لا ذكر للحيَّة في شيءٍ من قصَّة آدم، ولا في السِّياقِ ما يدلُّ عليها.
وقيل: الخطابُ لآدمَ وحوَّاء، وأتى فيه بضمير الجمع كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهمَا داود وسليمان.
وقيل: لآدم وحواء وذريتهما.
وهذه الأقوال ضعيفة غير الأوَّل؛ لأنَّها بين قولٍ لا دليلَ عليه، وبين ما يدلُّ اللفظُ على خلافه، فثبت أنَّ إبليس داخلٌ في هذا الخطابِ، وأنَّه من المُهْبَطِيْن.
فإذا تقرَّر هذا، فقد كرَّر سبحانه الإهباط ثانيًا بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨].
والظَّاهرُ أنَّ هذا (^١) الإهباط الثاني غيرُ الأوَّل، وهو إهباط من
_________________
(١) ليس في "أ".
[ ١ / ٥٩ ]
السماء إلى الأرضِ، والأوَّل إهباط من الجنَّة، وحينئذٍ فتكون الجنَّة التي أُهْبِطُوا منها أوَّلًا فوق السَّماءِ = جنة الخلدِ.
وقد ظنَّ الزمخشري أنَّ قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] خطاب (^١) لآدم وحواء خاصَّة، وعبَّر عنهما بالجمع لاسْتِتْباعهما ذُرِّيَّاتهما، قال: "والدليلَ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، قال: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]، وما هو إلا حكم يعمّ النَّاس كلهم، ومعنى قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ما عليه النَّاسُ من التَّعادي والتَّباغي وتضليل بعضهم بعضا" (^٢) .
وهذا الَّذي اختاره أضعف الأقوال في الآية، فإنَّ (^٣) العداوة التي ذكرها اللَّهُ تعالى إنَّما هيَ بين آدم وإبليس وذريتهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وهو سبحانه قد أكَّد أَمْرَ العداوةِ بين الشيطان (^٤) والإنسان، وأعاد وأبَّد (^٥) ذِكْرَهَا في القرآن لِشِدَّةِ الحاجة إلى التحرز من هذا العدو، وأمَّا آدم وزوجته، فإنَّه إنَّما أخبر في
_________________
(١) ليس في "ب".
(٢) انظر: الكشَّاف (١/ ١٢٨).
(٣) في "ب": "لأنَّ".
(٤) من قوله "لكم عدو فاتخذوه" إلى "الشيطان" سقط من "ب، ج".
(٥) في "ب، د": "وأبْدى"، وسقط من "ج".
[ ١ / ٦٠ ]
كتابه أنَّه خلقها ليسكن إليها، وجعل بينهما مودة ورحمة، فالمودةُ والرحمة بين الرجل وزوجته (^١)، والعداوة بين الإنسانِ والشيطان.
وقد تقدَّم ذكر آدم وزوجه وإبليس وهم ثلاثة، فلماذا يعود الضميرُ على بعض المذكور -مع منافرته لطريق الكلام- دون جميعه، مع أنَّ اللفظ والمعنى يقتضيه، فلم يصنع الزمخشري شيئًا.
وأمَّا قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]. وهذا خطاب لآدم وحوَّاء، وقد جعلَ بعضهم عدوًّا لبعضٍ: فالضمير في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ إمَّا أنْ يرجعَ إلى آدم وزوجه، أو إلى آدمَ وإبليس، ولم يذكر الزوجة؛ لأنَّها تبع (^٢) له وعلى هذا، فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإهباط، وهما: آدم وإبليس، فالأمر (^٣) ظاهر، وأمَّا على الأوَّل، فتكون الآية قد اشتملت على أمرين:
أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط.
والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه، وبين إبليس؛ ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني دون الأوَّل، ولا بدَّ أن يكون إبليسُ داخلًا في حكمِ هذه العداوة قطعًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، وقال للذرية: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
_________________
(١) في "ب، ج، د": "وامرأته".
(٢) ليس في "أ".
(٣) في "ج": "بالأمر"، وفي "أ، هـ": "فبالأمر".
[ ١ / ٦١ ]
وتأمَّل كيفَ اتَّفقت المواضع التي فيها ذِكْرُ العداوةِ على ضمير الجمعِ دون التثنية؟
وأمَّا الإهباط: فتارة يُذْكَرُ (^١) بلفظِ الجمع، وتارةً بلفظِ التثنية، وتارة بلفظِ الإفرادِ، كقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] وكذلك في سورة (ص)، وهذا لإبليس وحده.
وحيثُ وردَ بصيغة الجمع: فهو لآدم وزوجه وإبليس، إذْ مدار القصَّة عليهم.
وحيث وردَ بلفظ التثنية: فإمَّا أن يكون لآدم وزوجه، إذ هما الَّلذانِ باشرا الأكلَ من الشجرة، وأقدما على المعصية.
وإمَّا أنْ يكون لآدمَ وإبليس، إذ هما أَبَوَا الثقلين، وأصْلا الذُّريَّة، فذكر حالهما، وما آل إليه أمرهما ليكون عظةً وعبرة لأولادهما، وقد حُكِيت القولان في ذلك.
والَّذي يوضح أنَّ الضمير في قوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] لآدم وإبليس، أنَّ (^٢) اللَّه سبحانه لمَّا ذكرَ المعصيةَ أفرد بها آدم دون زوجه، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٣]. وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطب بالإهباطِ هو آدم ومن زين له المعصية، ودخلت الزوجة تبعًا، فإنَّ المقصودَ إخبار اللَّه سبحانه للثقلين بما جرى على أبويهما من
_________________
(١) في "ج، هـ": "يذكره".
(٢) في "ب، د": "لأنَّ".
[ ١ / ٦٢ ]
شؤم المعصية ومخالفة الأمر (^١)، فذكر أبويهما أبلغُ في حصولِ هذا المعنى، من ذِكْر أَبَوَي الإنس فقط.
وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنَّها أكلت مع آدم، وأخبر أنَّه أهبطه وأخرجه من الجنَّة بتلك الأكلة، فعُلِمَ أنَّ حُكْمَ الزوجة كذلك، وأنَّها صارت إلى ما صار إليه آدم.
فكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنسِ وأُمَّهم، فتأمله.
وبالجملةِ فقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] ظاهرٌ في الجمع (^٢)، فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا﴾ [طه: ١٢٣] من غير موجب.
قالوا: وأيضًا، فالجنَّة جاءت مُعَرَّفةً بلام التعريفِ في جميع المواضع، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ونظائره، ولا جنَّة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلَّا جنَّة الخلدِ التي وعد الرَّحمن عباده بالغيب، فقد صارَ هذا الاسمُ عَلَمًا عليها بالغلبةِ: كالمدينةِ والنَّجمِ والبيت والكتاب ونظائرها، فحيثُ ورد لفظها مُعَرَّفًا انصرف إلى الجنَّةِ المعهودةِ المعلومةِ في قلوبِ المؤمنين.
وأمَّا إنْ أُريدَ به جنَّة غيرها فإنَّها تجيءُ منكَّرةً أو مقيَّدةً بالإضافة (^٣)،
_________________
(١) في "ج": "الآمِر" وكلاهما صحيح.
(٢) في "ج، هـ": "الجميع" وكلاهما صحيح.
(٣) قوله: "أو مقيدة بالإضافة" سقطت من "ب".
[ ١ / ٦٣ ]
أو مقيَّدةً من السِّياقِ بما يدل على أنَّها جنةٌ في الأرضِ.
فالأوَّل: كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢].
والثاني: كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩].
والثالث: كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧].
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ جنَّة آدم هي جنَّة المأوى: ما روى هوذَة بن خليفة عن عوف، عن قَسَامَة بن زهير عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أخرج آدم من الجنَّة زوَّده من ثمار الجنَّة، وعلَّمه صنعة كلَّ شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنَّة، غير أنَّ هذه تَغَيَّر، وتلك لا تغيَّر (^١) " (^٢)
_________________
(١) في "هـ": "تتغيَّر، وتلك لا تتغيَّر"، وكذا عند ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: (١/ ٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٤٢١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٢) رقم (٣٩٩٦)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (١٩٨)، والبزَّار في مسنده رقم (٣٠٣٠)، وابن عساكر في تاريخه (٧/ ٤١٠). من طريق هوذة ومعمر وغندر وعبد الوهاب ومحمد بن ثور وابن أبي عدي كلهم عن عوف به فذكره موقوفًا. ورواه رِبْعِي بن عُلَيَّة والعباسُ بن الفضل الأنصاري كلاهما عن عوف به مثله مرفوعًا. أخرجه البزار: (٨/ رقم ٣٠٢٩)، والروياني في مسنده رقم (٥٦٧). والصوابُ أنَّه موقوفٌ على أبي موسى الأشعري، أمَّا ربعي فقد أخطأ فيه، وأمَّا العبَّاسُ الأنصاري فمتروك الحديث، ولهذا قال البزَّار: "وهذا الحديثُ قد رواه غيرُ واحدٍ عن عوف عن قسامة عن أبي موسى موقوفًا، ولا =
[ ١ / ٦٤ ]
قالوا: وقد ضمن اللَّهُ ﷾ له إنْ تابَ إليهِ، وأناب أنْ يعيده إليها، كما روى المِنْهال عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. قال: يا ربَّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تُسْكِنَّي جنتك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تسبق رَحْمَتك غَضَبَكَ؟ قال: بلى، قال أرأيتَ إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنَّة؟ قال: بلى، قال: فهو قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (^١) .
وله طرق عن ابن عباس (^٢)، وفي بعضها: "كأنَّ آدم قال لربه إذْ عصاهُ: ربِّ إنْ أنا تُبْتُ وأصلحتُ، فقال له ربُّه: إنِّي راجعُك إلى الجنَّة" (^٣) .
فهذه بعض ما احتجَّ به القائلون بأنَّها جنَّة الخلد، ونحن نسوقُ حُجج الآخرين.
_________________
(١) = نعلمُ أحدًا رفعه إلَّا ربعي". والأثر صحَّحهُ موقوفًا الحاكم فقال: "صحيح الإسنادِ، ولم يخرِّجاهُ".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره: (١/ ٢٤٣)، والآجري في الشريعة: (٣/ ١١٨١ - ١١٨٢) رقم (٧٥٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٤) رقم (٤٠٠٢). من طريق ابن أبي ليلى والحسن بن صالح عن المنهال به مثله. قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيح الإسنادِ، ولم يخرجاه". وهو كما قال.
(٣) عند ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٤١١)، والطبري (١/ ٢٤٣).
(٤) عند الطبري: (١/ ٢٤٣) ولا يثبت سنده.
[ ١ / ٦٥ ]