روى مسلم في "صحيحه" (^١) من حديث عبد اللَّه بن (^٢) عمرو بن العاص -﵄- أنَّه سمع النَّبي -ﷺ- يقول: "إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه بها (^٣) عشرًا، ثمَّ سلُوا اللَّهَ (^٤) لي الوسيلة، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد اللَّهِ، وأرجو أنْ أكون أنا هو، فمن سأل ليَ الوسيلة حلَّتْ عليه الشفاعة".
وقال أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن ليث عن كعب، عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا صليتم عليَّ فاسألوا اللَّه لي الوسيلة، قيل: يا رسول اللَّه، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنَّة لا ينالها إلَّا رجلٌ واحدٌ، وأرجوا أنْ أكونَ أنا هو" (^٥).
هكذا الرواية: "أنْ أكون أنا هو"، ووَجْهُهَا: أنْ تكون الجُملة خَبَرًا
_________________
(١) رقم (٣٨٤).
(٢) قوله: "عبد اللَّه بن" سقط من جميع النسخ، فأثبته من مسلم.
(٣) ليست في "ب، ج، د".
(٤) من صحيح مسلم.
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٦٥)، والترمذي رقم (٣٦١٢) وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة رقم (٤٦)، وهنَّاد في الزهد رقم (١٤٧). قال الترمذي: "هذا حديث غريب، إسناده ليس بالقوي، وكعب ليس هو بمعروف، ولا نعلم أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم".
[ ١ / ١٦٠ ]
عن اسم كان المُسْتَتِر فيها، ولا تكون "أنا" فصْلًا، ولا توكيدًا، بل مبتدأ.
وفي "الصحيحين" (^١) من حديث جابر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قال حينَ يسمع النَّداء: الَّلهم رَبَّ هذِهِ الدعوة التَّامَّة، والصَّلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت (^٢) له شفاعتي (^٣) يوم القيامة".
هكذا لفظ الحديث: "مقامًا" بالتَّنكير ليوافق لفظ الآية؛ ولأنَّهُ لمَّا تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة، فَوُصِفَ بما توصف به المعارف، وهذا ألطف (^٤) مِنْ جَعْلِ "الَّذي وعدته" بدلًا، فتأمله.
وفي "المسند" من حديث عمارة بن غَزِيَّة، عن موسى بن وَرْدَان عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الوسيلة درجةٌ عند اللَّهِ ﷿، ليس فوقها درجةٌ، فسلوا اللَّه لي (^٥) الوسيلة" (^٦) .
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٨٩) و(٤٤٤٢)، ولم يخرجه مسلم في صحيحه.
(٢) وقع في "أ، ج، هـ": "إلَّا حلَّت"، والمثبت من البخاري و"ب، د".
(٣) في جميع النسخ: "الشفاعة"، والمثبت من البخاري، انظر: فتح الباري (٢/ ٩٦).
(٤) في "ج": "لفظ" وهو خطأ.
(٥) في المسند: "أنْ يؤتيني" بدل "لي".
(٦) أخرجه أحمد في مسنده: (٣/ ٨٣). =
[ ١ / ١٦١ ]
وذكره ابن أبي الدنيا وقال فيه: "درجةٌ في الجنَّة ليس في الجنَّة درجة أعلى منها، فسلُوا اللَّهَ أنْ يؤتينيها على رؤوس الخلائقِ" (^١) .
وقال أبو نعيم، أنبأنا سليمان بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمرو بن مسلم (^٢) الخلَّال، حدثنا عبد اللَّه بن عمران العابدي (^٣)، حدثنا فُضَيل
_________________
(١) = من طريق ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي سعيد فذكره. قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف". مجمع الزوائد: (١/ ٣٣٢). تنبيهان:
(٢) الحديث لم يخرجه أحمد في مسنده من طريق عمارة بن غزية، وإنَّما هو عند الطبراني في الأوسط.
(٣) ليس في سند الطبراني في الأوسط ابن لهيعة، كما سيأتي.
(٤) أخرج ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" رقم (٢٠١). من طريق إسماعيل بن عياش عن عمارة عن موسى عن أبي سعيد فذكره. ورواه إسماعيل بن جعفر وسعيد بن أبي أيوب عن عمارة بن غزية عن موسى عن أبي سعيد فذكره. أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٢٦٣ و١٤٦٦). ولفظ إسماعيل بن جعفر مثله وفيه: ". . . فسلوا اللَّهَ أنْ يؤتيني الوسيلة على خلقه". وأمَّا طريقُ سعيد بن أبي أيوب فضعيفٌ جدًّا. والحديث مداره على موسى بن وردان وهو تابعيٌ قاص صدوق يخطئ، له مفاريد، ولعلَّ هذا منها. انظر: تهذيب الكمال: (٢٩/ ١٦٣ - ١٦٦).
(٥) وقع في جميع النسخ "عمرو بن سليم"، وجاء في نسخة على حاشية "أ": "عمر" بدلًا من "عمرو" وهو خطأ.
(٦) جاء في "د": "العبادي"، وفي "ب": "العايدي". انظر: الأنساب للسمعاني =
[ ١ / ١٦٢ ]
ابن عِيَاض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة -﵂- قالت: جاء رجلٌ إلى النَّبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، واللَّهِ إنَّك لأحبٌّ إليَّ من نفسي، وإنَّك لأحب إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإنِّي لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتَّى آتيك فأنظرَ إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك؛ عرفتُ أنَّك إذا دخلت الجنَّة رُفعتَ مع النبيين، وإنَّي إذا دخلتُ الجنَّة خشيتُ أنْ لا أراكَ. فلم يردَّ عليه (^١) النَّبي -ﷺ- حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] (^٢) ".
_________________
(١) = (٤/ ١٠٧).
(٢) ليس في "ج".
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٤٧٧)، وفي الصغير رقم (٥٢)، وأبو نعيم في "الحلية": (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠) و(٨/ ١٢٥) والواحدي في أسباب النزول ص (٦٦)، وغيرهم. قال الطبراني: "لم يروه عن منصور عن إبراهيم. .، إلَّا فضيل، تفرَّد به عبد اللَّه بن عمران". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث فضيل ومنصور متَّصلًا، تفرَّد به العابدي فيما قاله سليمان". وقال أيضًا: "هذا حديث غريب من حديث منصور وإبراهيم، تفرَّد به فضيل وعنه العابدي". قلتُ: العابدي صدوق، قاله أبو حاتم، "الجرح": (٥/ ١٣٠)، لكن يخشى من خطئه. فقد رواه جرير وزائدة بن قدامة وعبيدة بن حميد كلهم عن منصور عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح عن مسروق فذكره مرسلًا بنحوه. =
[ ١ / ١٦٣ ]
قال الحافظ أبو عبد اللَّه المقدسي: "لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسًا".
وسُمِّيت درجة النَّبي -ﷺ- الوسيلة؛ لأنَّها أقرب الدرجات إلى عرش الرب (^١) ﵎، وهي أقرب الدرجات إلى اللَّهِ.
وأصل اشتقاق لفظ: "الوسيلة" من القُرْب. وهي فَعِيلَة: مِنْ وَسَلَ إليه: إذا تقرَّب إليه.
قال لَبيْد:
بلى كلُّ ذي رأيٍ إلى اللَّهِ واسلُ (^٢)
ومعنى الوسيلة: من الوُصْلَة، ولهذا كانت أفضل الجنَّة وأشرفها، وأعظمها نورًا.
قال صالح بن عبد الكريم: قال لنا فُضَيل بن عِيَاض: تدرون لِمَ حسنت الجنَّة؟ لأنَّ عرش رب العالمين سقفها (^٣) .
_________________
(١) = أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٧) رقم (٥٧٧)، والواحدي في "أسباب النزول" ص (١٦٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ٣٢٨) رقم (٣١٧٦٥) وغيرهم. قلت: ولعل المرسل أشبه بالصواب، وقد وردت عدة مراسيل بنحو ذلك: عن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والربيع.
(٢) في "ب": "الرحمن".
(٣) * ديوان لبيد ص (٢٥٦) *.
(٤) أخرجه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣١٢).
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال الحكم بن أبان: عن عكرمة عن ابن عباس -﵄-: "نور سقف مساكنهم نورُ عرشه" (^١) .
وقال بكر (^٢) عن أشعث عن الحسن: "إنَّما سُمِّيت عَدْن؛ لأنَّ فوقها العرش، ومنها (^٣) تفجَّر أنهار الجنَّة، وللحور العَدْنِيَّة الفضلُ على سائر الحور (^٤) " (^٥) .
والقُرْبَى والزُّلْفَى: واحد، وإنْ كان في الوسيلة معنى التقرب إليه بأنواع الوسائل.
قال الكلبي: "واطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة" (^٦) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنَّة" رقم (٢٢) وأوله: "إذا سكن أهل الجنَّةِ الجنَّة: نوَّر. . . ". وسنده ضعيفٌ، فيه حفص بن عمر العدني والحكم بن أبان، وهما ضعيفان. انظر: "تهذيب الكمال": (٧/ ٤١ - ٤٤ و٨٦ - ٨٨).
(٢) في "أ": "بكر بن أشعث"، وفي باقي النسخ "بكر عن أشعث"، وعند ابن أبي الدنيا "مروان بن بكير"، ويحتمل أنَّه "بكر بن خُنَيس"، انظر: تهذيب الكمال (٣/ ٢٦٥).
(٣) في "هـ": "وفيها".
(٤) قوله: "على سائر الحور" ليس في "ج".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنَّة" رقم (٢٣). وفيه أشعث بن سوار الكندي، وهو ضعيف. انظر: تهذيب الكمال (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٦).
(٦) انظر الوسيط للواحدي (٢/ ١٨٣).
[ ١ / ١٦٥ ]
وقد كشف سبحانه عن هذا المعنى كلَّ الكشف بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، هو تفسير للوسيلة (^١) التي (^٢) يبتغيها هؤلاء الَّذين يدعونهم المشركون من دون اللَّهِ، فَيُنَافِسُون (^٣) في القرب منه.
ولمَّا كان رسول اللَّهِ -ﷺ- أعظم الخلق عبوديةً لربه، وأعلمهم به، وأشدَّهم له خشية، وأعظمهم له محبة؛ كانت منزلته أقرب المنازل إلى اللَّهِ، وهي أعلى درجة في الجنَّة، وأمرَ -ﷺ- أُمَّتَهُ أنْ يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى من اللَّهِ، وزيادة الإيمان.
وأيضًا فإنَّ اللَّه سبحانه قدَّرها له بأسباب، منها: دعاء أمَّته له بها (^٤) بما نالوه على يده من الإيمان والهدى، صلوات اللَّهِ وسلامه عليه.
فقوله: "حلت عليه" (^٥) يُرْوَى: "عليه" و"له"، فمن رواه بالَّلام فمعناهُ: حصلت له. ومن رواه بِعَلَى فمعناهُ: وقعت عليه شفاعتي، واللَّهُ أعلم.
_________________
(١) في "ب، ج": "الوسيلة".
(٢) في "ب، ج، د، هـ": "الذي".
(٣) في "ظ، م، ج": "فيتنافسون".
(٤) في "ب، ج، د": "لربها بما نالوه".
(٥) تقدم ص (١٦٠ و١٦١).
[ ١ / ١٦٦ ]