وقد تقدَّم في الباب الأوَّل من ذكر الأدلَّة الدَّالة على وجود الجنَّة الآن ما فيه كفاية.
فنقول: ما تعنون بقولكم: إنَّ الجنَّة (^١) لم تُخْلَق بَعْدُ؟ أتريدون أنَّها الآن عدَمٌ محضٌ لم تدخل إلى (^٢) الوجود بعدُ، بل هي بمنزلة النفخ في الصُّور، وقيام النَّاس من القبور؟ فهذا قولٌ باطلٌ يَرُدُّه المعلوم بالضَّرورة من الأحاديث الصريحة الصحيحة التي تقدَّم بعضها، وسيأتي بعضها، وهذا قول لم يقله أحد من السلف، ولا أهل السنَّة، وهو باطل قطعًا. أم تريدون أنَّها لم تخلق بكمالها، وجميع ما أعدَّ اللَّهُ فيها لأهلها، وأنَّها لا يزال اللَّهُ يُحْدِثُ فيها شيئًا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أَحْدثَ اللَّهُ فيها عند دخولهم أُمُورًا أُخر، فهذا حقٌّ لا يمكن ردُّه.
وأدلتكم هذه إنَّما دلَّت على هذا القدر، وحديث ابن مسعود ﵁ الَّذي ذكرتموه (^٣)، وحديث أبي الزبير، عن جابر (^٤): صريحان في أنَّ أرضها مخلوقة، وأنَّ الذِّكْر يُنشئ اللَّهُ سبحانه لقائله
_________________
(١) قوله: "إنَّ الجنَّة" ليس في "ب".
(٢) في "ب": "في".
(٣) تقدم ص (٩١).
(٤) تقدم ص (٩٢ - ٩٣).
[ ١ / ٩٥ ]
منه غراسًا في تلك الأرضِ، وكذا بناءُ البيوت فيها بالأعمال المذكورة، والعبد كلَّما وسَّع في أعمال البر (^١) وُسِّعَ له في الجنَّة، وكلَّما عمل خيرًا غُرِسَ له به هناك غِراس، وبُنِيَ له به بناء (^٢)، وأُنْشئ له من عمله أنواع ممَّا يتمتعَّ به، فهذا القدرُ لا يدلُّ على أنَّ الجنَّة لم تخلق بعد، ولا يسوغ إطلاق ذلك.
وأمَّا احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فإنَّما أُتِيتُم من عَدَم فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنَّة والنَّارِ الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما (^٣)، فلا أنتم وُفِّقْتُم لِفَهْمِ معناها ولا إخوانكم، وإنَّما وُفَّقَ لفهم معناها السلف، وأئمة الإسلامِ، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية.
قال البخاري في "صحيحه": "يقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إلَّا ملكه، ويقال: إلَّا ما أُريد به وجهه" (^٤) .
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: "فأمَّا السَّماء والأرض فقد زالتا؛ لأنَّ أهلها صاروا إلى الجنَّة وإلى النَّار، وأمَّا العرش فلا يَبيدُ ولا يذهبُ؛ لأنَّهُ سَقْفُ الجنَّة، واللَّهُ ﷾ عَلَيْهِ، فلا يَهلك ولا يبيد.
_________________
(١) ليس في "ب".
(٢) في "ب": "وبنى له بيتًا"، ووقع في "ج، د": "له بناء".
(٣) وقع في "أ": "فنائها، وخرابها وموت أهلها" بالإفراد.
(٤) انظر: صحيح البخاري: (٦٨) التفسير (٢٦٢)، باب: تفسير سورة القصص: (٤/ ١٧٨٨).
[ ١ / ٩٦ ]
وأمَّا قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وذلك أنَّ اللَّهَ ﷾ أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض - وطَمِعُوا في البقاءِ - فأخبر اللَّه ﷾ عن أهل السماواتِ وأهل الأرضِ أنَّهم يموتون فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨]-يعني: ميِّت- ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ لأنَّه حيٌّ لا يموت، فأَيْقَنَتِ الملائكة عند ذلك بالموت" (^١) . انتهى كلامه.
وقال في رواية أبي العباسِ أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصْطَخْرِي، ذكره أبو الحسين في كتاب "الطبقات" (^٢) قال: "قال أبو عبد اللَّهِ أحمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلمِ، وأصحاب الأثرِ، وأهل السنَّة المتمسِّكين بعروتها، المعروفين بها، المتقدى بهم فيها، من لدن أصحاب نبينا -ﷺ- إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من (^٣) علماء أهل الحجاز والشَّام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا (^٤) من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة، زائلٌ عن منهج السنَّة وسبيل الحقِّ".
وساق أقوالهم إلى أنْ قال: "وقد خلقت الجنَّةُ وما فيها، وخلقت النَّار وما فيها، خلقهما اللَّهُ ﷿، وخلق الخلق لهما (^٥)، ولا
_________________
(١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص (١٤٨).
(٢) من قوله: "أحمد بن جعفر" إلى "الطبقات" سقط من "ب".
(٣) ليس في "ب".
(٤) ليس في "ب".
(٥) في "ب": "وخلق كلَّ شيءٍ الخلق لهما" بدل "وخلق الخلق لهما".
[ ١ / ٩٧ ]
يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا.
فإنْ احتج مبتدعٌ، أو زنديقٌ بقول اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كلُّ شيءٍ ممَّا كتب اللَّهُ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنَّة والنَّار خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا للهلاكِ، وهما من الآخرة لا من الدنيا، والحور العين لا يَمُتْنَ عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ خلقهنَّ للبقاءِ، لا للفناءِ، ولم يكتب عليهنَّ الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع، وقد ضلَّ عن سواء السبيل.
وخلق سبع سماوات، بعضها فوق بعضٍ، وسبع أرضين، بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمس مائة عام، وبين كلِّ سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة خمس مائة عام، والماء فوقُ السَّماء العليا السَّابعة، وعرش الرحمن ﷿ فوق الماء، واللَّهُ ﷿ على العرشِ، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحتَ الثَّرى، وما في قَعْرِ البحر، ومنْبَت كلِّ شعرةٍ وشَجَرة، وكل زرعٍ وكل نباتٍ، ومسقط كلِّ ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرَّملِ والحصَى والتراب، ومثاقيلِ الجبالِ، وأعمالِ العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلمُ كلَّ شيء لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حُجُبٌ من نارٍ ونورٍ وظُلمةٍ، وما هو أعلم بها.
فإنْ احتج مبتدعٌ ومخالفٌ بقول اللَّهِ ﷿: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦] وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم] [الحديد: ٤] وقوله:
[ ١ / ٩٨ ]
﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحو هذا من متشابه القرآن فقل: إنَّما يعني بذلك العلم؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ على العرشِ فوق السَّماء السَّابعة العليا، يعلم ذلك كله، وهو بائنٌ من خلقه، لا يخلو من علمه مكان" (^١) .
وقال في رواية أبي جعفر الطائي محمد بن عوف بن سفيان الحمصي، قال الخلالُ: "حافظٌ إمامٌ في زمانهِ، معروفٌ بالتَّقدُّم في العلم والمعرفة، كان أحمد بن حنبل يعرف له ذلك ويقبل منه، ويسأله عن الرِّجالِ من أهل بلده" (^٢) قال: "أملى عليَّ أحمد بن حنبل -فذكر الرِّسالة في "السنة" ثمَّ قال في أثنائها-: "وأنَّ الجنَّة والنَّارَ مخلوقتانِ قد خلقتا كما جاء الخبر، قال النَّبي -ﷺ-: "دخلتُ الجنَّة فرأيتُ فيها قصرًا" (^٣)، و"رأيت الكوثر" (^٤)، و"اطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثرَ أهلِها كذا وكذا" (^٥) فمن زعمَ أنَّهما لم تُخلقا؛ فهو مكذِّبٌ برسول اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) انظر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى: (١/ ٢٤ - ٢٩).
(٢) انظر: المصدر السَّابق (١/ ٣١٠).
(٣) تقدم الحديث ص (٤٤).
(٤) ورد من حديث أنس ﵁ قال: لمَّا عُرِجَ بالنَّبي -ﷺ- إلى السَّماءِ، قال: أتيتُ على نهر، حافتاه قِبابُ اللؤلؤ مجوَّفًا، فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر". أخرجه البخاري برقم (٤٦٨٠).
(٥) ورد من حديث عمران بن حصين أنَّ النَّبي -ﷺ- قال: "اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء". أخرجه البخاري رقم (٣٠٦٩). وراجع ص (٢٥٨) وما بعدها.
[ ١ / ٩٩ ]
وبالقرآنِ، كافرٌ بالجنَّة والنَّار، يُسْتَتَابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ" (^١) .
وقال: في رواية عبدوس بن مالك العطَّار، وذكر رسالته في "السنَّة" قال فيها: "والجنَّة والنَّارُ مخلوقتان، قد خلقتا كما جاء عن رسول اللَّه -ﷺ-: "اطلعتُ في (^٢) الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها كذا وكذا، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثر أهلها كذا وكذا"، فمن زعمَ أنَّهما لم تُخْلقا فهو مكذِّبٌ بالقرآنِ، وأحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، ولا أحسبهُ يؤمن بالجنَّة والنَّار" (^٣) .
فتأمَّل هذه الأبواب وما تضمنته من النقولِ، والمباحث، والنُّكَت والفوائدِ التي لا يظفر بها في غير هذا الكتاب البتَّة.
ونحن اختصرنا الكلام في ذلك، ولو بسطناهُ لقام منه سفرٌ ضخمٌ، واللَّهُ المستعان، وعليه التكلان، وهو الموفِّقُ للصَّوابِ.
_________________
(١) انظر: "طبقات الحنابلة": (١/ ٣١١ - ٣١٢).
(٢) في "أ": "على".
(٣) انظر: طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
[ ١ / ١٠٠ ]