قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣]، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٧٢ - ٧٣]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦].
وفي "صحيح مسلم" (^١) من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "يأكل أهل الجنَّة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جُشاءٌ كريحِ المسكِ، يُلْهَمُون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النَّفَسَ".
ورواهُ أيضًا من رواية طلحة بن نافع، عن جابر وفيه: قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جُشاءٌ ورشحٌ كرشح المسك، يُلْهَمون التسبيح
_________________
(١) رقم (٢٨٣٥) - (١٩).
[ ١ / ٣٩٥ ]
والحمد" (^١) .
وفي "المسند" و"سنن النسائي" بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم قال: "جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى النَّبي -ﷺ- فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: "نعم، والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليُعْطَى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة"، قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال: "تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم كرشح المسك فَيضْمُر بطنه" (^٢) .
ورواه الحاكم في "صحيحه" (^٣) ولفظه: "أتى النَّبي -ﷺ- رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ -ويقول لأصحابه: إن أقرَّ لي بهذا خصمته- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بلى والذي نفس محمدٍ بيده، إن أحدهم ليُعْطَى قوة
_________________
(١) رقم (٢٨٣٥) - (١٨).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٦٧ و٣٧١)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب رقم ٢٦٣)، والنسائي في الكبرى (٦/ رقم ١١٤٧٨)، وهناد في الزهد رقم (٦٣، ٩٠)، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (١٦/ ٧٤٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٦٦)، (٨/ ١١٦)، وابن حبيب في وصف الفردوس رقم (٨٣ و٨٤) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان وأبو نعيم والضياء المقدسي والمؤلِّف.
(٣) لم أقف عليه في المطبوع، ولا في إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة لابن حجر (٤/ ٥٧٠ و٥٧١) رقم (٤٦٧١، ٤٦٧٣). لكن أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٣٥٢) عن الحاكم ومحمد بن موسى به.
[ ١ / ٣٩٦ ]
رجل في المَطْعم والمَشْرب والشهوة والجماع"، فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "حاجتهم عَرَق يفيض من جلودهم مثل المسك، فإذا البطن قد ضمر".
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه، فَيَخِرّ بين يديك مشويًّا" (^١) .
وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد اللَّه بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة، وشرابهم على أثره (^٢) .
_________________
(١) أخرجه الحسن بن عرفة في جزئه رقم (٢٢)، والبزار في مسنده (٥/ ٤٠١) رقم (٢٠٣٢)، والبيهقي في البعث رقم (٣٥٣). - ورواهُ جماعةٌ عن خلف بن خليفة به. أخرجه الشاشي في مسنده رقم (٨٥٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٦٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (١٠٤)، والبيهقي في البعث رقم (٣٥٣) وغيرهم. والحديثُ مدارهُ على حميد الأعرج الكوفي: ضعيف جدًّا، بل قال ابن حبان: "يروي عن ابن الحارث عن ابن مسعود نسخة كأنَّها كلها موضوعة". وقال ابن عدي: "وهذه الأحاديث عن ابن الحارث عن ابن مسعود، أحاديث ليست بمستقيمة ولا يتابع عليها. . ". والحديثُ باطل، وقد ضعفه العقيلي وابن عدي والبوصيري والذهبي وغيرهم.
(٢) عند البخاري رقم (٣٧٢٣).
[ ١ / ٣٩٧ ]
وحديث أبي سعيد الخدري: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفَّؤها الجبار بيده نُزُلًا لأهل الجنة" (^١) .
وقال الحاكم: أنبأنا الأصم، حدثنا إبراهيم بن منقذ، حدثنا إدريس ابن يحيى، حدثني الفضل بن المختار، عن عبيد اللَّه بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، عن حذيفة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن في الجنة طيرًا أمثال البخاتي، فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول اللَّه، قال: أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر" (^٢) .
قال الحاكم: وأنبانا الأصم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، أنبأنا سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ [الواقعة: ٢١] قال: ذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول اللَّه، إني لأرى طير الجنة ناعمة كما أهلها ناعمون، قال: "من يأكلها أنعم منها، وإنها أمثال البخاتي، وإني لأحتسب على اللَّه أن تأكل منها يا أبا بكر" (^٣) .
_________________
(١) عند البخاري رقم (٦١٥٥)، ومسلم رقم (٢٧٩٢).
(٢) أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٣٥٤). قال العراقي: غريب. قلت: فيه الفضل بن المختار البصري قال أبو حاتم: "هو مجهول، وأحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل"، وقال ابن حجر: "مدارها على الفضلِ بن المختار، وهو ضعيف جدًّا". انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٦٩)، والإصابة (٦/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٣٥٥). وسنده حسن إلى قتادة، والحديث مرسل.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وبهذا الإسناد عن قتادة، عن أبي أيوب رجلٌ من أهل البصرة، عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، قال: "يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذَهَبٍ، كلُّ صفحةٍ فيها لون ليس في الأُخرى" (^١) .
وقال الدراوردي: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه (^٢) عبد اللَّه ابن مسلم أنه سمع أنس بن مالك -﵁- يقول في الكوثر: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "هو نهرٌ أعطانيه ربي أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزُرِ"، فقال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول اللَّه لناعمة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "آكِلُها أنعم منها" (^٣) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٣٥٦)، والطبري في تفسيره (٢٥/ ٩٦) مختصرًا. وسنده صحيح، أبو أيوب هذا هو يحيى، -ويقال حبيب- ابن مالك الأزدي العتكي. انظر: تهذيب الكمال (٣٣/ ٦٠ - ٦٢).
(٢) في "ب، د": "عن" بين "أبيه" و"عبد اللَّه" وهو خطأ.
(٣) أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٢٩١). - ورواهُ إبراهيم بن سعد ومعن بن عيسى القزَّاز وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي وأبو أُويس "لكنه اضطرب فيه"، كلهم عن محمد بن عبد اللَّه بن مسلم عن أبيه عن أنس فذكره نحوه؛ لكن قال إبراهيم بن سعد "أبو بكر" بدل "عمر". أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧)، وبقي بن مخلد فيما روي في الحوض والكوثر رقم (٣١)، والآجري في الشريعة رقم (١٠٨٧)، والترمذي برقم (٢٥٤٢)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة (٧٩) وغيرهم. - ورواهُ جعفر بن عمرو عن عبد اللَّه بن مسلم عن أنس فذكره. =
[ ١ / ٣٩٩ ]
تابعه إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب، وقال: فقال "أبو بكر" بدل "عمر".
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة: ١٨]، يقول: "الخمر"، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] يقول (^١): "ليس فيها صداع"، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] يقول: "لا تذهب عقولهم"، وقوله تعالى:
_________________
(١) = أخرجه بقي بن مخلد في الحوض والكوثر رقم (٣٠) وغيره. - ورواه عبد الوهاب بن أبي بكر ويزيد بن الهاد (إن كان محفوظًا) عن عبد اللَّه بن مسلم عن ابن شهاب الزهري عن أنس فذكره نحوه. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٠)، وبقي بن مخلد "فيما روي في الحوض والكوثر" رقم (٣٢/ ٣٣)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٤) وغيرهم. - ورواه الليث بن سعد إن كان محفوظًا -عن الزهري عن أنس مرفوعًا- قاله لأبي بكر. أخرجه ابن حبيب في وصف الفردوس رقم (٨٨). قال الترمذي: "حسن"، وفي بعض النسخ "حسن غريب". قلت: طريق عبد الوهاب أصح، فإن محمد بن عبد اللَّه بن مسلم في حفظه مقال، وجعفر بن عمرو هو ابن جعفر بن أميه فيه جهالة، والراوي عنه ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، والحديث غريب عن الزهري. - ورواه سيار عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي عن ثابت عن أنس رفعه: "إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر. . . " نحوه. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢١)، وصحَّح العراقي إسناده، وفيه نظر، والصواب أنَّه ضعيف الإسناد.
(٢) سقط من "ج".
[ ١ / ٤٠٠ ]
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤]، يقول: "ممتلئة"، وقوله: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] يقول: "الخمر ختم بالمسك" (^١) .
وقال علقمة، عن ابن مسعود: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]. قال: "خلطه، وليس بخاتم يختم" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور رقم (٣٥٧). وسنده حسن، وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما لقي مجاهدًا فسمع منه التفسير. انظر تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٩٠). وأخرجه الطبري مفرَّقًا ببعضه، عن علي عن عبد اللَّه بن صالح به في (٢٧/ ١٧٥) و(٣٠/ ١٩ و١٠٥ و١٠٦).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نعيم- رقم (٢٧٧)، وابن وهب في التفسير - من الجامع (١/ ١٤٣) رقم (٣٣٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة رقم (١٣١)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٠٦)، والبيهقي في البعث رقم (٣٥٩) وغيرهم. من طريق سفيان الثوري عن أشعث بن سليم عن زيد بن معاوية عن علقمة عن ابن مسعود فذكره. - وقد خولف الثوري: خالفه أبو الأحوص وزائدة وأيوب وشريك وإسرائيل كلهم عن أشعث به (من قول علقمة). وسئل يحيى القطان عن ذلك فقال: "لو كانوا أربعة آلاف مثل هؤلاء لكان سفيان أثبت منهم". وسئل عبد الرحمن بن مهدي عن ذلك فقال: "هؤلاء قد اجتمعوا، وسفيان أثبت منهم، والانصاف لا بأس به". انظر المجروحين لابن حبان (١/ ٥١). والأثر فيه زيد بن معاوية ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣١٧) وسكت =
[ ١ / ٤٠١ ]
قلت: يريد -واللَّه أعلم- أن آخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة، ليس من الخاتم.
وقال زيد بن معاوية: سألت علقمة عن قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] فقرأ ﴿خاتمه مسك﴾، فقال لي علقمة: "ليست خاتمه، ولكن اقرأها ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال علقمة: ختامه: خلطه، ألم تر إلى (^١) المرأة من نسائكم تقول للطيب: إنَّ خَلْطهُ من مسك، لكذا وكذا" (^٢) .
وذكر سعيد بن منصور (^٣): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق: "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون
_________________
(١) = عنه البخاري، وروى عنه راويان. وعليه فالإسناد لا بأس به.
(٢) في "ب، ج، د، هـ" "أنَّ".
(٣) أخرجه هناد في الزهد رقم (٦٧)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٠٦)، والبيهقي في البعث رقم (٣٦٠). وفيه زيد بن معاوية العبسي -تقدم الكلام فيه- وهو هنا يسأل علقمة فهو أقرب إلى الضبط في الجُمْلة. وعليه فالإسناد ثابت.
(٤) أخرجه البيهقي في البعث رقم (٣٦١) من طريق سعيد بن منصور به مثله. لكن رواه هناد في الزهد رقم (٦٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة رقم (١٣٧). عن داود بن عمرو الضَّبي كلاهما "هناد وداود" عن أبي معاوية به. وزاد "عن ابن مسعود" وهذا هو الصحيح. ورواهُ وكيع عن الأعمش به -وذكر ابن مسعود- مقتصرًا على أوَّله. أخرجه هناد رقم (٦٦) وغيره.
[ ١ / ٤٠٢ ]
عاقبتها طعم المسك".
وبهذا الإسناد عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ [المطففين: ٢٧] قال: "يمزج لأصحاب اليمين، ويشربُها المقربون صرفًا" (^١) .
وكذلك قال ابن عباس: "يشرب منها المقربون صرفًا، ويمزج لمن دونهم" (^٢) .
وقال مجاهدٌ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] يقول: "طينه مسك" (^٣) .
وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير. ولفظ الآية أوضح منه، وكأنه -
_________________
(١) أخرجه البيهقي في البعث رقم (٣٦٢) من طريق سعيد بن منصور به مثله. وأخرجه هناد في الزهد رقم (٦٥)، والمروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك رقم (١٥٢٢)، والطبري (٣٠/ ١٠٨). - ورواهُ جريرُ عن الأعمش عن عبد اللَّه عن مسروق قوله "ولم يذكر ابن مسعود". أخرجه الواحدي في تفسيره الوسيط (٤/ ٤٤٩). والأثر ثابت صحيح عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٩٠) رقم (٣٥٤٥)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٠٩)، والبيهقي في البعث رقم (٣٦٣) وغيرهم. وسنده صحيح، انظر تغليق التعليق (٣/ ٥٠٠).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٠٧)، والبيهقي في البعث رقم (٣٦٤) وغيرهما. وسنده حسن. انظر تغليق التعليق (٣/ ٥٠٠).
[ ١ / ٤٠٣ ]
واللَّه أعلم- يريد ما يبقى في أسفل الإناء من الدُّرْدِيِّ (^١) .
وذكر الحاكم: من حديث آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن ابن سابط، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، قال: "هو شرابٌ أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، لو أنَّ رجلًا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها؛ لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها" (^٢) .
قال آدم: وحدثنا أبو شيبة، عن عطاء قال: "التَّسْنِيم: اسم العين التي يمزج به الخمر" (^٣) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]
_________________
(١) دُرديُّ الشيء: ما يبقى في أسفله، الصحاح (١/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه البيهقي في البعث رقم (٣٦٥) عن الحاكم به مثله. وأخرجه ابن المبارك في الزهدِ -رواية نُعيم- رقم (٢٧٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (١٣٠)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ١٠٧). من طريق أبي حمزة ورجل عن جابر به مثله. والأثرُ ضعيفُ الإسناد فيه جابر الجعفي متكلَّمٌ فيه، وعبد الرحمن بن سابط لم يسمع من أبي الدرداء. انظر: تهذيب الكمال (١٧/ ١٢٥).
(٣) أخرجه البيهقي في البعث رقم (٣٦٦) عن الحاكم به مثله. وسنده حسن، وأبو شيبة هو: شعيب بن رزيق الشامي أبو شيبة المقدسي، وعطاء هو ابن أبي مسلم الخراساني. انظر: تهذيب الكمال (١٢/ ٥٢٤).
[ ١ / ٤٠٤ ]
قال: "هي المتتابعة الممتلئة"، قال: ورُبَّما سمعت العباس يقول: اسقنا وادْهَق لنا" (^١) .
وقد تقدَّم الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦] وعلى قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨] (^٢) .
فقالت فرقة: "سلسبيلًا" جملة مركبة من فعل وفاعل، و"سبيلًا" منصوب على المفعول، أي سل سبيلًا إليها (^٣) .
وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة، وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها، وقد شفى (^٤) قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في البعث رقم (٣٥٨) من طريق الإمام أحمد به مثله. وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره كما في تغليق التعليق (٣/ ٥٠١) عن هشيم به نحوه مختصرًا. - رواهُ يحيى بن المهلب عن حصين به نحوه وفيه (. . . اسقنا كأسًا دهاقًا). أخرجه البخاري في صحيحه (٦٦) فضائل الصحابة (٥٦) باب: أيام الجاهلية (٣/ ١٣٩٥) رقم (٣٦٢٧).
(٢) انظر ص (٣٩١ - ٣٩٢).
(٣) ذكره الماوردي في تفسيره (٦/ ١٧١) عن علي ﵁. قال ابن الجوزي: "ولا يصح" أي: عن علي ﵁. وقال السمعاني: "ومن قال ذلك فقد أبعد، وهو تأويل باطل، وليس من قول أهل العلم". انظر زاد المسير (٨/ ٤٣٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (٦/ ١١٩).
(٤) في "أ، ب، هـ" "سعى" وهو خطأ.
[ ١ / ٤٠٥ ]
فقال قتادة: "سَلِسَة لهم يصرفونها حيث شاؤوا" (^١) . وهذا من الاشتقاق الأكبر (^٢) . وقال مجاهد: "سَلِسَةُ السبيل حديدة الجرية" (^٣)، وقال أبو العالية والمقاتلان (^٤): "تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم". وهذا من سلاستها وحِدَّة جريتها.
وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق (^٥) .
وقال أبو إسحاق: "سلسبيل: صفة لِمَا كان في غاية السلاسة،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٧١) رقم (٣٤٣٧)، والطبري (٢٩/ ٢١٨). عن معمر عن قتادة فذكره. - ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: (سَلِسَة مستقيدًا "أي: منقاد" ماؤها). أخرجه الطبري (٢٩/ ٢١٨). وهو أثر صحيح عن قتادة.
(٢) في "ج" "الأكثر" وهو خطأ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٧١) رقم (٣٤٣٦) وهناد في الزهد رقم (٩٦) والطبري (٢٩/ ٢١٨ و٢١٩). من طريق الثوري وشبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. . ولفظ الثوري: حديدة -وفي رواية: شديدة- الجرية. ولفظ شبل: سلسة الجرية. وهو أثر صحيح عن مجاهد.
(٤) المقاتلان هما: مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان. وانظر هذا النقل عنهما في تفسير السمرقندي "بحر العلوم" (٣/ ٤٣٢)، وتفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٤٣)، وتفسير الماوردي (٦/ ١٧١)، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/ ٢٩٧).
(٥) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩/ ١٤٢).
[ ١ / ٤٠٦ ]
فسميت العين بذلك.
وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل: أنه صفة للماء، وليس باسم للعين". واحتج على ذلك بحجتين:
إحداهما: بأنَّ سلسبيلَ مصْرُوف، ولو كان اسمًا للعين لم يُصْرَف للتأنيث والعلمية.
الثانية: أن ابن عباس قال: معناه "أنها تنسل في حلوقهم انسلالًا" (^١) .
قلت: ولا حجة له في واحدة منهما، أما الصرف: فلاقْتِضَاء رؤوس الآي له كنظائره. وأما قول ابن عباس: فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة (^٢) .
فقد تضمنت هذه النصوص أنَّ لهم فيها الخبز والَّلحم والفاكهةَ والحلوى، وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر، وليس في الدنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وأمَّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر.
فإنْ قيل: فأين يُشْوى اللحم وليس في الجنة نار؟.
فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يُشْوى بـ ﴿كُن﴾.
_________________
(١) ذكره الماوردي في تفسيره (٦/ ١٧١).
(٢) راجع معاني القرآن للزجاج (٥/ ٢٦١)، وتفسير السمعاني (٦/ ١١٩)، وزاد المسير لابن الجوزي (٨/ ٤٣٨).
[ ١ / ٤٠٧ ]
وأجاب آخرون: بأنَّه يشوى خارج الجنة، ثم يؤتى به إليهم.
والصواب: أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز العليم (^١) لإنضاجه وإصلاحه، كما قَدَّرَ هناك أسبابًا لإنضاج الثمر والطعام، على أنَّه لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح ولا تفسد شيئًا.
وقد صح عنه -ﷺ- أنه قال: "مجامرهم الأَلُوَّةُ" (^٢)، و"المجامر": جمعِ مَجْمَر، وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه. و"الألوة": العود المُطرَّى. فأخبر أنهم يتجمرون به، أي: يتبخرون بإحراقه، لتسطع لهم رائحته.
وقد أخبر سبحانه أنَّ في الجنَّة ظلالًا، والظلال لا بُدَّ أنْ تفيء ممَّا يقابلها فقال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ [يس: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ [المرسلات: ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧].
فالأطعمة والحلوى والتَّجمر تستدعي أسبابًا تتم بها، واللَّه سبحانه خالق السَّبب والمُسَبَّب، وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابًا تُصَرِّف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم، فهذا سبب إخراجه، وذاك سبب إنضاجه، وكذلك يجعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويُلطِّفه، ويهيئه لخروجه رشحًا وجشاءً، وكذلك ما هناك من الثمار
_________________
(١) في "هـ": "الحكيم".
(٢) تقدم في (ص/ ٢٣١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
والفواكه يخلق لها من الحرارة ما يُنْضِجها، ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالًا، فربُّ الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحِكَم ما يجعله (^١) في الدنيا والآخرة، والأسباب مظهر أفعاله وحكمته؛ ولكنَّها تختلف، ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة، وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر، وذلك محض الجهل والظلم؛ وإلَّا فليست قدرته ﷾ مقصّرة عن أسباب أُخَر؛ وَمُسَبِّبَات ينشئها منها؛ كما لم يقصر في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته، وليس هذا بأهون عليه من ذلك.
ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب ﷾ فيها بالعيان والمشاهدة = أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب. ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة، والماء والخشب والنوى (^٢) المناسب لها = أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها.
ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذَّة من بين فرث ودم، ومن فِيِّ (^٣) ذُبَابٍ = أعجب من إجرائها أنهارًا في الجنة بأسباب أُخر.
_________________
(١) في "ب، د": "يخلقه".
(٢) في "ب، د، هـ": "الهواء".
(٣) في "أ، ب، ج": "قِيِّ"، ويعني بالذباب: النحل.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ولعل أخراج جوهَرَي الذهب والفضة في (^١) عروق الحجارة من الجبال وغيرها = أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر. ولعل إخراج الحرير من لعاب دُوْدِ القَزِّ، وبنائها على أنفسها القباب البِيْض والحُمر والصفر أحكم بناء = أعجب من إخراجه من أكمام تتفتَّق عنه شجر هناك، قد أودع فيها، وأنشئ منها.
ولعلَّ جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب = أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود.
وبالجملة، فتأمل آيات اللَّه التي دعا عباده إلى التفكُّر فيها، وجعلها آياتٍ دالةً على كمال قدرته، وعِلَّةً في مشيئته (^٢) وحكمته وملكه، وعلى توحُّده بالربوبية والإلهية، ثم وازن بينها وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار = تجد هذه أدلَّ شيءٍ على تلك، شاهدة لها، وتجدهما من مشكاةٍ واحدة، وربٍّ واحد، وخالقٍ واحد (^٣)، وملكٍ واحد، فبُعدًا لقومٍ لا يؤمنون.
_________________
(١) في "هـ": "من".
(٢) في "ب، د": "وعلمه ومشيئته"، وفي "هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "وعلمه في مشيئته".
(٣) قوله "وخالق واحد" من "ب، ج، د، هـ".
[ ١ / ٤١٠ ]