وقد تقدَّم قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].
قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عباد بن موسى العُكلي حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه المكي حدثني أبو عبد اللَّه أنَّه سمع الضحاك بن مزاحم يحدث عن الحارث عن علي ﵁ أنَّه سأل رسول اللَّه -ﷺ- عن هذا الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]، قال: قلتُ يا رسول اللَّه، ما الوفد إلَّا ركبٌ؟ قال النَّبي -ﷺ-: "والَّذي نفسي بيده إنَّهم إذا خرجوا من قبورهم استُقبلوا بنوقٍ بيضٍ، لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نورٌ يتلألأ، كلُّ خطوةٍ منها مثلُ مدِّ البصر، وينتهون إلى باب الجنَّة، فإذا حلقة من ياقوتةٍ حمراء على صفائح الذَّهبِ، وإذا شجرةٌ على باب الجنَّة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحداهما جرتْ في وجوههم نضرة النَّعيم، وإذا توضؤوا من الأُخرى لم تشعث أشعارهم أبدًا، فيضربون الحلقة بالصَّفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة، فيبل كل حوْرَاء، أنَّ زوجها قد أقبل، فتستخفها العَجَلة، فتبعثُ قيِّمها فيفتح له الباب، فلولا أنَّ اللَّهَ ﷿ عرَّفه نفسه لخرَّ له ساجدًا ممَّا يرى من النور والبهاء، فيقول: أنا قيَّمُك الَّذي وُكِّلْتُ بأمرِك، فيتبعه
_________________
(١) في "د": "يستقبلون به".
[ ١ / ٣٠٦ ]
فيقفوا أثره، فيأتي زوجته، فتستخفها العجلة، فتخرج من الخيمة (^١) فتعانقه، وتقول: أنت حِبِّي وأنا حِبُّكَ، وأنا الرَّاضية فلا أسخط أبدًا، وأنا النَّاعمة فلا أبأس أبدًا، والخالدة فلا أظعن أبدًا، فيدخل بيتًا من أساسه إلى سقفه مئة ألف ذراعٍ مبنيٌّ على جَنْدل اللؤلؤ والياقوت، طرائقَ حمرٍ، وطرائق خُضر، وطرائقَ صفرٍ، ما منها طريقةٌ تُشاكل صاحبتها، فيأتي الأريكة، فإذا عليها سريرٌ، على السَّرير سبعونَ فراشًا، عليها سبعون زوجةً، على كلِّ زوجةٍ سبعون حُلَّةً يُرى مُخُّ ساقها من باطن الجلْد، يقضي جمَاعهنَّ في مقدار ليلة، تجري من تحتهم أنهارٌ مُطَّردةٌ: أنهار من مَاءٍ غير آسن صافي ليس فيه كدرٌ، وأنَّهارٌ من عسلٍ مصفَّى، لم يخرج من بطون النحل، وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشَّاربين، لم تعصره الرجال بأقدامها، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغير طعمهُ، لم يخرج من بطون الماشية، فإذا اشتهوا الطعامَ، جاءتهم طيرٌ بيض، فترفع أجنحتها، فيأكلون من جنوبها من أي الألوان شاؤوا، ثمَّ تطير فتذهبُ، فيها ثمار مُتدليَّة، إذا اشتهوا انبعث الغُصنُ إليهم، فيأكلون من أيِّ الثمار شاؤوا، إنْ شاء قائمًا، وإنْ شاء متكئًا، وذلك قوله ﷿: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ [الرحمن: ٥٤]، وبين أيديهم خدمٌ كاللؤلؤ" (^٢) .
_________________
(١) في "أ، ج، د، هـ": "الجنَّة".
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٧). والعقيلي في الضعفاء (١/ ٨٦) من طريق عبيد اللَّه بن سلمان عن الضحاك به، وذكر حديثًا طويلًا. - ورواهُ أبو إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي موقوفًا، وهو أصح. =
[ ١ / ٣٠٧ ]
هذا حديثٌ غريب، وفي إسناده ضعف، وفي رفعه نظر، والمعروف أنَّه موقوف على عليٍّ.
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عمرو بن سليمان حدثنا محمد ابن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد (^١) في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: "أما واللَّهِ ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن يؤتون بنوقٍ لم ترَ الخلائق مثلها، عليها رِحالُ الذهب، وأزِمَّتُها الزبرجد، فيركبون عليها يضربوا باب الجنَّة" (^٢) .
_________________
(١) = أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ١٣٢) رقم (٢٨١). وذكر العقيلي أنَّ الحديث غير محفوظ، والأمر كما قال المؤلف: "حديث غريب، في إسناده ضعف، وفي رفعه نظر. . . ".
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي مصادر التخريج زيادة "عن علي".
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٢٦) عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن ابن فضيل عن عبد الرحمن عن النعمان بن سعد عن علي فذكره بمثله. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٦١) رقم (٣٤٠٠٣)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٥٥)، والحاكم (٢/ ٤٠٩) رقم (٣٤٢٥) وأبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ١٣٤ - ١٣٥) رقم (٢٨١) وغيرهم. من طريق علي بن مسهر وأبي معاوية ويعلى بن عبيد كلهم عن عبد الرحمن بن إسحاق به موقوفًا على علي. والحديث مدارهُ على عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف، وله منكرات كما تقدم ص (١٧٤). والحديث صححه الحاكم، فتعقبه الذهبي فقال: "بل عبد الرحمن هذا لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان، وضعفوه".
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقال علي بن الجعد في "الجعديات": أخبرنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: يُساق الَّذين اتقوا ربهم إلى الجنَّة زُمَرًا حتَّى ينتهوا إلى بابٍ من أبوابها، وجدوا عنده شجرةً يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمِرُوا بها، فشربوا منها فأذهبت ما في بطونهم من أذًى أو قذىً أو بأس، ثمَّ عمدوا إلى الأُخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن تغيَّر أبشارهم أو تغير بعدها أبدًا، ولن تشعث أشعارهم كأنَّما دُهِنُوا بالدِّهان، ثمَّ انتهوا إلى خزنة الجنَّة فقالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣] قال: ثمَّ تتلقَّاهم الولدان يطيفون (^١) بهم، كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته، فيقولون: أبشرْ بما أعدَّ اللَّهُ (^٢) لك من الكرامة -كذا قال- ثمَّ ينطلقُ غلامٌ من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين، فيقول: قد جاء فلانٌ باسمه الَّذي يُدعى به في الدنيا، فتقول: أنتَ رأيته؟ فيقول: أنا رأيته، وهو ذا بأثري، فيستخف إحداهنَّ الفرحُ، حتى تقوم على أسكُفَّةِ بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرحٌ أخضرُ وأصفرُ وأحمرُ، ومن كلِّ لونٍ، ثمَّ رفع رأسه، فنظر إلى سقه، فإذا مثل البرقِ، فلولا أنَّ اللَّهَ قدَّره له لألمَّ أنْ يذهب ببصره، ثمَّ طأطأ رأسه فنظرَ إلى أزواجه وأكوابٍ موضوعةٍ، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فنظروا إلى تلك النعمة،
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ": "يطوفون".
(٢) من "ب، ج، د، هـ".
[ ١ / ٣٠٩ ]
ثمَّ اتكئوا وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ثمَّ ينادي منادٍ: تَحْيونَ فلا تموتون أبدًا، وتقيمون فلا تظعنون أبدًا (^١)، وتصحون فلا تمرضون أبدًا" (^٢) .
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: "ذُكِرَ لنا أنَّ الرَّجل إذا دخل الجنَّة صُوِّر صورة أهل الجنَّة، وأُلبسَ لباسهم، وحلِّيَ حليتهم، وأُري أزواجه وخدمه، ويأخذه سَوَارّ فرعٍ لو كان ينبغي أنْ يموت لمات من سوار فرحه، فيقالُ له: أرأيتَ فرحتك هذه، فإنَّها قائمة لك أبدًا" (^٣) .
_________________
(١) من "ج".
(٢) أخرجه علي بن الجعد في الجعديات (٢/ ٩٢٦ - ٩٢٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٤٣ - ١٤٤) رقم (٢٦٤٦ و٢٦٤٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٩) رقم (٣٣٩٩٣)، وعبد الملك بن حبيب في وصف الفردوس رقم (١٢٨) مختصرًا، والمروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٤٥٠) وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٨) وغيرهم. قال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث صحيح، وحكمه حكم الرفع، إذ لا مجال للرَّأي في مثل هذه الأمور". وقال البوصيري: "رواه إسحاق بن راهوية بسند صحيح، وحكمه حكم المرفوع، إذ ليس للرَّأي فيه مجال". انظر: المطالب العالية رقم (٤٦٠١)، وإتحاف الخيرة المهرة رقم (٧٨٥١).
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نُعيم- رقم (٤٢٩)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢٤) وغيرها. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٧٠ - ٧١) رقم (٣٤١٠٣)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٨٥) من طرق عن سليمان بن المغيرة به =
[ ١ / ٣١٠ ]
قال ابن المبارك: وأخبرنا رشدين بن سعد: أنبأنا زهرة بن معبد القرشي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "إن العبد أوَّل ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم، كأنَّهم اللؤلؤ" (^١) .
قال ابن المبارك: وأنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن زحر (^٢)، عن محمد بن أبي أيوب المخزومي، عن أبي عبد الرحمن المعافري قال: "إنه لَيُصَفُّ للرجل من أهل الجنة سِمَاطان، لا يرى طرفاهما من غلمانه، حتى إذا مرَّ مشوا وراءه" (^٣) .
وقال أبو نعيم: حدثنا سلمة عن الضحاك قال: "إذا دخل المؤمن الجنَّة، دخل أمامه ملك فأخذ به في سِكَكِهَا، فيقول له: انظر ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهبٍ وفضةٍ، وأكثر أنيس. فيقول له الملكُ: فإنَّ هذا أجمع لك، حتَّى إذا رُفِعَ إليهم استقبلوه من كلَّ بابٍ، ومن كلِّ مكانٍ: نحن لك، نحن لك، ثمَّ يقول له: امشِ، فيقول له: ماذا ترى، فيقول: أرى أكثر عساكِرَ رأيتها من خيام، وأكثر
_________________
(١) = مثله. وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نعيم- رقم (٤٢٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢٥). في سنده رشدين بن سعد ضعيف.
(٣) في "ب، د": "نصر" وهو خطأ.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نُعيم- رقم (٤١٥)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢٦) وفي سنده ضَعْف، لأنَّ يحيى بن أيوب وعبيد اللَّه بن زحر فيهما كلام.
[ ١ / ٣١١ ]
أنيسٍ، قال: فإنَّ هذا أجمعَ لك، قال: فإذا رُفِعَ إليهم استقبلوه يقولون: نحن لك، ونحن لك" (^١) .
وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّهِ -ﷺ- قال: "ليدخلنَّ الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا، أو سبع مئة ألف متماسكون آخذٌ بعضهم ببعض، لا يدخل أوَّلهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدرِ" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٢٧) وسنده صحيح. - ورواهُ أسد بن موسى عن أخيه عن الضحاك فذكر معناه مرسلًا. أخرجه ابن حبيب في وصف الفردوس رقم (٣٢).
(٢) تقدم في الباب الثاني والثلاثين ص (٢٦٥).
[ ١ / ٣١٢ ]