قال الإمام أحمدُ: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يدخلُ فقراء المسلمين الجنَّة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسُ مئة عام" (^٢).
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسن صحيح".
ورجال إسناده احتجَّ بهم مسلم في "صحيحه".
_________________
(١) في "ب، هـ": "الأغنياء".
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٩٦ و٣٤٢)، والترمذي برقم (٢٣٥٣)، وابن ماجه برقم (٤١٢٢)، وابن حبان برقم (٦٧٦) وغيرهم. من طرق عن محمد بن عمرو به مثله. والحديث تفرَّد به محمد بن عمرو -وهو صدوق- عن أبي سلمة به. قال الترمذي: "حسن صحيح". والحديث صحَّحه الترمذي وابن حبان والمؤلف. ورواهُ أبو صالح وأبو حازم وشتير بن نهار عن أبي هريرة نحوه؛ وفي ثبوتها نظر. أخرجه أحمد (٢/ ٥١٣ و٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٠٧) و(٧/ ٩٩). وقال أبو نعيم عن حديث "أبي حازم وأبي صالح": "غريب. . . . ". قلتُ: وشتير مجهول. وأخشى أن يعارض هذا المتن قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، وأيضًا سيأتي سبقهم (بأربعين خريفًا) وهو أصح إسنادًا واللَّه أعلم.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وروى الترمذي من حديث عبَّاس الدُّوري، عن المُقْرِيء (^١) عن سعيد بن أبي أيوب عن عمرو (^٢) بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد اللَّه عن النَّبي -ﷺ- أنَّه قال: "يدخلُ فقراءُ أُمَّتي (^٣) الجنَّة قبلَ الأغنياء بأربعين خريفًا" (^٤) .
وفي "صحيح مسلم" (^٥) من حديث عبد اللَّه (^٦) بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يومَ القيامة (^٧) بأربعين خريفًا".
_________________
(١) في "ب، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ" "المقبري" وهو خطأ.
(٢) في "أ، هـ" "عمر" وهو خطأ.
(٣) في الترمذي وغيره "المسلمين".
(٤) أخرجه الترمذي برقم (٤٣٥٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٢٤) وعبد بن حميد رقم (١١٧)، والبيهقي في البعث رقم (٤٥٤). قال الترمذي: "هذا حديث حسن". قلتُ: في سنده عمرو بن جابر الحضرمي، قال أبو حاتم: "صالح الحديث عنده نحو عشرين حديثًا"، ووثَّقه العجلي، وقال النسائي والجوزجاني: ليس بثقة. وقال الإمام أحمد: "بلغني أنَّ عمرو بن جابر كان يكذب، روى عن جابر أحاديث مناكير" وقال ابن حبان: "كان سحابيًّا، يزعم أنَّ عليًّا في السحاب، كأنَّه جالس الكوفيين فأخذ عنهم، ومع ذلك ينفرد عن جابر بأشياء ليست من حديثه، لا يحل الاحتجاج بخبره ولا الرواية عنه. . . ". انظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٥٥٩ - ٥٦٢).
(٥) رقم (٢٩٧٩).
(٦) في "ج" "أبي عبد اللَّه" وهو خطأ.
(٧) في مسلم زيادة "إلى الجنَّة".
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا دُوَيْد عن سلم (^١) ابن بشير عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال النَّبي -ﷺ-: "التقى مؤمنان على باب الجنَّة، مؤمنٌ غنيٌ، ومؤمنٌ فقيرٌ، كانا في الدنيا، فأُدْخِلَ الفقيرُ الجنَّة، وحُبسَ الغني ما شاء اللَّهُ أنْ يُحْبس، ثمَّ أُدْخِلَ الجنَّة، فلقيه الفقيرُ فيقول: أي أخي وماذا حبسك؟ واللَّه لقد احْتبَستَ حتى خفت (^٢) عليك (^٣)، فيقول: أي أخي إنِّي حبستُ بعدك محبسًا فظيعًا (^٤) كريهًا، وما وصلتُ إليك حتى سال منِّي العَرَق (^٥)، ما لو وَرَدَهُ ألفُ بعيرٍ كلها آكلة حمضٍ لصدرتْ عنه رواء (^٦) " (^٧) .
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي، وعلي ابن سعيد الرَّازي قالا: حدثنا علي بن بهرام (^٨) العطار، حدثنا
_________________
(١) في "ب، د، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ" "سليم"، والمثبت هو الصواب، وقيل في اسمه غير ذلك، وهذا التنوع في الاسم يرجع إلى اختلاف النَّاقلين في اسم هذا الرجل. انظر: تعجيل المنفعة لابن حجر (١/ ٥٦٤، ٦٠٦).
(٢) في "هـ": "خشيت".
(٣) من قوله "فيقول: أي أخي" إلى "عليك" سقط من "ج".
(٤) في "ب، د" "قطيعًا"، وفي نسخةٍ على حاشية "أ" "مضيقًا".
(٥) في "ب، ج" "مني من العرق".
(٦) من المسند.
(٧) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٤). وسنده ضعيف، فيه دُوَيْد مجهول، قاله الحسيني. وانظر: تعجيل المنفعة (١/ ٥٦٤) رقم (٣٥٦).
(٨) في جميع النسخ "مهران" وهو خطأ، انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٥٣) وغيره.
[ ١ / ٢٣٩ ]
عبد الملك بن أبي كريمة، عن سفيان الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم (^١) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ فقراء المؤمنين يدخلون الجنَّة قبل أغنيائهم بنصف يومٍ، وذلك خمس مائة عام" وذكر الحديث بطوله (^٢) .
والَّذي في الصحيح أنَّ سبقهم لهم "بأربعين خريفًا".
فإمَّا أنْ يكون هو المحفوظ، وإمَّا أنْ يكون كلاهما محفوظان، وتختلف مُدَّة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمس مئة كما يتأخر مكث العُصاة من الموحدين في النَّار بحسب جرائمهم واللَّهُ أعلم.
ولكن ها هنا أمرٌ يجب التنبيه عليه، وهو أنَّه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة؛ وإن سَبَقَهُ غيره في الدخول، والدليل على هذا أنَّ من الأمة من يدخل الجنَّة بغير حساب، وهم السَّبعون ألفًا (^٣)، وقد يكون بعض من
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ" "حاتم" وهو خطأ.
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٩٩ - ١٠٠) عن الطبراني به. قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث الثوري عن محمد بن زيد، ويقال: هو العبدي، تفرَّد به عبد الملك". والحديث منكر، لم يروه أحدٌ من أصحاب الثوري عن الثوري إلَّا هو، وعلي بن بهرام فيه جهالة. انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٥٣)، وتاريخ مصر لابن يونس (٢/ ١٥٠) جَمْع وتحقيق ودراسة: د: عبد الفتاح فتحي.
(٣) يشير المؤلف إلى حديث ابن عباس وفيه ". . . فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: =
[ ١ / ٢٤٠ ]
يُحَاسب أفضل من أكثرهم، والغني إذا حوسب على غِنَاهُ، فوجد قد شكر اللَّه تعالى فيه، وتقرَّب إليه بأنواع البِرِّ والخير والصَّدقة والمعروف، كان أعلى درجة من الفقير الَّذي سبقه في الدخول، ولم تكن له تلك الأعمال، ولا سيِّما إذا شاركه الغني في أعماله هو (^١) وزاد عليه فيها، واللَّهُ لا يضيع أجرَ من أحسن عملًا.
فالمزيَّة مزيَّتان؛ مزية سبق، ومزية رِفْعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرِّفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرِّفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المتقضي للأمرين، أو لأحدهما وعدمه، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) = هذه أُمتك، ويدخل الجنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب. . . ". أخرجه البخاري رقم (٥٣٧٨)، ومسلم رقم (٢٢٠).
(٢) من "أ، ج، هـ".
[ ١ / ٢٤١ ]