قال منذر بن سعيد (^٤) في "تفسيره":
"وأمَّا قوله تعالى لآدم: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
فقالت طائفة: أسكن اللَّه آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة.
وقال آخرون: هي جنَّة غيرها جعلها اللَّهُ له وأسكنه إيَّاها، ليست جنَّة الخلد.
_________________
(١) قوله: "وأهبط منها" ليس في "ب".
(٢) في "د": "أم هي جنة".
(٣) في "ب": "أو جنة في الأرض" بدلًا من "أم جنة أخرى غيرها في موضعٍ عالٍ من الأرضِ".
(٤) وهو منذر بن سعيد بن عبد اللَّهِ أبو الحكم البُلُّوطي، ولد ٢٧٣ هـ، كان متفننًا في ضروب العلمِ تفسيرًا وفقهًا ولغةً وأدبًا، وكان أخطبَ أهل زمانه، منحرفًا إلى مذهب أهل الكلام، له التفسير والنَّاسخ والمنسوخ وغيرها، توفي سنة (٣٥٥ هـ). انظر: "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي رقم (١٤٥٤)، و"طبقات المفسرين" للداوودي (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
[ ١ / ٤٧ ]
قال: وهذا قولٌ يكثر الدَّلائل الشَّاهدة له، والموجبة للقول به" (^١) .
وقال أبو الحسن الماوردي في "تفسيره":
"واختلف النَّاسُ في الجنَّة التي أُسكِنَاها على قولين:
أحدهما: أنَّها جنَّة الخلد.
الثاني: أنَّها جنَّة أعدَّها اللَّهُ تعالى لهما (^٢)، وجعلها دار ابتلاء، وليست جنَّة الخلد التي جعلها دار جزاء.
ومن قال بهذا اختلفوا (^٣) على قولين:
أحدهما: أنَّها في السَّماء؛ لأنَّه أَهْبَطَهُمَا منها، وهذا قول الحسن.
الثاني: أنَّها في الأرضِ؛ لأنَّه امتحنهما فيها بالنَّهي عن الشجرة التي نُهيا عنها دون غيرها من الثمار، وهذا قول ابن بحر (^٤) .
وكان ذلك بعد أنْ أُمِرَ إبليس بالسجود لآدم ﵇، واللَّه أعلمُ
_________________
(١) نقله المؤلفُ في مفتاح دار السعادة عنه (١/ ١١).
(٢) إلى هنا ينتهي كلام الماوردي من المطبوع (١/ ١٠٤)، فلعلَّ ما بعده سقط من الطباعة، أو للمؤلف نسخة أخرى.
(٣) في "ب، د، هـ": "اختلفوا فيه".
(٤) هو محمد بن بحر الأصبهاني، قال ابن بابويه: كان على مذهب المعتزلة، ووجهًا عندهم، صنَّف لهم التفسير، وتوفي سنة (٣٢٢ هـ). انظر: "لسان الميزان": (٥/ ٩٦)، و"طبقات المفسرين" للداوودي: (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ١ / ٤٨ ]
بصواب ذلك" هذا كلامه.
وقال ابن الخطيب (^١) في "تفسيره" المشهور:
"واختلفوا في الجنَّة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرضِ أو في السماء؟ وبتقدير أنَّها كانت في السَّماء، فهل هي الجنَّة التي هي دار الثواب وجنَّة الخُلد أو جنَّة أخرى؟ فقال أبو القاسم البَلْخي، وأبو مسلم الأصبهاني: هذه الجنَّة في (^٢) الأرضِ. وحَمَلا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَة، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] واحتجا عليه بوجوه.
القولُ الثاني: وهو قول الجُبَّائي: أنَّ تلك الجنَّة كانت في السَّماء السَّابعة.
القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا: أنَّ هذه الجنَّة هي دار الثواب" (^٣) .
وقال أبو القاسم الرَّاغبُ (^٤) في "تفسيره": "واختلف في الجنَّة التي
_________________
(١) هو محمد بن عمر بن الحسين فخر الدَّين الرازي، أبو عبد اللَّهِ القرشي التَّيمي، ولد سنة ٥٤٤ هـ، المفسر، المتكلَّم، إمام وقته في العلومِ العقلية، ندم في آخر عمره على دخوله في علم الكلامِ، له: التفسير الكبير "مفاتيح الغيب" ولم يكمله، توفي سنة (٦٠٦ هـ). انظر: طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٢١٥ - ٢١٨).
(٢) في مفاتيح الغيب: "كانت في".
(٣) انظر: "مفاتيح الغيب": (١/ ٤ - ٥) وعنده مطوَّلًا.
(٤) هو الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني، الملقَّب بـ "الرَّاغب"، قال =
[ ١ / ٤٩ ]
أسكنها آدم، فقال بعض المتكلمين: كان بستانًا جعله اللَّه تعالى له امتحانًا، ولم تكن جنَّة المأوى". وذكر بعض الاستدلال على القولين.
وممَّن ذكر الخلاف أيضًا أبو عيسى الرُّمَّاني (^١) في "تفسيره" واختار أنَّها جنَّة الخلد، ثمَّ قال: "والمذهبُ الَّذي اخترناهُ، قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا، وهو قول أبي علي، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهل التفسير".
واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة، وجعله قولًا رابعًا فقال:
"والقولُ الرَّابع: أنَّ الكل مُمْكن، والأدلة متعارضة (^٢)، فَوَجَبَ التَّوقف وترك القطع".
قال منذر بن سعيد: "والقولُ بأنَّها جنَّةٌ في الأرض ليست جنَّة الخُلْد قول أبي حنيفة وأصحابه قال: وقد رأيتُ أقوامًا نهضوا لمخالفتنا في
_________________
(١) = الذهبي: "كان من أذكياء المتكلمين". له "المفردات" وهو مشهورٌ، والتفسير، وغيرهما، توفي في حدودِ سنة (٤٥٠ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء": (١٨/ ١٢٠ - ١٢١) مع الحاشية.
(٢) هو علي بن عيسى بن علي أبو الحسن الرُّمَّاني ولد سنة (٢٩٦ هـ)، إمامٌ مشهورٌ في النحو والكلام، وكان معتزليًّا، قال القفطي: "وكان مع اعتزاله شيعيًا" له نحو مائة مؤلف كالتفسير وغيره، توفي سنة (٣٨٤ هـ). انظر: "تاريخ بغداد": (١٢/ ١٧)، و"طبقات المفسرين" للداوودي: (١/ ٤٢٣ - ٤٢٥). تنبيه: الصواب (ابن عيسى) بدل (أبو عيسى).
(٣) في "مفاتيح الغيب": (١/ ٥)، و"مفتاح دار السعادة": (١/ ١٤٩)، و"الأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة" بدلًا من "والأدلة متعارضة".
[ ١ / ٥٠ ]
جنَّة آدم، بتصويب مذهبهم من غير حُجَّة إلَّا الدَّعاوي والأمانيَّ، ما أتوا بحجةٍ من كتاب ولا سُنَّةٍ، ولا أثر عن صاحبٍ، ولا تابع، ولا تابع التَّابع، لا موصولًا ولا شاذًّا [ولا] (^١) مشهورًا.
وقد أوجدناهم أنَّ فقيه العراق ومن قال بقوله، قالوا: إنَّ جنَّة آدم ليست جنَّة الخُلْد، وهذه الدَّواوين مَشْحُونة من علومهم، ليسوا عند أحدٍ من الشَّاذَّين بل من رؤساء المخالفين، وإنَّما قلتُ هذا ليعلم أنِّي لا أنصرُ مذهب أبي حنيفة، وإنَّما أنصرُ ما قام لي عليه دليل من القرآن والسنَّة.
- هذا ابن مُزَين (^٢) يقول في "تفسيره": "سألتُ ابن نافع عن الجنَّة أمخلوقةٌ هي؟ فقال: السكوت عن الكلام في هذا أفضل".
- وهذا ابن عيينة يقول في قوله ﷿: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا
_________________
(١) من مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٩) للمؤلف، وسقطت من جميع النسخ.
(٢) ابن مُزَيْن هذا لعله؛ يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي أبو زكريا، مولى رملة بنت عثمان بن عفان ﵁، سمع الموطأ من القعنبي ومطرف وحبيب، له تفسير الموطأ وغيره، توفي سنة ٢٥٩ هـ. انظر: "أخبار الفقهاء والمحدثين" للخشني رقم (٤٩٥)، و"تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي رقم (١٥٥٨). قلت: لعلَّ مراد المؤلف بتفسيره أي "تفسير الموطأ" -إن كان المترجم هو المقصود- فقد اشتهر بـ "تفسير يحيى بن مزين" و"تفسير الموطأ". انظر: برنامج التجيبي ص (٢٦٩)، وجذوة المقتبس للحميدي، رقم (٨٨٠)، وفهرس ابن خير رقم (١٣٧) و(١٤٨)، ومفتاح دار السَّعادة (١/ ٤٣٨).
[ ١ / ٥١ ]
تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨] قال: يعني في الأرضِ، وابن نافعِ: إمام، وابن عيينة: إمام، وهم لا يأتوننا بمثلهما، ومن يضادُّ قولُه قولهما.
- وهذا ابن قُتيبة ذكر في كتاب "المعارف" (^١) بعد ذِكْرِه خلق اللَّه لآدم وزوجه، قال: "ثمَّ تركهما، وقال: أثمروا وأكثروا، واملؤا الأرضَ، وتسلطوا على أنوانِ (^٢) البحور، وطير السماء، والأنعام، وعشب الأرضِ، وشجرها، وثمرها"، فأخبر أنَّ في الأرضِ خلقه، وفيها أمره، ثمَّ قال: "ونصبَ الفردوس فانقسم على أربعة أنهار: سيحون وجيحون ودجلة والفرات -ثمَّ ذكر الحيَّة فقال:- "وكانت أعظم دوابَّ البر، فقالت للمرأة: إنَّكما لا تموتان إن أكلتُما من هذه الشجرة" ثمَّ قال بعد كلام: "ثمَّ أخرجه من شرق (^٣) جنة عدن إلى الأرضِ التي منها أُخِذَ، ثمَّ قال: "قال وهب: وكان مهبطه حين أُهْبِطَ من جنَّة عدن في شرقي أرض الهند، قال: واحتمل قابيلُ أخاهُ حتَّى أتى به واديًا من أودية اليمن، في شرقي (^٤) عدن، فكمن فيه".
وقال غيره كما (^٥) نقل أبو صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٨] "هو كما يُقال: هبط فلان أرض كذا
_________________
(١) ص (٨ - ١٢).
(٢) أنوان، جمع نُوْن: وهو الحُوْت. ويجمع أيضًا على نِيْنَان. انظر: الصحاح (٢/ ١٦١٥)، وحاشية (ج).
(٣) في "ب، د، هـ": "مشرق".
(٤) من قوله: "أرض الهند" إلى "شرقي" سقط من "ج".
(٥) في "ب، د، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ" "فيما".
[ ١ / ٥٢ ]
وكذا" (^١) .
قال منذر بن سعيد: "فهذا وهب بن مُنَبه يحكي أنَّ آدم خُلِقَ في الأرضِ، وفيها سكن، وفيها نُصب له الفردوس، وأنَّه كان بِعَدَن، وأنَّ الأربعة الأنهار انقسمت من ذلك النهر الَّذي كان يُسَمَّى فردوس آدم، وتلك الأنهار معنا (^٢) في الأرض، لا اختلاف بين المصلين (^٣) في ذلك، فاعتبروا يا أُولي الألباب.
وأخبر أنَّ الحَيَّة التي كلَّمت آدم كانت من أعظم دوابَّ البَرَّ، ولم يقل: من أعظم دوابِّ السَّماءِ، فهم يقولون: إنَّ الحيَّة (^٤) لم تكن في الأرضِ وإنَّما كانت فوق السَّماء السَّابعة.
ثمَّ قال: "وأخرجه من شرق جنَّة عدن، وليس في جنَّة المأوى مشرقٌ ولا مغرب؛ لأنَّه لا شمس فيها".
ثمَّ قال: "وأخرجه إلى الأرضِ التي أُخِذَ منها". يعني أخرجه من الفردوس الَّذي نصب له في عدن، في شرقي أرض الهند.
وهذه الأخبارُ التي حكى ابن قتيبة إنَّما تُنبئ عن أرض اليمن وعن
_________________
(١) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص (٤٦)، وتلك الرواية لعلها من رواية الكلبي عن أبي صالح به. وهو إسناد واهٍ، انظر: "الإتقان" للسيوطي (٢/ ٥٣٥).
(٢) في "ب" "بقيا"، وفي "د" "بفناءٍ".
(٣) قال ناسخ "ج" في الحاشية: "لعله: المسلمين".
(٤) في "ج": "الجنَّة" وهو محتمل.
[ ١ / ٥٣ ]
عدن وهي من أرض اليمن، وأخبر أنَّ اللَّه نصب الفردوس لآدم بعَدَن، ثمَّ أكَّدَ ذلك بأنْ قال: "الأربعة الأنهار التي ذكرنا منقسمةٌ من النَّهرِ الَّذي كان يسقي فردوس آدم".
قال منذر: "وقال ابن قُتَيبة عن ابن منبه عن أُبيٍّ قال: واشتهى آدم عند موته قِطْفًا من الجنَّة التي كان فيها -بزعمهم على ظهر السَّماء السَّابعة- وهو في الأرضِ، فخرج أولاده يطلبون ذلك له، حتَّى بَلَّغتهم الملائكة موته" (^١) فأولاد آدم كانوا مَجَانيْن عندكم -إنْ كان ما نقله ابن قُتيبة حَقًّا- يطلبون لأبيهم ثمرة جنَّة الخُلْدِ في الأرضِ؟!
قال: ونحنُ لم نَقُلْ عُشْرَ ما قال هؤلاء، ولو كانت جنَّة الخُلْد لخُلِّدَ فيها، ونحن استدللنا من القرآن، وغيرنا قَطَع وادَّعى ما ليس له عليه بُرْهَان".
فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسألة (^٢)، ونحن
_________________
(١) انظر: المعارف لابن قتيبة ص (١٢). وأثر أُبي بن كعب ﵁ أخرجه ابن قتيبة ص (١٢)، والدارقطني في "السنن" (٢/ ٧١)، وابن سعد في "الطبقات": (١/ ٣٣ - ٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٣٧٠) وغيرهم. من طريقِ يونس بن عبيد وعثمان بن سعد عن الحسن البصري عن عُتي ابن ضمرة عن أبي بن كعب موقوفًا. والأثر اختلف في رفعه ووقفه، وفي ذكر "عُتي بن ضمرة" وإسقاطه، والوقف أشبه بالصواب، واللَّه أعلم. والحديث صححه مرفوعًا الحاكمُ والضياء المقدسي. راجع تفصيل الكلامِ فيه المرسل الخفي (٢/ ٦٠٣ - ٦٢٩).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجنَّة التي أُسكنها آدم وزوجته عند سلف =
[ ١ / ٥٤ ]
نسوقُ حجج الفريقين إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ونبين ما لهم وعليهم إنْ شاء اللَّهُ تعالى.
_________________
(١) = الأمة، وأهل السنَّة والجماعة: هي جنة الخلد، ومن قال إنَّها جنَّة في الأرضِ بأرض الهند، أو بأرض جُدَّة، أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والمعتزلة. والكتاب والسنَّة يرد هذا القول، وسلف الأمة وأئمتها متَّفقون على بطلان هذا القول. . . " راجع مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٩).
[ ١ / ٥٥ ]