قال الطبراني: حدثنا موسى بن خازم الأصبهاني، حدثنا محمد بن بُكير (^١) الحضرمي، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جُنَادة بن أبي أُمية عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النَّبي -ﷺ- قال: "من قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يَرَحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة مئة عام" (^٢).
_________________
(١) = وسنده لا بأس به، وأبو العوام مؤذَّن إيليا تابعي، صاحَبَ عمر بن الخطاب ومعاذًا روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات. وابن لهيعة ضعيف؛ لكن لا بأس به في غير الأحاديث المرفوعة؛ إذا صرَّح بالتحديث، وكان من رواية أحد العبادلة. تنبيه: سقط من الزهد لابن المبارك: "نا ابن المبارك"؛ لأنَّ نُعَيمًا لم يسمع من ابن لهيعة.
(٢) في "ب، د" "بن أبي بكر" بدلًا من "بن بكير" وهو خطأ، وفي "هـ" "بن بكر" وهو خطأ.
(٣) أخرجه الطبراني لعلَّه في المعجم الكبير -في القسم المفقود-. وهذه الرواية خطأ: فقد خولف محمد بن بكير الحضرمي في قوله "مائة عام". فرواهُ:
(٤) عبد الرحمن بن إبراهيم "دحيم"، عند النسائي (٨/ ٢٥) وغيره.
(٥) وإسماعيل بن محمد المعقَّب "ثقة"، عند أحمد (٢/ ١٨٦).
(٦) ٤ - وأيوب الوزان ويعقوب، عند ابن أبي عاصم في الدِّيات ص (٨٦).
(٧) وعلي بن مسلم الطوسي، عند الحاكم في المستدرك (٢/ ١٣٧) رقم =
[ ١ / ٣٣٠ ]
ورواهُ البخاري في "الصحيح" عن قيس بن حفص عن عبد الواحد ابن زياد عن الحسن بن عمرو الفُقَيمي عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ ولم يذكر بينهما جنادة، وقال: "ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معدي بن سليمان هو البصري عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "ألا من قتل نفسًا معاهدًا له ذِمَّةُ اللَّهِ وذمَّةُ رسوله، فقد أخفر بذمَّة اللَّهِ، فلا يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا" (^١) .
_________________
(١) = (٢٥٨٠) لكن فيه ". . . ليوجد من كذا وكذا".
(٢) وابن أبي عمر العدني، عند البيهقي في السنن (٩/ ٢٠٥). كلهم عن مروان به مثله؛ لكنَّهم قالوا -غير الطوسي- "أربعين عامًا". - ورواهُ عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية كلاهما عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو فقال: "أربعين عامًا"، كما ذكره المؤلِّف. أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٩٩٥)، وابن أبي شيبة (٥/ ٤٥٥) رقم (٢٧٩٣٨)، وابن ماجه (٢٦٨٦) وغيرهم. وعليه فالصحيح رواية "أربعين عامًا"، وأمَّا رواية "مائة عام" فوهم من محمد بن بكير الحضرمي، قال أبو حاتم الرَّازي: "صدوق عندي، يغلط أحيانًا"، وقال أبو نعيم الأصبهان: ". . وهو صاحب غرائب"، ووثَّقه غير واحد، فلعلَّ هذا ممَّا غلط فيه واللَّه أعلم. انظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٤٤ - ٥٤٥) وفتح الباري (٦/ ٢٧٠).
(٣) أخرجه الترمذي برقم (١٤٠٣)، وابن ماجه (٢٦٨٧)، والحاكم (٢/ ١٣٨) =
[ ١ / ٣٣١ ]
قال: "وفي الباب عن أبي بكرة، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" (^١) .
قال محمد بن عبد الواحد: "وإسناده عندي على شرط الصحيح" (^٢) .
قلتُ: وقد رواهُ الطبراني من حديث عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة يرفعه: "من قتل نفسًا مُعاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريح الجنَّة يوجد من مسيرة مئة عام" (^٣) .
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أو غيره عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ريحُ الجنَّة يوجدُ من مسيرة مئة عام" (^٤) .
_________________
(١) = رقم (٢٥٨١). قال الحاكم: "حديث أبي هريرة صحيح على شرط مسلم". والحديث صححه الترمذي والحاكم والضياء المقدسي كما نقله المؤلِّف.
(٢) وزاد "وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النَّبي -ﷺ-".
(٣) انظر صفة الجنَّة له ص (١٤٧).
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٩٨) رقم (٦٦٣). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عوف إلَّا عيسى". - ورواهُ محمد بن مهران الجمال عن عيسى بن يونس به نحوه. أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه برقم (٢/ ٧٢٥ - ٧٢٦)، والسهمي في تاريخ جرجان ص (٣٢٣)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٦٤ - ٦٥) رقم (٨٠١١). والحديث ظاهر سنده صحيح.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ رقم "١٩٧١٢")، وأحمد في المسند =
[ ١ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٥/ ٤٦)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩٣) وغيرهم. - ورواهُ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة رفعه، وفيه: "خمس مئة عام". أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٢٩٢٣) ولا يثبت. - ورواه جماعة عن الحسن عن أبي بكرة نحوه، وفيه "خمس مئة عام". أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٢٢)، وابن حبان (٧٣٨٣)، والطبراني في الأوسط (٤٣١)، ولا يثبت عن الحسن منها شيء. - ورواه جماعة عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة، واضطربوا في لفظه. أخرجه النسائي (٨٧٤٤)، وابن حبان (٤٨٨١ و٧٣٨٢)، والحاكم (١/ ١٠٥) رقم (١٣٤). والصواب -في حديث يونس- ما رواه الحفَّاظ: كالثوري وابن عُليَّة ويزيد بن زريع وغيرهم، كلهم عن يونس بن عبيد عن الحكم بن الأعرج عن الأشعث بن ثُرْملة عن أبي بكرة نحوه، وفيه: ". . حرَّم اللَّه عليه الجنة". أخرجه أحمد (٥/ ٣٦ و٣٨)، وابن حبان (١١/ رقم ٤٨٨٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٧٩٣٥) والبخاري في تاريخه (١/ ٤٢٨) وغيرهم. قال البخاري عن هذا الطريق "أصح" يعني من طريق حماد بن سلمة. وقال النسائي عن طريق حماد بن سلمة: "هذا خطأ، والصواب حديث ابن عُليَّة. . . ". وكذا رجَّح هذا الطريق الحافظ أبو علي النيسابوري. - ورواهُ حميد أبو المغيرة العجلي عن الأشعث بن ثُرْمُلة به نحوه، وفيه "حرَّم اللَّه عليه ريح الجنَّة". أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (٢/ ١٢٦). - ورواهُ عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكرة، بنحوه. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦ و٣٨)، وأبو داود (٢٧٦٠)، والنسائي (٨/ ٢٤). - ورواهُ عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه نحوه، وفيه "مائة عام" وفي رواية "خمس مئة عام".
[ ١ / ٣٣٣ ]
وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه.
وقد أخرجا في "الصحيحين" (^١) من حديث أنس قال: لم يشهد عَمِّي مع رسول اللَّه -ﷺ- بدرًا، قال: فشقَّ عليه، قال: أوَّلُ مشهدٍ شهده رسول اللَّه -ﷺ- غبتُ عنه، فإنْ أراني اللَّهُ مشهدًا فيما بعدُ مع رسول اللَّه -ﷺ- ليرينَّ اللَّه ما أصنعُ، قال: فهابَ أنْ يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول اللَّه -ﷺ- يومَ أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له: أين؟ فقال: واهًا لريح الجنَّة أجده دون أُحد، قال: فقاتلهم حتى قُتِلَ، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمَّة الرُّبَيِّع بنتُ النضر: فما عرفتُ أخي إلَّا ببَنَانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قالوا: فكانوا يرون أنَّها نزلت فيه وفي أصحابه.
وريح الجنَّة نوعان: ريحٌ يوجد في الدنيا تشمُّه الأرواح أحيانًا ولا تدركه العبارة، وريح يُدرك بحاسة الشمِّ للأبدان، كما تشم روائح الأزهار وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنَّة في إدراكه في الآخرة من قرب وبُعد، وأمَّا في الدنيا فقد يدركه من شاء اللَّهُ من أنبيائه ورسله، وهذا الَّذي وجدهُ أنس بن النضر يجوز أنْ يكون من هذا القسم، وأنْ يكون
_________________
(١) = أخرجه أحمد (٥/ ٥٠ و٥١)، وفي سنده ضعف. والحديث ثابتٌ عن أبي بكرة، لكن رواية "حرَّم اللَّهُ عليه الجنَّة" أقوى وأصحّ إسنادًا ممَّن روى "مئة عام" أو "خمس مئة عام" واللَّه أعلم.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٦٥١)، ومسلم رقم (١٩٠٣).
[ ١ / ٣٣٤ ]
من (^١) الأوَّل، واللَّهُ أعلمُ.
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن معمر حدثنا محمد بن أحمد المؤدب، حدثنا عبد الواحد بن غياث أخبرنا الربيع بن بدر حدثنا هارون بن رئاب عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ-: "رائحة الجنَّة توجد (^٢) من مسيرة خمس مئة عامٍ" (^٣) .
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن طريف حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ريح الجنَّة يوجد من مسيرة ألف عام، واللَّه لا يجدها عاقٌّ، ولا قاطع رحم" (^٤) .
وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده": حدثنا شعبة عن الحكم عن
_________________
(١) من "ب، ج، د، هـ"، ونسخةٍ على حاشية "أ".
(٢) كذا في جميع النسخ، ولفظه عند أبي نعيم "تراح رائحة الجنَّة. . . ".
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩٤)، وفي الحلية (٣/ ٣٠٧)، والطبراني في الصغير رقم (٤٠٨). قال الهيثمي: "وفيه الربيع بن بدر وهو متروك". انظر مجمع الزوائد (٨/ ١٤٨)، والتقريب لابن حجر رقم (١٨٨٣).
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٥٦٦٤)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ٤٣) رقم (١٩٤). قال الهيثمي: "رواهُ الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدًّا". انظر مجمع الزوائد (٨/ ١٤٨ - ١٤٩).
[ ١ / ٣٣٥ ]
مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبي -ﷺ- قال: "من ادَّعى إلى غير أبيه لم يرحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسين (^١) عامًا" (^٢) .
وقد أشهد اللَّهُ سبحانه عباده في هذه الدَّار آثارًا من أثار الجنَّة، وأنموذجًا منها من الرائحة الطيبة، والَّلذات المُشْتهاة، والمناظر البَهيَّة، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسُّرور، وقُرَّة العين.
وقد روى أبو نُعيم من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يقول اللَّهُ ﷿ للجنَّة: طِيْبي لأهلك فتزداد طيبًا، فذلك البَرْد الَّذي يجده النَّاس بالسَّحَرِ من ذلك" (^٣) .
_________________
(١) في "هـ" "خمسمائة"، وعند الطيالسي "سبعين" بدل "خمسين".
(٢) أخرجه الطيالسي في مسنده رقم (٢٣٨٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩٦) وغيرهما من هذا الطريق. - ورواهُ غندر ووهب بن جرير عن شعبة به مثله. أخرجه أحمد (٢/ ١٧١ و١٩٤) وغيره. ورواهُ مروان بن معاوية عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره وفيه "مائة عام". أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩٨). والحديث سنده صحيح.
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٢٠ و١٩٩)، والطبراني في الصغير (١/ ٦٣ - ٦٤) رقم (٧٥). وقال: "لم يروه عن الأعمش إلَّا عمرو بن عبد الغفار، تفرَّد به يوسف بن =
[ ١ / ٣٣٦ ]
كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها مُذكِّرةً (^١) بنار الآخرة، قال تعالى في هذه النَّار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣].
وأخبر النَّبي -ﷺ- أنَّ شدَّة الحرِّ والبردِ من أنفاس جهنَّم (^٢)، فلا بُدَّ أنْ يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، واللَّهُ المستعان.
_________________
(١) = موسى أبو غسان". قال الهيثمي: "وفيه عمرو بن عبد الغفار وهو متروك". انظر مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٢).
(٢) في "د" "تذكرة".
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥١٢)، ومسلم رقم (٦١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٣٧ ]