الجنَّة: اسمٌ (^١) شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدًّا، كما روى البخاري في "صحيحه" (^٢) عن أنس بن مالك -﵁-: أنَّ أم الربيع بنت البراء -وهي أم حارثة بن (^٣) سراقة- أتت رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: يا نبي اللَّه ألا تحدِّثني عن حارثة؟ -وكان قُتِل يوم بدرٍ أصابه سهمُ غَرْبٍ (^٤) -، فإنْ كان في الجنَّة صبرتُ، وإنْ كان غيرَ ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أمَّ حارثة، إنَّها جنان في الجنَّة (^٥)، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى".
وفي "الصحيحين" (^٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "جنتان من ذهبٍ آنيتهما وحليتهما وما فيهما،
_________________
(١) في "أ": "اسم الجنَّة شامل".
(٢) رقم (٢٦٥٤).
(٣) في "أ" "بنت" وهو خطأ.
(٤) "سهم غرب": أي لا يُعْرف راميه. انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٥٠).
(٥) قوله "في الجنَّة" ليس في "ب"، ووقع في "هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ" "جنَّات" بدلًا من "جِنَان".
(٦) البخاري رقم (٤٥٩٧)، ومسلم رقم (١٨٠). تنبيه: قوله "وحليتهما" ليس في الصحيحين.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أنْ ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنَّة عدنٍ".
وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] فذكرهما ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] فهذه أربع. وقد اختلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ هل المراد به أنَّهما فوقهما، أو تحتهما على قولين:
فقالت طائفة: من دونهما أي: أقرب منهما إلى العرش، فيكونان فوقهما.
وقالت طائفة: بل معنى من دونهما: تحتهما.
قالوا: وهذا المنقول في لُغة العرب إذا قالوا: هذا دون هذا، أي دونه في المنزلة، كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
وفي "الصحاح": "دون: نقيض (^١) فوق، وهو تقصيرٌ عن الغاية، ثمَّ قال: ويقال: هذا دون هذا (^٢) أي أقرب منه" (^٣) .
والسِّياق يدلُّ على تفضيل الجنتين الأولتين من عشرة أوجه:
أحدها: قوله: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] وفيه قولان:
_________________
(١) في "د، هـ": "يقتضي"، والمثبت من الصحاح وباقي النسخ.
(٢) سقط من "ج"، وفي الصحاح "ذاك" بدلًا من "هذا".
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ١٥٥٤).
[ ١ / ٢٠٧ ]
أحدهما: أنَّه جمع فَنَن، وهو الغصن. والثاني: أنَّه جمع فَنٍّ، وهو الصِّنْف: أي ذواتا أصنافٍ شتَّى من الفواكه وغيرها، ولم يذكر ذلك في الَّلتين بعدهما.
الثاني: قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ [الرحمن: ٥٠]، وفي الأُخْرَيَيْنِ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦]، والنَّضاخة: هي الفوَّارة، والجارية: السَّارحة، وهي أحسن من الفوَّارة، فإنَّها تتضمن الفوران والجريان.
الثالث: أنَّه قال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢] وفي الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، ولا ريب أنَّ وصف الأولتين أكمل.
واختلف في هذين الزوجين بعد الاتفاق على أنَّهما صِنْفان.
فقالت طائفة: الزوجان: الرَّطب واليابس الَّذي لا يقصر في فضله وجودته عن (^١) الرَّطْب، وهو مُتَمَتَّع به كما يُتَمَتع باليابس.
وفيه نظرٌ لا يَخْفى.
وقالت طائفة: الزوجان صنفٌ معروف، وصنف من شكله غريب.
وقالت طائفة: نوعان. ولم تزد.
والظَّاهر واللَّه أعلم: أنَّه الحلو والحامض، والأبيض والأحمر؛
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ": "على".
[ ١ / ٢٠٨ ]
وذلك لأنَّ اختلاف أصناف الفاكهة أعجب وأشهى، وألذ لِلْعَيْنِ والفَمِ.
الرَّابع: أنَّه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وهذا تنبيهٌ عن فضل الظَّهائر وخطرها، وفي الآخرتين قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦]، وفُسِّرَ الرَّفْرَف: بالمحابس والبُسُط، وفُسِّر: بالفُرُش، وفُسِّر: بالمحابس فوقها. وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوَّلتين.
الخامس: أنَّه قال: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ [الرحمن: ٥٤] أي قريب سهل يتناولونه كيف شاؤوا، ولم يذكر ذلك في الآخرتين.
السَّادس: أنَّه قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أي قد قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ على أزواجهنَّ، فلا يُردْنَ غيرهم لرضاهنَّ بهم (^١)، وتحببهنَّ (^٢) لهم، وذلك يتضمن قصرهنَّ لطرف أزواجهنَّ عليهنَّ، فلا يدعهم حسنهنَّ أن ينظروا إلى غيرهنَّ، وقال في الآخرتين: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممَّن قصرت بغيرها.
السَّابع: أنَّهُ وَصَفَهُنَّ بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون، وإشراقه وحسنه، ولم يذكر ذلك في التي بعدها.
الثامن: أنَّه سبحانه قال في الجنتين الأَوَّلتين: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] وهذا يقتضي أنَّ أصحابهما من أهل
_________________
(١) سقط من "ج".
(٢) في "ب، د": "ومحبتهنَّ".
[ ١ / ٢٠٩ ]
الإحسان المطلق الكامل، فكان جزاؤهم بإحسان كامل.
التاسع: أنَّه بدأ بوصف الجنتين (^١) الأوَّلتين، وَجَعَلَهُمَا جزاءً لمن خاف مقامه، وهذا يدل على أنَّهما أعلى جزاء الخائف لمقامه، فرتَّب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبَّب على سببه، ولما كان الخائفون نوعين: مُقَرَّبين وأصحاب يمين، ذكر جَنَّتَي المقربين، ثمَّ ذكر جنَّتي أصحاب اليمين.
العاشر: أنَّهُ قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] والسِّياق يدل على أنَّه نقيض (^٢) فوق، كما قال الجوهري.
فإنْ قيل: فكيف انقسمت هذه الجِنَان الأربع على من خاف مقام ربه؟
قيل: لمَّا كان الخائفون نوعين كما ذكرنا، كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان، ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما.
فإنْ قيل: فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما، أم لكلِّ واحد جنتان وهما البستانان؟
قيل (^٣): هذا فيه قولان للمفسرين، ورُجِّح القول الثاني بوجهين: أحدهما: من جهة النقل. والثاني: من جهة المعنى.
_________________
(١) من "ب، ج، د، هـ".
(٢) في "ب، ج، د، هـ": "يقتضي".
(٣) من قوله: "فهل الجنتان لمجموع" إلى "قيل" سقط من "ج".
[ ١ / ٢١٠ ]
فأمَّا الَّذي من جهة النقل (^١)، فإنَّ أصحاب هذا القول رَووا عن النَّبي -ﷺ- أنَّه قال: "هما بستانان في رياض الجنَّة" (^٢) .
وأمَّا الَّذي من جهة المعنى فإنَّ إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر، والثانية جزاء اجتناب المحارم.
فإنْ قيل: فكيف قال في ذكر النساء ﴿فِيهِنَّ﴾ في الموضعين، ولمَّا ذكر غيرهنَّ قال ﴿فِيْهِمَا﴾؟
قيل (^٣): لما ذكر الفرش قال بعدها: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ثمَّ أعاده في الجنتين الآخرتين بهذا اللفظ، ليتشاكل (^٤) الَّلفظ والمعنى. واللَّهُ أعلم.
_________________
(١) من قوله: "والثاني من جهة" إلى "النقل" سقط من "ج".
(٢) ذكره الثعلبي في تفسيره (٩/ ١٨٩) بدون سند، وكذا ذكره الهروي كما في التذكرة للقرطبي ص (٣٨٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٧٧). وأخرج ابن مردويه (٦/ ٢٠٣ - الدر)، عن عياض بن تميم أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- تلا ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن/ ٤٦]، قال: "بستانان عرض كل واحد منهما مسيرة مائة عام. . . . ".
(٣) من قوله: "فكيف قال في ذكر النساء" إلى قوله "قيل" سقط من "ج".
(٤) في "ب، ج، د": "ليشاكل".
[ ١ / ٢١١ ]