روى مسلم في "صحيحه" (^١) من حديث ثوبان قال: كنتُ قائمًا عند رسول اللَّه -ﷺ-، فجاء حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: السلام عليكَ يا محمد، فدفعته دفعةً كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلتُ: ألا تقول يا رسول اللَّه؟ فقال اليهودي: إنَّما ندعوه باسمه الَّذي سمَّاه به أهله، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اسمي محمد الَّذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: أينفعك شيءٌ إنْ حدَّثتكَ؟ فقال: أسمعُ بأذني، فنكتَ رسول اللَّه -ﷺ- بعودٍ معه في الأرض، فقال: سل؟ فقال اليهودي: أين يكون النَّاسُ يومَ تبدل الأرضُ غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول اللَّهِ -ﷺ-: هم في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أوَّل النَّاس إجازةً يوم القيامة؟ قال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تُحْفتهم حين يدخلون الجنَّة؟ قال: زيادة كبد النون، قال: فما غِذاؤهم على إثره (^٢)؟ قال: ينحر لهم ثور الجنَّة الَّذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عينٍ فيها تُسمَّى سلسبيلًا، قال: صدقت، قال: وجئتُ أسألك عن شيءٍ لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلَّا نبي، أو رجل أو رجلان، قال: ينفعك إنْ حدثتك؟ قال: أسمع بأُذُنيَّ، قال: جئت أسألك عن الولد؟
_________________
(١) رقم (٣١٥).
(٢) في "ب، ج، هـ": "إثرها".
[ ١ / ٣٢٧ ]
قال: ماء الرجل أبيضُ، وماءُ المرأة أصفرُ، فإذا اجتمعا فعلا منيُّ (^١) الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن اللَّه تعالى، وإن علا مني المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن اللَّه تعالى، فقال اليهودي: لقد صدقت وإنَّك لنبي ثمَّ انصرف، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لقد سألني هذا عن الَّذي سألني عنه ومالي علمٌ بشيءٍ منه، حتَّى أتاني اللَّه ﷿ به".
وفي "صحيح البخاري" (^٢) عن أنس ﵁ قال: سمع عبدُ اللَّهِ بن سلام مَقْدَم النَّبي -ﷺ- المدينة، وهو في أرضٍ يَخْتَرِفُ، فأتى النَّبي -ﷺ- فقال: إنِّي سائلكَ عن ثلاث لا يعلمهنَّ إلَّا نبي، فما أوَّل أشراط السَّاعة؟ وما أوَّل طعام أهل الجنَّة؟ وما ينزع الولدُ إلى أبيه أو أُمِّهِ؟ قال: أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا، قال جبريل؟ قال: نعم، قال ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، أمَّا أوَّل أشراط السَّاعة: فنارٌ تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أوَّل طعام يأكله أهل الجنَّة: فزيادة كبدِ الحوت، وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل نزعت الولد (^٣)، قال: أشهد أنْ لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أنَّك رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، إنَّ اليهود قومٌ بهتٌ، وإنَّهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أنْ تسألهم بهتوني، فجاءتِ اليهود
_________________
(١) في "أ": "فعلا ماء مني" ولفظه "ماء" ليست في مسلم، ولا باقي النسخ.
(٢) رقم (٣٧٢٣).
(٣) قوله "وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد" من البخاري، وفي جميع النسخ، "وإذا سبق ماء المرأة نزعت".
[ ١ / ٣٢٨ ]
فقال: أىُّ رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أفرأيتم إن أسلم عبدُ اللَّه؟ فقالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه فقال: أشهد أنْ لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أنَّ محمد رسول اللَّه، فقالوا: شَرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصوه، فقال: هذا الَّذي كنتُ أخاف يا رسول اللَّهِ".
وفي "الصحيحين" (^١) من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تكون الأرض يوم القيامة خُبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبَّارُ بيدهِ كما يتكفَّأ أحدكم خُبزته في السَّفر نُزُلًا لأهلِ الجنَّة، فأتى رجلٌ من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنَّة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خُبزةً واحدةً، كما قال النَّبي -ﷺ-، فنظر النَّبي -ﷺ- إلينا ثمَّ ضحك حتى بدت نواجذه، ثمَّ قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى، قال: إدامهم بالامٌ ونُونٌ، قال: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفًا".
قال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب أنَّ أبا الخير أخبره أنَّ أبا العوام أخبره أنَّه سمع كعبًا يقول: "إنَّ اللَّهَ ﷿ يقول لأهل الجنَّة إذا دخلوها: إنَّ لكلِّ ضيفٍ جَزورًا، وإنِّي أجْزِرَكم اليومَ، فيؤتى بثورٍ وحوتٍ، فيُجزَرُ لأهل الجنَّة" (^٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦١٥٥)، ومسلم رقم (٢٧٩٢).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نُعيم بن حماد- رقم (٤٣٢)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة برقم (١١١). =
[ ١ / ٣٢٩ ]