قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١].
فأخبر تعالى أنَّ كتابهم كتابٌ مرقوم، تحقيقًا لكونه مكتوبًا كتابة (^١) حَقِيقية، وخصَّ تعالى كتاب الأبرار بأنَّه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقرَّبين من الملائكة والنَّبيين وسادات المؤمنين، ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب (^٢) الفجار = تنويهًا بكتاب الأبرار، وما وقع لهم به، وإشهارًا له (^٣)، وإظهارًا بين خواصِّ خلقه، كما تكتب الملوك تواقيع من تعظمه بين الأمراء، وخواص أهل المملكة تنويهًا باسم المكتوب له (^٤)، وإشادةً بذكره، وهذا نوعٌ من صلاة اللَّه ﷾، وملائكته على عبده.
وروى الإمام أحمد في "مسنده"، وابن حبان، وأبو عوانة الإسفرايني في "صحيحيهما" من حديث المنهال، عن زاذان عن البراء ابن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) في "ج": "كأنَّه".
(٢) في "ج": "الكتاب" وهو خطأ.
(٣) في "ج": "وإشهادًا له".
(٤) ليس في "ب".
[ ١ / ١٤١ ]
إلى (^١) جنازةٍ، فجلس رسول اللَّهِ -ﷺ- على القبرِ وجلسنا حوله كأنَّ على رؤوسنا الطير، وهو يُلْحَد له (^٢)، فقال: "أعوذ باللَّه من عذاب القبر ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قال: إنَّ المؤمن إذا كان في إقبالٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ تنزلت إليه الملائكة كأنَّ على وجوههم الشمس مع كلِّ واحدٍ منهم كفن وحنوط (^٣)، فجلسوا منه مدَّ بصره، ثمَّ يجيء ملك الموت حتَّى يجلسَ عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرةٍ من اللَّهِ ورضوان، قال: فتخرج تسيلُ كما تسيلُ القطرة مِنْ فِيِّ (^٤) السِّقاءِ فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسكٍ وُجدَت على وجه الأرضِ، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني (^٥) عَلى ملأٍ من الملائكة- إلَّا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح لهم، ويُشَيِّعه من كلِّ سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها؛ حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللَّهُ ﷿ (^٦)، فيقول اللَّهُ ﷿: اكتبوا
_________________
(١) في "ب": "في"، وقد وردت في بعض الروايات.
(٢) ليس في "ب".
(٣) الحنوط: هو ما يُخْلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصَّة. النهاية (١/ ٤٥٠).
(٤) ليس في "ب".
(٥) ليس في "أ".
(٦) قوله: "إلى السماء التي فيها اللَّهُ" كذا في جميع النُّسَخ، ولم أقف عليها.
[ ١ / ١٤٢ ]
كتاب عبدي في علِّيين، وأعيدوه إلى الأرضِ، فإنِّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارةً أخرى، قال: فتعادُ روحُه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّكَ؟ فيقول: ربِّي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الَّذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّهِ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأتُ كتابَ اللَّهِ فآمنت به وصدَّقت، قال: فينادي منادٍ من السمَّاء: أنْ صَدقَ عبدي فأفرشوه من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة (^١)، وافتحوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسحُ له في قبره مدَّ بَصَرِهِ، قال: ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجه حسن الثياب طيبُ الريح، فيقولُ: أبشر بالَّذي يسرُّك هذا يومك الَّذي كنتَ تُوْعد، فيقول له (^٢): من أنتَ فوجهك الوجه الَّذي (^٣) يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقولُ: ربِّ أقم السَّاعة، ربِّ أقم السَّاعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة (^٤)، نَزَلَ إليه من السماء ملائكةٌ سودُ الوجوه معهم المُسُوْحُ (^٥)
_________________
(١) قوله: "وألبسوه من الجنَّة" سقط من "ج".
(٢) ليس في "ب".
(٣) من المطبوعة.
(٤) في "ج": "انقطاع من الآخرة، وإقبال من الدنيا" وهو خطأٌ ظاهر.
(٥) المسوح: جمع كثرة، واحدُهُ: مِسْح، وهو الكساءُ من الشعر، وجمع القِلَّة: أَمْسَاح. انظر: لسان العرب (٢/ ٥٩٦).
[ ١ / ١٤٣ ]
فيجلسون منه مدَّ البصرِ (^١)، ثمَّ يجيءُ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخطٍ من اللَّهِ وغضب، قال: فتفرَّق في جسده فينتزعها كما ينتزعُ السَّفُّود (^٢) من الصُّوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها كأنتن ريح جيفةٍ وجدت على وجه الأرضِ، فيصعدون بها فلا يَمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلَّا قالوا: ما هذا الروح الخبيث (^٣)، فيقولون: فلانُ ابن فلان. بأقبح أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى سماء الدنيا (^٤) فيستفتح (^٥) فلا يفتح له، ثمَّ قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فيقول اللَّه ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في سِجِّينٍ في الأرضِ السفلى. وتُطرَح رُوحُهُ طَرحًا، ثمَّ قرأ رسول اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١]، فتعاد روحُهُ في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الَّذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي منادٍ من السماء، أن كذب عبدي (^٦) فأَفرشوه
_________________
(١) في "ب، د"، ونسخةٍ على حاشية "أ" (بَصَرِهِ).
(٢) السَّفُّود: الحديدة التي يشوي بها اللحم. انظر: الصحاح (١/ ٤١٧).
(٣) في "ب، هـ": "الخبيثة".
(٤) قوله "حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا" سقط "ب".
(٥) في نسخة على حاشية "أ" "فيستفتح له".
(٦) ليس في "ب، ج، د".
[ ١ / ١٤٤ ]
من النار وافتحوا له بابًا إلى النَّار، فيأتيه من حرِّها وسمومها، ويُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه، قبيحُ الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالَّذي يسوؤك، هذا يومك الَّذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الَّذي (^١) يجيء بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تُقِمِ السَّاعة" (^٢).
ورواه أبو داود بطوله بنحوه، فهذا التوقيع، والمنشور الأوَّل.