قالوا: أمَّا قولكم: إنّ قولنا هو الَّذي فطر اللَّهُ عليه عباده بحيث لا يعرفون سِوَاهُ، فالمسألةُ سمعية لا تُعْرَفُ إلَّا بأخبار الرسل، ونحن وأنتم إنَّما تلقينا هذا من القرآن، لا من المعقول ولا من الفطرة، فالمتَّبع فيه ما دلَّ عليه كتابُ اللَّهِ تعالى وسنَّة رسوله -ﷺ-، ونحن نطالبكم بصاحبٍ واحدِ، أو تابعٍ أو أثرٍ صحيحٍ أو حسن، يصرِّح بأنها جنَّةُ الخلد التي أعدَّها اللَّهُ للمؤمنين بعَيْنِهَا، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه، ولكن لمَّا وردت الجنَّة مُطْلقةً في هذه القِصَّة، وافقت اسم الجنَّة التي أعدَّها اللَّهُ لعباده في إطلاقها، وبعض أوصافها، فذهب كثيرٌ من الأوهام إلى أنَّها هي بعينها، فإنْ أردتم بالفطرة هذا القدر لم يُفِدْكم شيئًا، وإنْ أردتم أنَّ اللَّهَ فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حُسْن العدل وقبح الظلم، وغير ذلك من الأمور الفِطْرية فدعوى باطلة، ونحن إذا رجعنا [٢٦/ ب] إلى فطرنا لم نجد علمها بذلك، كعلمها (^١) بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات.
وأمَّا استدلالكم بحديث أبي هريرة -﵁-، وقول آدم: "وهل أخرجكم منها إلَّا خطيئة أبيكم؟ " (^٢) فإنَّما يدلُّ على تأخُّر آدم
_________________
(١) في "ب": "لم نجد علمنا بذلك كعلمنا".
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٩٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٧٩ ]
﵇ عن الاستفتاح (^١) للخطيئة التي تقدمت منه في دار الدنيا، وأنَّه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنَّة، كما في اللفظ الآخر: "إني نُهِيتُ عن أكل الشجرة فأكلت منها" (^٢)، فأينَ في هذا ما يدل على أنَّها جنة المأوى بمطابقةٍ أو تَضَمُّن أو اسْتِلزام، وكذلك قول موسى له: "أخرجتنا ونفسَكَ من الجنَّة" (^٣)، فإنَّه لم يقل له: أخرجتنا من جنة الخلد.
وقولكم: إنَّهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنَّة التي في الأرضِ، فاسم الجنَّة وإن أُطْلِقَ على تلك البساتين، فبينها وبين جنَّة آدم ما لا يعلمه إلَّا اللَّهُ، وهي كالسجن بالنَّسبة إليها، واشتراكهما في كونهما في الأرضِ لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوتٍ في جميع الأشياء.
وأمَّا استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] عقيب إخراجهم من الجنَّة، فلفظُ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض، وغايته أن يدلَّ على النزول من مكان عال إلى أسفل منه، وهذا غير منكر، فإنَّها كانت جنَّةً في أعلى الأرضِ، فأُهبِطوا منها إلى الأرضِ.
_________________
(١) وقع في "أ": "الاستقباح" * ولعلَّ المثبت هو الصوابُ، بدليل ما ورد في النَّص: "فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنَّة. . " إلخ *.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣١٦٢)، ومسلم رقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة الطويل في الشفاعة.
(٣) تقدم تخريجه ص (٥٦ - ٥٧).
[ ١ / ٨٠ ]
وقد بيَّنَّا أنَّ الأمرَ كان (^١) لآدم وزوجه وعدوهما، فلو كانت الجنَّة في السماء لما كان عدوُّهما متمكنًا منهما (^٢) بعد إهباطه الأوَّل؛ لمَّا أبى السُّجود لآدم ﵇، فالآية إذًا من أظهر الحُجَجَ عليكم، ولا تغني عنكم وجوه التَّعَسُّفَات والتكلفات التي قدَّرتُمُوها، وقد تقدمت.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، فهذا لا يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرضِ؛ فإنَّ الأرضَ اسمُ جنسٍ، وكانوا في أعلاها وأطيبها وأفضلها، في محل لا يدركهم فيه جوع ولا عُري ولا ظمأ ولا ضحى، فأُهْبِطوا إلى أرضٍ يعرض فيها ذلك كله، وفيها حياتهم وموتهم، وخروجهم من القبور، والجنَّة التي أسكناها لم تكن دار نصبٍ ولا تعبٍ ولا أذًى، والأرض التي أهبطوا إليها هي محل التعب والنصب، والأذى وأنواع المكاره.
وأمَّا قولكم: إنَّه ﷾ وصفها بصفاتٍ لا تكون في الدنيا.
فجوابه: أنَّ تلك الصِّفات لا تكون في الأرضِ التي أهبطوا إليها، فمن أين لكم أنَّها لا تكون في الأرضِ التي أُهْبِطوا منها.
وأمَّا قولكم: إنَّ آدم ﵇ كان يعلم أنَّ الدنيا مُنْقَضِية فانية، فلو كانت الجنَّة فيها لَعَلِمَ كَذِبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠].
_________________
(١) ليس في "أ، ج".
(٢) في "أ، ب، جـ": "منها".
[ ١ / ٨١ ]
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ الَّلفظ إنَّما يدل على الخُلْد، وهو أعمُّ من الدَّوام الَّذي لا انقطاع له، فإنَّهُ في اللغة: المُكْثُ الطَّويل. ومكث كل شيء بحسبه، ومنه قولهم: رجل مخلَّد. إذا أَسَنَّ وكَبر، ومنه قولهم لأثافيِّ (^١) الصخور: خَوالِد. لطول بقائها بعد دروس الأطلال. قال:
إلَّا رمادًا هامِدًا دفعت عنه الرياح خوالدٌ سَحْم (^٢)
ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده، وإن كان له أوَّل، كما قال تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩] (^٣)، وَ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ [الأحقاف: ١١]، وقد أطلق تعالى الخلود في النَّارِ على عذاب بعض العصاة، كقاتل النفس، وأطلقه النَّبي -ﷺ- على قاتل نفسه.
الوجه الثاني: أنَّ العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة، إنَّما يعلم بالوحي، ولم يتقدَّم لآدم ﵊ نُبُوَّة يُعْلَمُ بها ذلك، وهو وإنْ نبَّأهُ اللَّهُ ﷾ وأوحى إليه، وأنزل عليه صُحُفًا، كما في حديث أبي ذرٍّ (^٤) -﵁-، لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض
_________________
(١) الأُثْفيَّة: أحدُ أحجار ثلاثة توضع عليها القدر. المعجم الوسيط ص (٢٦).
(٢) * انظر: ديوان المخبَّل السعدي: ضِمْن كتاب شعراء مقلُّون ص (٣١٢) *.
(٣) وقع في المطبوعة هنا زيادة ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف: ٩٥].
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢/ ١٥٧ - ١٥٨) مختصرًا. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٣٦١)، وفي "المجروحين" (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية": (١/ ١٦٦ - ١٦٨) مطوَّلًا. وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، كذَّبه أبو حاتم وأبو زرعة =
[ ١ / ٨٢ ]
بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]، وكذلك في سورة البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: ٣٨].
وأمَّا قولكم: إنَّ الجنَّة وردت مُعَرَّفةً بالَّلامِ التي للعَهدِ فتنصرف إلى جنَّة الخُلد، فقد وردت مُعَرَّفة بالَّلام، غير مرادٍ بها جنَّة الخلد قطعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾
_________________
(١) = الرازيان. وأخرجه أحمد في المسند: (٥/ ١٧٨) مطوَّلًا، والنسائي (٨/ ٢٧٥) مختصرًا، وابن سعد في "الطبقات": (١/ ٣٢) مختصرًا وغيرهم من طريق عبيد بن الخشخاش وأبي إدريس الخولاني عن أبي ذر فذكره. وليس فيه ذكر الصحف، وفيه: "قلت: يا رسول اللَّه، أي الأنبياء كان أوَّل؟ قال: آدم، قلت: يا رسول اللَّه، آدم أنبيٌ كان؟ قال: نعم، نبيٌّ مكلَّمٌ". ولا يثبتُ إسناده ففي طريق عبيد الخشخاش -وهو مجهول-: أبو عمر الدمشقي وهو متروك الحديث. وفي طريق أبي إدريس: القاسم بن محمد وهو مجهول، وقال البوصيري: هو ضعيف. لكن وردَ عن أبي أمامة عند ابن حبان في صحيحه (١٤/ رقم ٦١٩٠)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٤٠٣) وفي "الكبير" رقم (٧٥٤٥) والحاكم (٢/ ٢٨٨) رقم (٣٠٣٩). والحديث تفرَّد به معاوية بن سلَّام عن أخيه زيد عن أبي سلَّام عن أبي أمامة كما قال الطبراني. والحديث صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن كثير. انظر: البداية والنهاية: (١/ ٩٤).
[ ١ / ٨٣ ]
[القلم: ١٧].
وقولكم: إنَّ السَّياق ها هنا دلَّ على أنَّها جنَّةٌ في الأرضِ.
قُلنا: والأدلة التي ذكرناها دلَّت على أنَّ جنة آدم ﵇ في الأرضِ، فلذلك صِرْنَا إلى مُوْجِبِهَا، إذْ لا يجوزُ تعطيل دلالة الدليل الصحيح.
وأمَّا استدلالكم بأثر أبي موسى: "أنَّ اللَّه أخرج آدم من الجنَّة وزوَّده من ثمارها" (^١)، فليس فيه زيادة على ما دلَّ عليه القرآن، إلَّا تزوده منها، وهذا لا يقتضي أنْ تكون جنَّة الخُلْدِ.
وقوله: "إنَّ هذه تتغير، وتلك لا تتغير" فمن أين لكم أنَّ الجنَّة التي أسكنها آدم كان التَّغيُّر يَعْرِضُ لثمارها، كما يَعْرِضُ لهذه الثمار، وقد ثبتَ في الحديث الصحيح عِن النَّبي -ﷺ- أنه قال: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز الَّلحم" (^٢) أي: لم يَتَغَيَّر ولم يَنْتَنْ، وقد أبقى اللَّهُ ﷾ في هذا العالم طعامَ العُزَيْر وشَرَابَهُ مئة سنةٍ لم يتغيَّر (^٣) .
وأمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ ﷾ ضَمِنَ لآدم ﵇ إنْ تابَ أن يعيده إلى الجنَّة، فلا ريبَ أنَّ الأمرَ كذلك، ولكن ليس نعلم أنَّ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٦٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣١٥٢)، ومسلم رقم (١٤٧٠)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) يُشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وراجع تفسير الطبري (٣/ ٢٨).
[ ١ / ٨٤ ]
الضمان إنَّما يتناول عوده إلى تلك الجنَّة بِعَيْنِهَا، بل إذا أعاده إلى جنة الخلد، فقد وفَى سبحانه بضمانه حقَّ الوفاءِ، ولفظُ العَوْد لا يستلزم الرجوع إلى عَيْنِ الحالةِ الأولى، ولا زمانها ولا مكانها، بل (^١) ولا إلى نظيرها، كما قال شعيب لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقد جعل اللَّهُ سبحانه المُظَاهِرَ (^٢) عائدًا بإرادته الوطء ثانيًا، أو بنفس الوطء، أو بالإمساكِ، وكل منها غيرُ الأوَّلِ لا عينه.
فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها.
_________________
(١) ليس في "ب".
(٢) أي: الذي يقول لامرأته أنت عليَّ كظهر أُمِّي ونحوه. انظر: "الزاهر" للأزهري ص (٤٤٣).
[ ١ / ٨٥ ]