قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].
وقولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]: أي شبيهه ونظيره لا عَيْنَهُ، وهل المراد أنَّ هذا الَّذي رُزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمارِ، أو هذا نظيرُ الَّذي رزقنا في الجنة قبلُ؟
قيل: فيه قولان: ففي "تفسير السُّدي" عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح: عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود: وعن ناس من أصحاب النَّبي -ﷺ- قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أنَّهم أُتُوا بالثمرة في الجنَّة، فلمَّا نظروا إليها قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل (^١) في الدنيا" (^٢).
_________________
(١) قوله: "من قبل" سقط من "ب".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦) رقم (٥١٢) (ط: دار المعارف). وسنده ضعيف. وهي سلسلة فيها غرابة؛ لأنَّها من رواية أسباط بن نصر، ولعلَّه لهذا السبب، لم يخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره. قال الخليلي: ". . . لكن التفسير الَّذي جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أنَّ أمثل التفاسير تفسير السدي. . " الإرشاد (١/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال مجاهد: "ما أشبهه به" (^١) .
وقال ابن زيد: " ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يعرفونه" (^٢) .
وقال آخرون: هذا الَّذي رُزِقْنَا من قبل من ثمار الجنَّة، من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضًا في الَّلون والطَّعم (^٣) .
واحتجَّ أصحاب هذا القول بحُجَجٍ:
أحَدُها: أنَّ المشابهة التي (^٤) بين ثمار الجنَّة بعضها لبعض أعظمُ من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا: هذا (^٥) هو.
الحجة الثانية: ما حكاه ابن جرير عنهم قال: "ومن عِلَّة قائلي هذا القول أنَّ ثمار الجنَّة كلمَّا نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله، كما حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مَهْدِي، حدثنا سفيان سمعتُ عمرو بن مُرَّة يحدِّث عن أبي عُبَيْدة، وذكر ثمر الجنَّة، قال: "كُلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى" (^٦) .
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٤ و٥١٥). وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٦). وسنده صحيح.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١/ ٣٨٦).
(٤) في "ب": "الَّذي".
(٥) من "أ".
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٧). وسيأتي الكلام عليه وأنَّه من قول مسروق في ص (٣٨٨ - ٣٨٩).
[ ١ / ٣٥٩ ]
الحجَّة الثالثة: قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] وهذا كالتعليل والسبب (^١) الموجب لقولهم: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥].
الحجة الرابعة: أنَّ من المعلوم أنَّه ليس كل ما في الجنَّة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار (^٢) الدنيا ولا رأوها.
ورجحت طائفة منهم: ابن جرير وغيره القول الآخر، واحتجَّت بوجوه.
قال ابن جرير: "والَّذي يحقق صحة قول القائلين: إنَّ معنى ذلك ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] في الدنيا، أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥] يقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] ولم يُخَصِّص أنَّ ذلك من قِيْلهم في بعضٍ دون بعض (^٣)، فإنْ كان قد أخبر جلَّ ذكره عنهم أنَّ ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة، فلا شكَّ أنَّ ذلك من قيلهم في أوَّل رزقٍ رُزِقُوْهُ من ثمارها أُتُوا به بعد دخولهم الجنَّة، واستقرارهم فيها، الَّذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذ (^٤) كان لا شك أنَّ ذلك من قيلهم
_________________
(١) في "أ، جـ، هـ": "والمسبَّب".
(٢) في "ب": "أثمار".
(٣) قوله "دون بعض" سقط من "ج".
(٤) في "هـ": "فإذا".
[ ١ / ٣٦٠ ]
في أوَّله، كما هو من قيلهم في أوسطه (^١)، وما يتلوه؛ فمعلوم أنَّه محال أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه من ثمار الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنَّة، وكيف يجوز أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه (^٢) من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره منها: هذا (^٣) الَّذي رزقناه قبل (^٤)، إلَّا أنْ ينسبهم ذو غَيَّةٍ وضلالٍ إلى قيل الكذب، الَّذي قد طهَّرهم اللَّهُ منه، أو يدفعَ دافعٌ أنْ يكون ذلك من قِيْلهم لأوَّل رزقٍ يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب اللَّهُ صحته من غير نصب دلالةٍ على أنَّ ذلك في حال من أحوالهم دون حال، فقد تبين أنَّ معنى الآية: كلما رزقوا (^٥) من ثمرة من ثمار الجنَّة في الجنَّة رزقًا، قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا" (^٦) .
قلتُ: أصحاب القول الأول يخصُّون هذا العام بما عدا الرزق الأوَّل، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات:
أحدها: أنَّ كثيرًا من ثمار الجنَّة وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا
_________________
(١) من "ب": والطبري، وفي باقي النسخ "وسطه".
(٢) سقط من "ب، ج".
(٣) في "ج، د، هـ": "هذا هو".
(٤) في الطبري "من قبل".
(٥) في "ب": "رزقوا منها من ثمرة. . . "، وفي الطبري "كلما رزق الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار. . . ".
(٦) انظر: تفسير الطبري (١/ ٣٨٦ - ٣٨٨).
[ ١ / ٣٦١ ]
يُقال فيها ذلك.
الثاني: أنَّ كثيرًا من أهلها لم يُرْزَقُوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنَّة.
الثالث: أنَّهُ من المعلوم أنَّهم لا يستمرون على هذا القول أَبَدَ الآباد، كلَّما أكلوا ثمرةً واحدة قالوا: هذا الَّذي رزقناه في الدنيا، ويستمرون على هذا الكلام دائمًا إلى غير نهاية، والقرآن العزيز لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا هو ممَّا يُعْتنى به من نعيمهم ولذتهم، وإنَّما هو كلام مبين خارجٌ على (^١) المعتاد المفهوم من المخاطب.
ومعناه: إنَّه يشبه (^٢) بعضه بعضًا، ليس أوَّله خَيْرًا من آخره، ولا هو ممَّا يَعْرض له ما يَعْرض لثمر الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها، وصغر ثمرها وغير ذلك، بل أوَّله مثلُ آخره، وآخره مثل أوَّله، وهو خيار كله يشبه بعضه بعضًا، فهذا وجه قولهم. ولا يلزم مخالفه ما نصَّه اللَّهُ ﷾، ولا نِسْبَة أهل الجنَّة إلى الكذب بوجهٍ، والَّذي يلزمهم من التَّخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه، واللَّهُ أعلم.
وأمَّا قوله ﷿: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].
_________________
(١) وقع في "أ، ب" "عن".
(٢) في نسخةٍ على حاشية "أ": "أنَّ شَبَهَ".
[ ١ / ٣٦٢ ]
فقال الحسن: "خيارٌ كله لا رَذْل فيه، ألم (^١) تروا إلى ثمر الدنيا كيف يسترذلون بعضه، وأنَّ ذلك ليس فيه رذل" (^٢) .
وقال قتادة: "خيارٌ لا رَذْلَ فيه، وإنَّ ثمار الدنيا ينفى (^٣) منها، ويرذل منها" (^٤) ".
وكذلك قال ابن جريج وجماعة (^٥) .
وعلى هذا، فالمراد بالمُتَشَابه المُتَوافِق والمُتَماثِل.
وقالت طائفة أخرى: منهم ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: "متشابهًا في الَّلون والمرأى، وليس يُشْبِهُ الطعمُ الطعمَ" (^٦) .
قال مجاهد: "متشابهًا لونه مختلفًا طعمه" (^٧)، وكذلك قال الربيع ابن أنس (^٨)، وقال يحيى بن أبي كثير: "عشب الجنَّة الزعفران،
_________________
(١) في "ب": "ألا".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٩) رقم (٥٢٠)، وسنده صحيح.
(٣) عند الطبري: "ينقى".
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) رقم (٥٢٢) وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٠) رقم (٥٢٣) عن ابن جريج. وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٠) رقم (٥٢٤) وسنده ضعيف. قال ابن كثير: "هذا الإسناد يروى به السُّدِّي أشياء فيها غرابة". انظر: الإتقان للسيوطي (٢/ ٥٣٤).
(٧) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٠) رقم (٥٢٥، ٥٢٨) وغيره، وهو صحيح عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ص (٩) البقرة، والطبري في تفسيره =
[ ١ / ٣٦٣ ]
وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة، فيأكلونها، ثمَّ يأتونهم بمثلها فيقولون: هذا الَّذي جئتمونا به آنفًا، فيقول لهم الخدم (^١): كلوا فإنَّ اللون واحد، والطعم (^٢) مختلف، فهو قوله ﷿: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] " (^٣) .
وقال طائفة: معنى الآية: أنَّه يشبه ثمر الدنيا، غيرَ أنَّ ثمر الجنَّة أفضل وأطيب. قال ابن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا: التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان (^٤)، قالوا في الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل، وأُتوا به متشابهًا: يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم" (^٥) .
واختار ابن جرير هذا القول، قال: "وقد دلَّلنا على فساد قول من قال: إنَّ معنى الآية: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: في
_________________
(١) = (١/ ٣٩) رقم (٥٢٧). وسنده حسن.
(٢) عند ابن أبي حاتم "الولدان".
(٣) في "ج": "والمطعم".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (٢٦٢)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٣٥٣). وسنده صحيح. وأخرجه الطبري (١/ ٣٨٧) رقم (٥١٨) بغير هذا اللفظ، وفيه ضعف.
(٥) في "ب": "التفاح والرمان" بدلًا من "التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان".
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٢) رقم (٥٣٦)، وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الجنَّة، وتلك الدلالة على فساد ذلك القول (^١)، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] لأنَّ (^٢) اللَّهَ ﷾ أخبر عن المعنى الَّذي من أجله قال القوم ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ بقوله (^٣) ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
قلتُ: وهذا لا يدل على فساد قولهم لما تقدم.
وقال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ [ص: ٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان: ٥٥].
وهذا يدلُّ على أمنهم (^٤) من انقطاعها ومضرتها.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٧٢ - ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣].
أي لا تكون في وقتٍ دون وقتٍ، ولا تُمْنَع مِمَّن أرادها.
وقال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٣].
_________________
(١) في "د": "وتلك الدلالة فساد، وذلك القول".
(٢) في جميع النسخ "أن"، والمثبت من الطبري.
(٣) قوله "بقوله" من تفسير الطبري (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
(٤) في "ب": "أنهم" وهو خطأ.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يُقْطف. والقَطْف -بالفتح- الفِعْل، أي ثمارها دانية: قريبة ممَّن يتناولها، فيأخذها كيف يشاء، قال البراء بن عازب: "يتناول الثمرة وهو نائم" (^١) .
وقال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].
قال ابن عباس ﵄: "إذا هَمَّ أنْ يتناول من ثمارها تدلَّتْ (^٢) إليه حتَّى يتناول ما يريد" (^٣) .
وقال غيره: "قُرِّبت إليهم مُذلَّلة كيف شاؤوا، فهم يتناولوها قيامًا وقعودًا ومضطجعين" (^٤)، فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٩/ ٦١)، وابن صاعد في زوائده على الزهد لابن المبارك رقم (١٤٥٤)، والواحدي في الوسيط (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧) وغيرهم. من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن البراء فذكره. وله طرق عن أبي إسحاق ستأتي. - ورواهُ أبو الضُّحى عن البراء، فذكره، وزاد "وهم جلوس، وعلى أي حال شاؤوا". أخرجه هناد في الزهد برقم (١٠١) وسنده حسن.
(٢) في "ب": "تذلَّلت"، وفي "د" "تدلَّلت".
(٣) ذكره الواحدي في تفسيره الوسيط (٤/ ٤٠٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٤٣٦). وأخرج الطبري (٢٧/ ١٥٠) عن ابن عباس قال في قوله ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ [الرحمن: ٥٤]، قال: ثمارها دانية. وسنده حسن.
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ٣٦٠)، وزاد المسير لابن الجوزي (٨/ ٤٣٦).
[ ١ / ٣٦٦ ]
ومعنى تذليل القطف: تسهيل تناوله. وأهل المدينة يقولون: ذَلِّلِ النخل، أي سَوِّى عذوقه وأخرجها من السَّعف، حتَّى يسهل تناولها.
وفي نصب ﴿دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ وجهان (^١):
أحدهما: أنَّه على الحال عطفًا على قوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
والثاني: أنَّه صفة لـ ﴿جَنَّةٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢]، وفي الجنتين الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨].
وخصَّ النخل والرُّمَّان من بين الفاكهة بالذِّكْرِ لفضلهما وشرفهما، كما نصَّ على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ، إذ هما من أفضل أنواع الفواكه، وأطيبها وأحلاها.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا علي بن المديني حدثنا ريحان بن سعيد عن عبَّاد (^٢) بن منصور، عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماءَ عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّ الرَّجلَ إذا نزعَ ثمرةً من الجنَّة عادتْ مكانها أخرى" (^٣) .
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ٢١٤).
(٢) في "ج": "عبادة" وهو خطأ.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٠٢) رقم (١٤٤٩)، والبزار في مسنده (١٠/ ١٢٣) رقم (٤١٨٧)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٣٤٥). كلهم من طريق ريحان بن سعيد عن عبَّاد بن منصور به مثله. =
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثني عُقبة بن مُكرم العمي، حدثنا رِبْعِي بن إبراهيم بن عُليَّة حدثنا عوف، عن قسامة بن زُهَير عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اهبط اللَّهُ آدم من الجنَّة، وعلَّمه صنعةَ كل شيءٍ، وزوَّده من ثمار الجنَّة، فثماركم هذه من ثمار الجنَّة، غير أنَّها تغيَّر، وتلك لا تغيَّر" (^١) .
وقد تقدَّم: أنَّ سدرة المنتهى نبقها مثل القلال (^٢) .
وفي "صحيح مسلم" (^٣) من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ عن النَّبي -ﷺ- قال: "عُرضت عليَّ الجنَّة حتى لو تناولت منها قطفًا
_________________
(١) = وهو حديث منكر بهذا الإسناد، لتفرد عباد بن منصور به عن أيوب، وفيه ضعف، وكان قد تغيَّر. انظر: تهذيب الكمال (١٤/ ٥٦ - ١٦١). - ورواهُ إسحاق بن إدريس "كذَّاب يضع الحديث" عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة به بنحوه. أخرجه البزار في مسنده (١٠/ ١٢٣) رقم (٤١٨٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٦) رقم (٨٣٩٠) مطوَّلًا جدًّا. وقال الحاكم: "هذا الحديث عن ثوبان لا نعلمه يروى عن النَّبي -ﷺ- من وجهٍ متصل عنه بأحسن من هذا الإسناد، ولا نعلم روى حديث أيوب إلَّا عبَّاد بن منصور، ولا رواهُ عن عباد إلَّا ريحان، ولا نعلمُ روى حديث يحيى ابن أبي كثير إلَّا إسحاق بن إدريس عن أبان". قال البرديجي: "فأمَّا حديث ريحان عن عباد عن أيوب عن أبي قلابة فهي مناكير".
(٢) تقدم الكلام عليه في ص (٦٤). والصواب فيه موقوف.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٠٣٥) من حديث أنس ﵁.
(٤) رقم (٩٠٤).
[ ١ / ٣٦٨ ]
أخذته".
وفي لفظ: "فتناولت منها قطفًا فقصرت عنه يدي" (^١) .
وقال أبو خيثمة: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا ابن عقيل، عن جابر -﵁- قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول اللَّه -ﷺ- فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلمَّا قضى الصلاة قال له أُبي بن كعب: يا رسول اللَّه، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا، ما كنت تصنعه؟ قال: "إنه عرضت عليَّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه" (^٢) .
_________________
(١) انظر: المصدر السَّابق، وهو من شك أحد الرواة.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٢) و(٥/ ١٣٧)، وعبد بن حميد برقم (١٠٣٦). من طريق زكريا بن عدي والحسين المروزي وأحمد بن عبد الملك كلهم عن عبيد اللَّه بن عمرو عن ابن عقيل عن جابر فذكره. - ورواهُ أحمد بن عبد الملك والعلاء الرقي عن عبيد اللَّه بن عمرو عن ابن عقيل عن الطفيل عن أبيه أُبي بن كعب فذكره. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٣٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٤٧) رقم (٨٧٨٨) مطوَّلًا. والحديث تفرَّد به ابن عقيل بهذا اللفظ، والسِّياق فيه غرابة، وابن عقيل في حفظه ضعف. - فقد رواهُ أبو الزبير -كما تقدَّم- وعطاء عن جابر ولم يذكر ما ذكره ابن عقيل. أخرجه مسلم برقم (٩٠٤)، وأحمد (٣/ ٣١٧ و٣٣٥) وغيرهما.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقال ابن المبارك: أنبأنا سفيان، عن حماد، عن (^١) سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمرُ الجنَّة أمثال القلال والدلاء، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألينُ من الزُّبْدِ، ليس فيه عَجَم" (^٢) .
وقال سعيد بن منصور: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ قال: "إنَّ أهل الجنَّة يأكلون من ثمار الجنَّة قيامًا وقعودًا، ومضطجعين على أيِّ حالٍ شاؤوا" (^٣) .
وقال البزار في "مسنده": حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى قال: حدثني كريب أنَّه سمع أُسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ألَا مُشمرٌ للجنَّة، فإنَّ الجنَّة لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطردٌ، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناءُ جميلة، وحلَلٌ كثيرة في مقام أبدٍ، في دارٍ سليمة، وفاكهة وخضرةٍ، وحِبَرةٍ ونعمةٍ في محلَّةٍ عاليةٍ بهيَّة، قالوا: نعم
_________________
(١) في "ب" "بن" وهو خطأ.
(٢) تقدم في الباب (٤٤) ص (٣٥٤)، بلفظ "نخل الجنة. . . ".
(٣) أخرجه البيهقي رقم (٣١٣)، وابن المبارك في الزهد -رواية نُعَيم- رقم (٦٧) وغيرهما. وقد توبع شريك القاضي: تابعه شعبة وإسرائيل والثوري وزكريا. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ رقم ٣٤٠٧٤)، وهناد في الزهد رقم (١٠٠)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ٦١) وغيرهم. انظر: فتح الباري (٦/ ٣٢١).
[ ١ / ٣٧٠ ]
يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها: قال: قولوا: إنْ شاء اللَّهُ، قال: القوم: إنْ شاء اللَّه" (^١) .
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمُ من رواهُ عن النَّبي -ﷺ- إلَّا أسامة، ولا نعلم له طريقًا عن أسامة إلَّا هذا الطريق، ولا نعلم رواهُ عن الضحاك المعافري إلَّا هذا الرجل محمد بن مهاجر".
وفي حديث لَقِيْط بن صَبِرَة (^٢) الَّذي رواه عبد اللَّه بن أحمد في "مسند أبيه" وغيره: قلتُ: يا رسول اللَّهِ على ما نطَّلع من (^٣) الجنَّة؟ قال: على أنهار من عسلٍ مصفَّى، وأنهار من كأس ما بها صُدَاع، ولا نَدامة، وأنهار من لبنٍ لم يتغير طعمه، وماءٍ (^٤) غير آسن، وبفاكهة، لعَمْر إلهك ممَّا تعلمون، وخير من (^٥) مثله معه" (^٦) .
وأمَّا الرَّيْحَانة: فهو كل نبت طيِّب الرَّائحة.
قال الحسن وأبو العالية: "هو ريحاننا هذا، يؤتى بِغُصْنٍ من (^٧) ريحان الجنَّة فنشمُّه" (^٨) .
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص (٢٩١).
(٢) في "ب": "عامر" وهو خطأ.
(٣) وقع في "هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ" "في".
(٤) وقع في "ب، د": "وأنَّهار من ماء".
(٥) سقط من "ب".
(٦) تقدم الكلام عليه في ص (١٢٦ - ١٢٧).
(٧) سقط من "ج".
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٧/ ٢١٢) وسنده إلى الحسن: صحيح. وسنده إلى أبي العالية: ضعيف.
[ ١ / ٣٧١ ]