قال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "مفتاح الجنَّة شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ" (^١).
رواه الإمام أحمد في "مسنده" ولفظه: "مفاتيح (^٢) الجنَّة شهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الدعاء (٣/ ١٤٧٩)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٨ - ٣٩). من طريق إبراهيم بن العلاء الزبيدي ويحيى الحمَّاني كلاهما عن إسماعيل بن عيَّاش به مثله.
(٢) من "ب" وفي باقي النسخ "مفتاح"، والمثبت هو الصواب، كما في المسند.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٢)، والبزار في مسنده (٧/ ١٠٤) رقم (٢٦٦٠)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة (١٨٩). من طريق إبراهيم بن مهدي ومحمد بن سلام البيكندي ومحمد بن إسماعيل بن عياش كلهم عن إسماعيل بن عياش به مثله. قلت: وهذا الاختلاف في المتن "مفتاح" "مفاتيح" من اضطراب إسماعيل ابن عياش وهو يرجع إلى ضعف روايته عن غير أهل الشام، وهذا منها، فإنَّ عبد اللَّه بن عبد الرحمن هذا مكِّي. قال البزار: "شهر بن حوشب لم يسمع من معاذ بن جبل ﵁". وكذا أعلَّهُ بالانقطاع الهيثمي وابن رجب. انظر: مجمع الزوائد (١/ ١٦)، وكلمة الإخلاص لابن رجب ص (١٦).
[ ١ / ١٣٦ ]
وذكر البخاري في "صحيحه" عن وهب بن منبه أنَّه قيل له: أليس مفتاح الجنَّة (^١) لا إله إلَّا اللَّه؟ قال: بلى، ولكن ليس من مفتاح إلَّا وله أسنانٌ، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلَّا لم يفتح (^٢) .
وروى أبو نعيم من حديث أبان عن أنس ﵁ قال: قال أعرابي يا رسول اللَّهِ، ما مفاتيح (^٣) الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه" (^٤) .
وذكر أبو الشيخ من حديث الأعمش عن مجاهد عن يزيد بن شجرة (^٥) قال: "إنَّ السيوف مفاتيح الجنَّة" (^٦) .
_________________
(١) في "ج" بعد الجنَّة "شهادة ألَّا إله إلَّا اللَّهُ".
(٢) ذكره البخاري في "٢٩" الجنائز، (١) باب: في الجنائز، ومن كان آخر كلامه: لا إله إلَّا اللَّه (١/ ٤١٧)، بلفظ: وقيل لوهب بن منبه. ووصله في تاريخه الكبير (١/ ٩٥)، وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (١٩١) وغيرهما.
(٣) في "هـ": "مفتاح".
(٤) أخرجه أبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (١٩٠). وفيه أبان بن أبي عياش البصري: وهو متروك الحديث، انظر: التقريب (١٤٢).
(٥) من "هـ" ونسخة على حاشية "أ"، وفي باقي النسخ "سخبرة" وهو خطأ.
(٦) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩٢). وهو موقوف، ويزيد بن شجرة مختلف في صحبته، والصحيح ليست له صحبة كما قال أبو زرعة وابن منده وغيرهما. انظر: الجرح والتعديل (٩/ ٢٧١)، وتاريخ دمشق (٦٥/ ٢٢٦). وقد رُوِيَ هذا الحديث مرفوعًا عند أبي بكر الشافعي في الغيلانيات رقم (٦٣٧)، وابن عساكر في تاريخه (٦٥/ ٢٢٠). ولا يثبت، فيه محمد بن يونس الكديمي، وهو متَّهم بالكذب. انظر: =
[ ١ / ١٣٧ ]
وفي "المسند" من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ: "ألَا أدلُّكَ على بابِ من أبواب الجنَّة؟ قلتُ: بلى، قال: "لَا حولَ ولا قوَّة إلَّا باللَّهِ" (^١) .
وقد جعل اللَّهُ سبحانه لكلِّ مطلوب مفتاحًا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة: الطهور، كما قال -ﷺ-: "مفتاح الصلاةِ: الطُّهور (^٢) " (^٣)،
_________________
(١) = تهذيب الكمال (٢٧/ ٦٦). قال ابن حجر: "الكُديمي ضعيف، والمحفوظ عن الأعمش موقوفًا"، الإصابة (٦/ ٣٤٣).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٣٥٧)، وعبد بن حميد في مسنده المنتخب رقم (١٢٨) وغيرهم. من طريق أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي عن معاذ فذكره. وأبو رزين لم يسمع من معاذ، فقد كان شعبة ينكر أن يكون سمع من ابن مسعود شيئًا، وابن مسعود توفي سنة ٣٢ هـ، ومعاذ توفي سنة ١٨ هـ. وأيضًا الحديث من رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، وقد قيلَ سمع حماد من عطاء قبل اختلاطه وبعده. انظر: تهذيب الكمال (٢٧/ ٤٧٩)، والكواكب النيرات ص (٣٢٤ - ٣٣٥).
(٣) قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" سقط من "ب".
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣)، وأبو داود رقم (٦١)، وابن ماجة رقم (٢٧٥)، وأحمد (١/ ١٢٩) وغيرهم. من طريق عبد اللَّهِ بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي فذكره مرفوعًا. والحديث فيه ابن عقيل وفيه لين، والحديث عدَّه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٢٩) من منكراته. قال الترمذي: "هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسن". والحديث جاء عن غير واحدٍ من الصحابة ولا يثبت عنهم، والثابت عن =
[ ١ / ١٣٨ ]
ومفتاح الحج: الإحرام، ومفتاح البِرِّ: الصدق، ومفتاح الجنَّة: التوحيد، ومفتاح (^١) العلم: حسن السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر: الصبر، ومفتاح المزيد: الشكر، ومفتاح الولاية والمحبة: الذكر (^٢)، ومفتاح الفلاح: التقوى، ومفتاح التوفيق: الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة: الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة: الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان: التفكر فيما دعا اللَّه عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الدخول على اللَّهِ: إسلام القلب وسلامته له والإخلاص له في الحُبِّ والبغض والفعل والتَّرك، ومفتاح حياة القلب: تدبر القرآن، والتضرع بالأسحارِ، وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة: الإحسان في عبادة الخالق، والسَّعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق: السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العِزِّ: طاعة اللَّهِ ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة: قِصَرُ الأملِ، ومفتاح كلِّ خيرٍ: الرغبة في اللَّهِ والدار الآخرة، ومفتاح كلِّ شرٍّ: حُب الدنيا، وطول الأمل.
وهذا بابٌ عظيم من أنفع أبواب العلمِ، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوَفَّق لمعرفته ومراعاته إلَّا من عَظُمَ حظه وتوفيقه، فإنَّ اللَّهَ ﷾ جعل لكلِّ خير وشرٍّ مفتاحًا وبابًا يُدْخَل منه إليه، كما
_________________
(١) = ابن مسعود موقوفًا. انظر: الصيام من شرح العمدة لابن تيمية (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٥).
(٢) من قوله: "الطهور" إلى "التوحيد ومفتاح" سقط من "ج".
(٣) في "د": "المحبَّة للذكر" وقوَّمها الناسخ إلى "والمحبة".
[ ١ / ١٣٩ ]
جعل الشرك والكبر والإعراض عمَّا بعث اللَّهُ به رسوله، والغفلة عن ذكره والقيام بحقه = مفتاحًا للنَّار، وكما جعل الخمر: مفتاح كلِّ إثمٍ، وجعل الغناء: مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصُّوَرِ: مفتاح الطلَب والعِشْق، وجعل الكسل والراحة: مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي: مفتاح الكفر، وجعل الكذب: مفتاح النِّفاق، وجعل الشح والحرص: مفتاح البخل وقطيعة الرحم، وأخذ المال من غير حِلِّهِ، وجعل الإعراض عمَّا جاء به الرسول -ﷺ-: مفتاح كل بدعة وضلالة.
وهذه الأمور لا يصدِّق بها إلَّا من له بصيرة صحيحة، وعقلٌ يعرف به ما في نفسه، وما في الوجود من الخير والشرِّ، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح، وما جُعِلَت مفاتيح له، واللَّهُ من وراء توفيقه وعدله، له الملك وله الحمدُ، وله النعمة والفضل (^١)، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ" "وله الفضل".
[ ١ / ١٤٠ ]