قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [٧٣/ أ] وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٣]، وقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨]، وهو جمع فَنَنٍ (^١): وهو الغصن، وقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨].
والمخضود: الَّذي خُضِد شوكه: أي نُزِعَ وقُطِعَ، فلا شوك فيه.
وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبي الأحوص، وقسامة بن زهير، وجماعة (^٢).
واحتجَّ هؤلاء بحجتين:
إحداهما: أنَّ الخضد في اللغة: القطعُ، وكلُّ رطب قضبته فقد خضدته، وخضدت الشجر: إذا (^٣) قطعت شوكه، فهو خضيد ومخضود، ومنه الخَضَدُ على مثال الثَّمَر، وهو كل ما قطع من عودٍ رطبٍ، خَضَد بمعنى مَخْضود كقَبَض وسَلَب، والخضاد: شجر رخو لا شوكَ له.
_________________
(١) في "ب": "فن" وهو خطأ.
(٢) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢١٨) رقم (٣١٢٥) والطبري (٢٧/ ١٧٩ - ١٨٠)، والزهد لهناد بن السَّري رقم (١٠٩، ١١٠).
(٣) من المطبوعة.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الحُجَّة الثانية: قال ابن أبي داود: حدثنا موسى بن مصفَّى (^١)، حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثني ثور بن يزيد حدثني حبيب بن عُبَيد عن عُتْبة بن عبدٍ السلمي ﵁ قال: كنتُ جالسًا مع رسول اللَّه، فجاء أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، أسمعك تذكر في الجنَّة شجرة (^٢) لا أعلمُ شجرة أكثرَ شوكًا منها -يعني الطلح- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ يجعل مكان كلَّ شوكةٍ منها ثمرةً مثل خَصْوةِ التَّيْسِ الملبود، فيها سبعون لونًا من الطعامِ، لا يُشْبِهُ لونٌ آخَرَ" (^٣) . "الملبود": الَّذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض.
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا صفوان بن عمرو عن سُلَيم بن عامر قال: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: إنَّ اللَّهَ لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يومًا، فقال: يا رسول اللَّه، ذكر اللَّه في الجنَّة شجرةً مؤذيةً، وما كنتُ أرى في الجنَّة شجرةً تُوذي صاحبها، قال رسول اللَّه -ﷺ-: وما هي؟ قال: السِّدْرُ، فإنَّ له شوكًا مؤذيًا، قال: أليس اللَّه يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ [الواقعة: ٢٨]؟! خَضَدَ اللَّهُ شوكه
_________________
(١) في "أ": "معلَّى" وهو خطأ.
(٢) من "هـ"، ونسخة على حاشية "أ".
(٣) أخرجه ابن أبي داود في البعث رقم (٦٩). - ورواهُ أبو مسهر وابن المبارك كلاهما عن يحيى بن حمزة به نحوه. أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٠) رقم (٣١٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٣٤٧)، وفي الحلية (٦/ ١٠٣). والحديث صحيح الإسناد، وقد تقدم من طريق آخر عن عتبة بن عبدٍ السلمي (ص/ ٢٧٣).
[ ١ / ٣٤٣ ]
فجعل مكان كلِّ شوكةٍ ثمرةً" (^١) .
وقالت طائفة: المخضود هو: المُوْقَر حَمْلًا (^٢) .
وأُنْكِرَ عليهم هذا القول، وقالوا: لا يُعْرَفُ في اللغة الخضد بمعنى الحمل. ولم يُصِبْ هؤلاءِ الَّذين أنكروا هذا القول، بل هو قولٌ صحيح، وأربابه ذهبوا إلى أنَّ اللَّهَ ﷾ لمَّا خضد شوكه وأذهبه، وجعل مكان كلِّ شوكةٍ ثمرة أوقره بالحمل، والحديثان المذكوران يجمعان القولين (^٣) .
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نُعَيم- رقم (٢٦٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (١٠٩). - ورواهُ بشر بن بكر ومحمد بن حرب كلاهما عن صفوان بن عمرو عن سُليم بن عامر عن أبي أُمامة الباهلي قال كان أصحاب رسول اللَّهِ -ﷺ- فذكر نحوه. أخرجه ابن أبي الدنيا رقم (١١٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٨) رقم (٣٧٧٨)، والبيهقي في البعث رقم (٣٠٢). قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". قلتُ: والطريق المرسل أصح، فإنْ طريق محمد بن حرب من رواية الواقدي وهو متروك، وطريق بشر بن بكر التَّنَّيْسي من رواية الربيع بن سليمان المرادي وهو صدوق، وابن المبارك أثبت وأحفظ من بشر بن بكر، واللَّهُ أعلم.
(٢) قال به الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة. انظر: تفسير الطبري (٢٧/ ١٨٠).
(٣) وممَّن قال بالقولين جميعًا: ابن عباس، وعكرمة، وقتادة. انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢١٨) (٣١٢٥) والطبري (٢٧/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وكذلك قول من قال: المخضود الَّذي لا يَعْقِر اليد، ولا يرد اليد منه شوك ولا أذى فيه، فسَّره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا من أفراده تارة، ومثالًا من أمثلته فيحكيها الجمَّاعون للغثِّ والسَّمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها.