قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
ذكر ابن (^١) جرير: عن هشام بن حسان، عن جَبَلة بن عَطِيَّة (^٢)، عن ابن مُحَيْرِيْز قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. قال: "هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عَدْوُ الفرسِ الجواد المُضَمَّر سبعين عامًا" (^٣).
وقال ابن المبارك: أنبأنا سلمة بن نُبَيْط عن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] قال: "بعضهم أفضلُ من بعض، فيرى الَّذي قد فضل به فضله (^٤)، ولا يرى الَّذي هو أسفل منه،
_________________
(١) من "هـ"، وسقط من باقي النسخ.
(٢) في الطبري "سُحيم" بدل "عطية"، وهو خطأ.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٣٢). وسنده صحيح، إن كان شيخ الطبري ثقة، وابن محيريز هو عبد اللَّه بن محيريز بن جنادة القرشي ثمَّ الشامي، تابعي ثقة جليل من العباد، يُشبَّه بابن عمر في عبادته. انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ١٠٦ - ١١١).
(٤) في الزهد لابن المبارك "فضيلته".
[ ١ / ١٥٢ ]
أنَّه فُضِّلَ عليه أحدٌ من النَّاس" (^١).
وتأمَّل قوله: كيف أوقع التَّفْضيل أوَّلًا بدرجة، ثمَّ أوقعه ثانيًا بدرجات، فقيل: الأوَّل بين القاعد والمعذور والمجاهد، والثاني بين القاعد بلا عذر والمجاهد،
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث مالك عن صَفْوان بن سُلَيم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أهل الجنَّة لَيتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدُّرِّي الغابرَ من الأُفق: من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد -زوائد نعيم- رقم (٢٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ رقم ٨٧٩٩). وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٠٨٣)، ومسلم رقم (٢٨٣١).
[ ١ / ١٥٣ ]
غيرهم؟ قال: "بلى، والَّذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا باللَّهِ وصدَّقوا المرسلين".
ولفظ البخاري "في الأفق": وهو أبْيَن (^١) .
والغابر: هو الذَّاهب الماضي الَّذي قد تدلَّى للغروب. وفي التمثيل به دون الكوكب المسامت للرَّأس، وهو أعلى = فائدتان:
أحدهما: بُعْدُهُ عن العيون.
والثانية: أنَّ الجنَّة درجات بعضها أعلى من بعض، وإنْ لم تُسامت العليا السُّفلى، كالبساتين المُمْتدة من رأس الجبل إلى ذيله، واللَّهُ أعلم.
وفي "الصحيحين" (^٢) أيضًا من حديث سهل بن سعد -﵁- أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون الغرفة في الجنَّة، كما تراءون الكوكب في أفقِ السماء".
وقال الإمام أحمد: حدثنا قراد (^٣)، أخبرني فُلَيح عن هلال يعني ابن علي، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون في الجنة كما تراءون -أو ترون (^٤) -
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ": "بَيَّن".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦١٨٨)، ومسلم رقم (٢٨٣٠).
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي المسند، وأطرافه لابن حجر (٧/ ٤١٧) "فزارة" هو: ابن عمرو، وهو الصواب.
(٤) قوله: "أو ترون" ليس في "ب، د".
[ ١ / ١٥٤ ]
الكوكب الدريِّ الغاربَ في الأفق الطالع في تفاضل الدَّرجات"، قالوا يا رسول اللَّه أولئك النَّبيُّون؟ قال: "بلى، والَّذي نفسي بيده وأقوامٌ آمنوا باللَّهِ وصدَّقُوا المرسلين" (^١) .
ورجال هذا الإسناد احتجَّ بهم البخاري في "صحيحه".
وفي هذا الحديث: "الغارب"، وفي حديث أبي سعيد: "الغابر". وقوله: "الطالع" صِفَة للكوكب، وصَفَهُ بكونه غاربًا، وبكونه طالعًا.
وقد صُرِّحَ بهذا (^٢) المعنى في الحديث الَّذي رواهُ ابن المبارك: عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي -ﷺ-: "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون في الغرف كما يُرى
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٣٥، ٣٣٩)، وابن خزيمة في "التوحيد": (٢/ ٩٠٧) رقم (٦٢٠)، والترمذي (٢٥٥٦)، وابن منده في الإيمان (٤٠٦). من طرق عن فليح عن هلال به، وقد خولف هلال: خالفه صفوان بن سُليم: فرواه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد. أخرجه البخاري ومسلم كما تقدم قريبًا ص (١٥٣). قال محمد بن يحيى الذهلي: "لا أبعد أنْ يكون عطاء بن يسار قد سمعه من أبي سعيد وأبي هريرة ﵄". وقال الذهلي أيضًا: "حديث مالك عن صفوان بن سليم صحيح، ولا يدفع حديث هلال، ولعلَّ عطاء بن يسار حفظه عنهما". انظر: علل الدَّارقطني (١١/ ١٠١). قلت: فليح في حفظه كلام، فأخشى من وهمه هنا. فقد رواه النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد بمثل لفظ سهل بن سعد وزاد "كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق الشرقي والغربي". أخرجه البخاري برقم (٦١٨٨) ومسلم برقم (٢٨٣١).
(٢) في "ب": "خرِّج هذا" وفي "د": "خرج بهذا" بدلًا من "صُرِّح بهذا".
[ ١ / ١٥٥ ]
الكوكب الشرقي، والكوكب الغربي في الأفق في تفاضل الدرجاتِ، قالوا: يا رسول اللَّه أولئك النَّبيون؟ قال: بلى (^١)، والَّذي نفسي بيده وأقوامٌ آمنوا باللَّه وصدَّقوا المرسلين" (^٢) .
وهذا على شرط البخاري أيضًا.
وفي "المسند" من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ المتحابين لتُرى غرفُهم في الجنَّة كالكوكب الطالع الشرقيِّ أو الغربيِّ، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابُّون في اللَّهِ ﷿" (^٣) .
وفي "المسند" من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا عن النَّبي -ﷺ- قال: "إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ، ولو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم (^٤) " (^٥) .
_________________
(١) في الزهد لابن المبارك "لا بل".
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد - زوائد نعيم، برقم (٤١٨)، والترمذي برقم (٢٥٥٦)، وابن أبي الدنيا في التوكل على اللَّهِ رقم (٤١) وغيرهم. قال الترمذي: "حسن صحيح".
(٣) أخرجه أحمد في "المسند": (٣/ ٧٨). وفيه انقطاع أبو حازم واسمه سلمة بن دينار لم يسمع من أحد من الصحابة سوى سهل بن سعد الساعدي ﵁. انظر: جامع التحصيل ص (١٨٧) رقم (٢٥٥).
(٤) وقع في "أ": "اجتمعوا فيهنَّ في إحداهنَّ وسعتهن"، وكتب الناسخ على "فيهنَّ": "كذا".
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩)، والترمذي برقم (٢٥٣١)، وأبو يعلى في =
[ ١ / ١٥٦ ]
وفي "المسند" عنه أيضًا عن النَّبي -ﷺ- قال: "يُقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنَّة: اقرأ واصعدْ، فيقرأ ويصعد بكلِّ آيةٍ درجة، حتَّى يقرأ آخر شيءٍ معهُ" (^١) .
وهذا صريحٌ في أنَّ درج الجنَّة تزيد على مائة درجة (^٢) .
وأمَّا حديث أبي هريرة -﵁- الَّذي رواه البخاري في صحيحه (^٣) عن النَّبي -ﷺ- قال: "إنَّ في الجنَّة مائة درجةٍ أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله بين كلَّ درجتين كما بين السماء والأرضِ، فإذا سألتم اللَّهَ فاسألوه الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنَّة".
فإمَّا أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدَرَج، وإمَّا أنْ تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج (^٤) دونها.
_________________
(١) = مسنده (٢/ ٥٣٠) رقم (١٣٩٨). من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وقد تقدَّم الكلام عن مثل هذا الإسناد في ص (١١٧). والحديث ضعفه الترمذي بقوله: "هذا حديث غريب".
(٢) تقدم ص (١٣٥).
(٣) ليس في "أ، ب، د". وجاء في نسخة على حاشية "أ" ما يلي: "وقد تقدم أنَّ آيات القرآن ستة آلاف ومائتا آية وستة عشر آية، فعلى هذا درجات الجنَّة كذلك".
(٤) تقدم ص (١٣٤).
(٥) ليس في "ب".
[ ١ / ١٥٧ ]
ويدل على المعنى الأوَّل حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل -﵁- قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من صلَّى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًّا على اللَّهِ أن يغفر له هاجر أو قعدَ حيثُ ولدته أُمُّهُ"، قلتُ: يا رسول اللَّه ألا أخرجُ فأُوذن النَّاس؟ قال: "لا، ذرِ النَّاسَ يعملون، فإنَّ في الجنَّة مائة درجة بين كلِّ درجتين منها مثل ما بين السماء والأرضِ، وأعلى درجةٍ منها الفردوس، وعليها يكون العرشُ، وهي أوسط شيءٍ في الجنَّة، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم اللَّهَ فسلوه الفردوس" (^١) .
رواه الترمذي هكذا بلفظة "في" (^٢) .
وروى أيضًا: من حديث عطاء عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "في الجنَّة مائة درجة" (^٣) ثمَّ ذكر نحو حديث معاذ.
وفيه أيضًا: من حديث عطاء عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "في الجنَّة مائة درجةٍ (^٤) ما بين كلَّ درجتين مائة عامٍ" (^٥) . قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".
_________________
(١) تقدم ص (١٣٢ - ١٣٣)، وهو منقطع.
(٢) سقط من "ب، د" قوله "في".
(٣) تقدم ص (١٣٢ - ١٣٣).
(٤) من قوله: "ثمَّ ذكر نحو" إلى "درجة" سقط من "ب، ج".
(٥) أخرجه الترمذي برقم (٢٥٢٩)، وأحمد (٣/ ٢٩). من طريق شريك القاضي عن محمد بن جحادة عن عطاء عن أبي هريرة فذكره. وخالفه مالك بن مغول، فرواه عن محمد بن جُحادة عن عطاء بن أبي =
[ ١ / ١٥٨ ]
وفيه أيضًا: من حديث أبي سعيد يرفعه: "إنَّ في الجنَّة مائة درجة لو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم" (^١) .
ورواه أحمدُ بدون لفظة: "في" كما تقدَّم. وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة: "في" وبدونها، فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها، وإنْ كان المحفوظ سقوطها، فهي الدَّرَج الكبار المتضمنة للدَّرج الصِّغار، واللَّه أعلم.
ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس مائة لاختلاف السَّير في السرعة والبُطْءِ، والنَّبي -ﷺ- ذكر هذا تقريبًا للأفهام، ويدل عليه حديث زيد بن حُباب (^٢): حدثنا عبد الرحمن بن شُرَيح، حدَّثني أبو هانئ التُّجِيبي، سمعتُ أبا علي الجَنْبي (^٣) سمعت أبا سعيد الخدري -﵁- يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعد ممَّا بين السماء والأرض" قلتُ: يا رسول اللَّه لمن؟ قال: "للمجاهدين في سبيل اللَّهِ" (^٤) .
_________________
(١) = رباح قوله. قال الدَّارقطني في العلل (١١/ ١٠٣): "وهو أصحُّ".
(٢) تقدم ص (١٥٧ - ١٥٨).
(٣) في "ب": "حبان"، وفي "ج": "حيان"، وفي "هـ": "خباب" وكلها خطأ.
(٤) في "ب، د، هـ": "التجيبي" وهو خطأ، انظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٠٩).
(٥) أخرجه عبد بن حميد في مسنده "المنتخب" رقم (٩٢٠)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" رقم (١٩٢). وسنده حسن.
[ ١ / ١٥٩ ]