وقد تكرَّر في القرآن في عدَّة مواضع قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وفي موضع: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة: ١٠٠]، وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩].
وهذا يدلُّ على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقة.
الثاني: أنَّها جارية لا واقفة.
الثالث: أنَّها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار الدنيا.
وقد ظنَّ بعض المفسرين أنَّ معنى ذلك جريانها بأمرهم، وتصريفهم لها كيف شاؤوا، وكأنَّ الَّذي حملهم على ذلك أنَّه لمَّا سمعوا أنَّ أنهارها تجري في غير أخدودٍ، فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ على أنَّها تجري بأمرهم، إذْ لا يكون فوق المكان تحته.
وهؤلاء أُتُوا من ضعف الفَهم، فإنَّ أنهار الجنَّة وإنْ جَرَتْ في غير أخدود؛ فهي تحت القصور والمنازل والغرف، وتحت الأشجار، وهو ﷾ لم يقل: من تحتِ أرضها، وقد أخبر سبحانه عن
[ ١ / ٣٧٤ ]
جريان الأنهار تحت النَّاس في الدنيا، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦]، فهذا على المعهود المتعارف، وكذلك ما حكاهُ من قولِ فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].
وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦].
قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن (^١) سعيد قال: "نضَّاختان بالماءِ والفواكه" (^٢) .
وحدثنا ابن يَمَان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس ﵁ قال: "نضَّاختان: بالمسكِ والعنبر، تنضخان على دُوْرِ أهل الجنَّة، كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا" (^٣) .
_________________
(١) في "ب": "ابن" وهو خطأ.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٦٥) رقم (٣٤٠٤٤) وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٧١)، والطبري في تفسيره (٢٧/ ١٥٦). وخولف أشعث: فرواهُ يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد قال: "نضَّاختان بألوان الفاكهة". أخرجه الطبري (٢٧/ ١٥٦)، وابن صاعد في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (١٥٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٧). وهذا اللفظ أصح، ولعلَّ يحيى بن اليمان لم يضبطه. وعليه فالأثر سنده حسن.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٧٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره، =
[ ١ / ٣٧٥ ]
وحدثنا عبد اللَّه بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "اللتان تجريان أفضل من النَّضَّاختين" (^١) .
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كلِّ واحدٍ منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أنْ يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأنْ يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذَّة شربها، وآفة العسلِ عدم تصفيته.
وهذا من آيات الرب تعالى أنْ يُجري أنهارًا من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويُجْرِيْها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللَّذة بها، كما نفى عن خمر الجنَّة جميع آفات خمر الدنيا، من الصداع والغَوْلِ والَّلغوِ والإنزافِ وعدم الَّلذة.
_________________
(١) = كما في الدر المنثور (٦/ ٢٠٩). وسنده ضعيف جدًّا، فيه أبان بن أبي عياش البصري: متروك الحديث. التقريب رقم (١٤٢).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٧٣)، وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفسيريهما كما في الدر المنثور (٦/ ٢٠٩). وسنده صحيح. وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٦/ ٢٠٩) بلفظ: "ما النضاختان بأفضل من الَّلتين تجريان".
[ ١ / ٣٧٦ ]
فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل، وتكثر الَّلغو على شربها؛ بل لا يطيب لشرابها ذلك إلَّا بالَّلغو، وتنزف في نفسها، وتنزف المال، وتصدِّع الرَّأس، وهي كريهة المذاق. وهي رجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاءِ بين النَّاسِ، وتصُد عن ذكر اللَّهِ وعن الصلاة، وتدعو إلى الزِّنا، وربما دعتْ إلى الوقوع على البنت والأُخت وذوات المحارم، وتُذْهِب الغَيْرة، وتورث الخِزْي والنَّدامة والفضيحة، وتُلْحِق شاربها بأنقص نوع الإنسان: وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماءِ والسماتِ، وتكسوهُ أقبح الأسماء والصفاتِ، وتسهِّل قتل النَّفس، وإفشاء السرِّ الَّذي في إفشائه مضرَّته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المالِ، الَّذي جعله اللَّهُ قيامًا له، ولمن (^١) تلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدلُّ على العورات، وتهوِّن ارتكاب القبائح والمآثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومُدْمِنها كعابدِ وثنٍ، وكم أهاجت من حرْبٍ، وأفقرتْ من غنيٍّ، وأذلَّتْ من عزيز، ووضعتْ من شريفِ، وسلبتْ من نعمة، وجلبتْ من نقمة، ونسختْ مودَّة، ونسجتْ عداوة، وكم فرَّقتْ بين رجلٍ وحِبِّهِ فذهبت بقلبه، وراحت بلُبِّهِ، وكم أورثتْ من حسرةٍ وأجرتْ من عَبْرة، وكم أغلقتْ في وجه شَاربها بابًا من الخير، وفتحت له بابًا من الشرِّ، وكم أوقعت في بليَّه، وعجَّلت من منية، وكم أورثت من خزية، وجرَّت على صاحبها (^٢) من محنة، وجرأت عليه من سَفَلةٍ، فهي جماع
_________________
(١) في "ب، ج، د": "ولم".
(٢) في "ب، ج، د، هـ" ونسخة على حاشية "أ": "شاربها".
[ ١ / ٣٧٧ ]
الإثم، ومفتاح الشرِّ، وسلَّابة النِّعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من قبائحها (^١) إلَّا أنَّها لا تجتمع هي وخمرة الجنَّة في جوف عبدٍ، كما ثبت عنه (^٢) -ﷺ- أنَّه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (^٣) .
وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وكلها منتفية عن خمر الجنَّة.
فإنْ قيل: فقد وصفَ سبحانه الأنهارَ بأنَّها جارية، ومعلوم أنَّ الماء الجاري لا يأسن، فما فائدة قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]؟
قيل: الماء الجاري وإنْ كان لا يأسَن، فإنَّه إذا أُخِذَ منه شيء وطال مكثه أسن، وماء الجنَّة لا يَعْرض له ذلك، ولو طال مكثه ما طال.
وتأمَّل اجتماع هذه الأنهار الأربعة، التي هي أفضل أشربة النَّاس، فهذا لريِّهم وطهورهم، وهذا لقوَّتهم وغذائهم، وهذا للذَّتهم وسرورهم، وهذا لشفائهم ومنفعتهم.
_________________
(١) في "أ، ب، ج، د، هـ": "فضائلها" وهو خطأ، والمثبت قاله ناسخ "هـ"، ووقع في المطبوع "رذائلها".
(٢) في "هـ"، ونسخة على حاشية "أ" "عنه ذلك".
(٣) أخرجه البخاري برقم (٥٢٥٣)، ومسلم رقم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم مختصرًا وعند البخاري "حرمها" بدل "لم يشربها". تنبيه: وقع في المطبوعة بعد الحديث زيادة: "لكفى".
[ ١ / ٣٧٨ ]