قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]
قال مجاهد: "يَهْتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنَّهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا" (^١).
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لهُمْ أَعْرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم" (^٢).
وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا، إذا انصرفتم من يوم الجمعة" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٤٤) وسنده حسن.
(٢) أخرجه عبد الملك بن حبيب السلمي في وصف الفردوس رقم (٢٤١) ص (٨٨ - ٨٩). من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًّا. وأخرجه أيضًا برقم (١٣١) من طريق مجاهد لكن وقع في السند تحريف أو سقط لم أتبينه.
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ١٤٦) رقم (٢٨٩). وفيه أحمد بن أبان الأصبهاني روى عنه راويان، وترجم له أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٩٨)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا. فالإسناد لا بأس به.
[ ١ / ٣٠٣ ]
هذا قول جمهور المفسرين. وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٦] أي: بيَّنها لهم، حتى عرفوها من غير استدلال (^١) .
وقال مُقَاتل بن حيَّان: "بلغنا أنَّ الملك الموكل بحفظ عمل بني آدم يمشي في الجنَّة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرفه كل شيءٍ أعطاهُ اللَّهُ في الجنَّة، فإذا دخلَ إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه" (^٢) .
وقال سلمة بن كُهَيْل: "طَرَّقها لهم" (^٣) .
ومعنى هذا: أنَّه طرقها لهم حتَّى يهتدوا إليها.
وقال الحسن: "وصف اللَّه الجنَّة في الدنيا لهم، فإذا دخلوها عرفوها بصفتها" (^٤) .
وعلى هذا القول، فالتعريف وقع في الدنيا، ويكون المعنى: يدخلهم الجنَّة التي عرَّفها لهم، وعلى القول الأوَّل: يكون التعريف
_________________
(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢١٤) وفيه (بَيَّنها، وعرَّفهم منازلهم)، زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ٣٩٨)، وتفسير القرطبي (١٦/ ٢٣١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدرر (٦/ ٢٣). وقال القرطبي في تفسيره (١٦/ ٢٣١): "وحديث أبي سعيد الخدري يردُّه". قلتُ: حديث أبي سعيد سيورده ابن القيم قريبًا وهو نصٌّ في ذلك.
(٣) أخرجه الحربي في "غريب الحديث" (١/ ١٨٩): بلفظ: "يُعَرَّفون طُرُقها". وسنده حسن.
(٤) ذكره الماوردي في تفسيره (٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥) بنحوه.
[ ١ / ٣٠٤ ]
واقعًا في الآخرة، هذا كلُّه إذا قيل: إنَّه من التعريف.
وفيها قولٌ آخر: إنَّها من العَرْفِ، وهو الرَّائحة الطيبة، وهذا اختيار الزجاج، أي: طيَّبها، ومنه طعام مُعرَّف أي مطيَّب (^١) .
وقيل: هو من العُرف، وهو التَّتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذَّها. والقول هو الأوَّل، وأنَّه سبحانه أعلمها وبيَّنها بما يعلم به كل أحد منزله وداره، فلا يتعدَّاهُ إلى غيره.
وفي "صحيح البخاري" (^٢) من حديث قتادة عن أبي المتوكل النَّاجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ نبي اللَّه -ﷺ- قال: إذا خلص المؤمنون من النَّارِ حُبِسوا بقنطرةٍ بين الجنَّة والنَّار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذَّبوا ونقُّوا أُذِنَ لهم بدخول الجنَّة، والَّذي نفسي بيده إنَّ أحدهم بمنزله في الجنَّة أدلُّ منه بمسكنه كان في الدنيا".
وفي "مسند إسحاق" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "والَّذي بعثني بالحقِّ، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنَّة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنَّة" (^٣) .
_________________
(١) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ٣٩٨)، وتفسير السمرقندي "بحر العلوم" (٣/ ٢٤١).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٣٠٨) وعنده ". . فوالَّذي نفس محمد -ﷺ- بيده لأحدهم بمسكنه في الجنَّة أدلَّ بمنزله كان في الدنيا".
(٣) هو قطعة من حديث الصور الطويل، وقد تقدم في الباب (٣١) ص (٢٦١).
[ ١ / ٣٠٥ ]