في "الصحيحين" (^٢) من حديث همَّام بن مُنَبِّه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أوَّل زُمرة تَلجُ الجنَّة صُوَرُهم على صورة القمرِ ليلة البَدْرِ، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهبُ والفضة، ومجامرهم الأُلُوَّة (^٣)، ورشحهم المسك، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبُهم على قلب واحد (^٤)، يسبحون اللَّهَ بُكْرَةً وعَشيًّا".
وفي "الصحيحين" (^٥) أيضًا من حديث أبي زُرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أوَّل زُمرةٍ يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلةَ البدرِ، والَّذين يلونهم على ضوءِ أشدِّ كوكبٍ دُريٍّ في السماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوَّطون، ولا يتفُلون ولا يَمْتخِطون، أمشاطهم الذهبُ ورشحهم المسكُ، ومجامرهم الأُلُوَّةُ، وأزواجهم الحورُ العينُ، أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم
_________________
(١) في "ب، د": "في".
(٢) البخاري رقم (٣٠٧٣)، ومسلم رقم (٢٨٣٤) - (١٧).
(٣) الأُلُوَّة: هو العود الَّذي يتبخر به، وتُفْتح همزته وتُضَم، انظر: النهاية (١/ ٦٣).
(٤) عند البخاري "قلوبهم قلبُ رجلٍ واحدٍ" وعند مسلم "قلوبهم قلبٌ واحد".
(٥) البخاري رقم (٣١٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٣٤) - (١٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
ستون ذراعًا في السَّماءِ".
وروى شُعْبة وقيس عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه (^١) -ﷺ-: "أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة يومَ القيامة الحمَّادون الَّذين يحمدون اللَّهَ في السَّرَّاء والضَّراء" (^٢) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدسْتوائي عن يحيى بن كثير عن عامر العُقَيلي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "عُرِضَ عليَّ أوَّل ثلاثةٍ من أُمَّتي يدخلون الجنَّة وأوَّل ثلاثةٍ يدخلون النَّار، فأمَّا أوَّل ثلاثة يدخلون الجنَّة: فالشهيدُ، وعبدٌ مملوكٌ لم (^٣) يشغله رِقّ الدنيا عن طاعة ربِّه،
_________________
(١) قوله "رسول اللَّه" من "ب، ج، د، هـ".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٩)، والبزار في مسنده (١١/ ٢٤٧) رقم (٥٠٢٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٨٢)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٤٩ - ٥٠) رقم (١٢٧٠) وغيرهم. من طرق عن شعبة وقيس بن الربيع والمسعودي كلهم عن حبيب عن سعيد عن ابن عباس فذكره. قلتُ: طريق شعبة لا يصح عنه فقد رواهُ عنه نصر بن حمَّاد وهو متَّهمٌ بالكذب، وقيس بن الربيع فيه ضعف خاصة بعدما كبر. والمسعودي كان قد اختلط. - ورواهُ مسعر عن حبيب عن سعيد قوله مقطوعًا. أخرجه ابن المبارك في الزهد رقم (٢٠٦) وهو الصحيح.
(٣) في نسخةٍ على حاشية "أ": "لا".
[ ١ / ٢٣٢ ]
وفقير مُتَعَفِّف ذو عِيَال، وأوَّل ثلاثة يدخلون النَّار: فأميرٌ مُسَلَّطٌ، وذو ثروةٍ من مالٍ لا يؤدِّي حقَّ اللَّه في ماله، وفقيرٌ فخور" (^١) .
وروى الإمام أحمد في "مسنده" والطبراني في "معجمه" واللفظ له من حديث أبي عُشَّانة المعافري أنَّه سمع عبد اللَّه بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "هل تدرون أوَّل من يدخل الجنَّة؟ قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلمُ، قال: فقراء المُهاجرين الَّذين تُتَّقى بهم المكاره، ويموتُ أحدهم وحاجته في صَدْرِهِ لا يستطيع لها قضاءً، تقول الملائكة: ربَّنا نحنُ ملائكتك وخزنتك وسُكَّان سماواتك لا تدخلهم، الجنَّة قبلنا، فيقول: عبادي لا يُشْركون بي شيئًا، تُتَّقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاءً، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كلِّ بابٍ، سلامٌ عليكم بما صبرتم (^٢) فنعمَ عُقبى الدَّارُ" (^٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٢٥)، والترمذي برقم (١٦٤١) مختصرًا، والطيالسي في مسنده رقم (٢٦٩٠)، وابن خزيمة برقم (٢٢٤٩) وابن حبان رقم (٤٣١٢)، والحاكم (١/ ٥٤٤ - ٥٤٥) رقم (١٤٢٩) وغيرهم. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان. قلتُ: في السند عامر العقيلي وأبوه فيهما جهالة. انظر: تهذيب الكمال (١٤/ ٧٠).
(٢) قوله: "بما صبرتم" سقط من "ب".
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٦٨)، والطبراني في المعجم الكبير "الجزء المفقود" رقم (١٥١) وعبد بن حميد في مسنده "المنتخب رقم ٣٥٢) وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٤٢١)، والحاكم (٢/ ٨١) رقم (٢٣٩٣) =
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولمَّا ذكر اللَّهُ تعالى أصناف بني آدم سَعيدهم وشقيهم، قسم سُعَداءهم إلى قسمين: سابقين وأصحاب يمين فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠].
واختلف في تقديرها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه من باب التَّوكيد الَّلفظي، ويكون خبره قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١١].
والثاني: أنْ يكون السَّابقون الأوَّل مبتدأ، والثاني خَبَرًا له على حدِّ قولك: زيد زيد، أي زيد الَّذي سمعت به هو زيد كما قال:
أنا أبو النَّجم وَشِعْري شِعْري (^١)
وكقول الآخر:
إذا النَّاسُ ناسٌ والنَّهارُ نهارُ (^٢)
_________________
(١) = وغيره. من طريق عبد اللَّه بن وهب وابن لهيعة ومعروف بن سويد كلهم عن أبي عشانة به فذكره. ولفظُ ابن وهب: "إنَّ أوَّل ثلَّةٌ تدخل الجنَّة الفقراء المهاجرون الَّذي تُتَّقى بهم المكاره، إذا أُمروا سمعوا وأطاعوا وإنْ كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له حتى يموت وهي في صدره. . . ". وقال الحاكم عن حديث ابن وهب: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
(٢) البيت لأبي النجم العجلي، انظر: الكامل للمبرد (١/ ٦٢)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٤١٨).
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي مغني اللبيب ص (٨٦٣) رقم (١١١٧) "والزمان =
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال ابن عطية: وهذا قول سيبويه (^١) .
والثالث: أنْ يكون السَّبقُ الأوَّل غيرَ الثاني، ويكون المعنى: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنَّات، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان (^٢) .
وهذا أظهر، واللَّهُ أعلم.
فإنْ قيل: فما تقولون في الحديث الَّذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصحَّحه من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول اللَّه -ﷺ- فدعا بلالًا، فقال: "يا بلالُ، بمَ سبقتني إلى الجنَّة، فما دخلتُ الجنَّة قط إلَّا سمعت خَشْخَشَتَكَ أمَامي. دخلتُ البارحة فسمعتُ خَشْخَشَتَكَ أَمامي، فأتيت على قصر مُرَبَّع مشرفٍ من ذهب، فقلتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ عربيٍّ، قلتُ: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلتُ: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أُمَّة محمدٍ، قلت: أنا محمد، لمن هذا القَصْر؟ قالوا: لعمرَ بن الخطاب" فقال بلال: يا رسول اللَّهِ ما أَذَّنتُ قط إلَّا صليتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ قطُّ إلَّا توضأتُ عندها، ورأيتُ أنَّ للَّهِ عليَّ ركعتين (^٣)، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: بهما" (^٤) .
_________________
(١) = زمان" بدل "النهار نهار".
(٢) انظر: المحرر الوجيز (١٥/ ٣٥٩).
(٣) في نسخةٍ على حاشية "أ" "الجنات".
(٤) من قوله: "وما أصابني حدث" إلى "ركعتين" سقط "ج".
(٥) تقدم تخريجه ص (٤٤).
[ ١ / ٢٣٥ ]
قيل: نتلقَّاه بالقبول والتصديق، ولا يدل على أنَّ أحدًا يسبق رسول اللَّه -ﷺ- إلى الجنَّة، وأمَّا تقدُّم بلال بين يديه -ﷺ- في الجنَّة؛ فلأنَّ بلالًا كان يدعو إلى اللَّهِ أوَّلًا في الأذان فيتقدم أذانه بين يدي رسول اللَّه -ﷺ-، فيتقدَّم (^١) دخوله بين يديه كالحاجب والخادم.
وقد رُوِيَ في حديثٍ: "أنَّ النَّبي -ﷺ- يبعثُ يوم القيامة وبلالٌ بين يديه ينادي بالأذان" (^٢) .
فتقدَّمه بين يديه -ﷺ- كرامةً لرسول اللَّهِ -ﷺ- وإظهارًا لشرفه وفضله، لا سَبْقًا من بلالٍ له، بل هذا السَّبق من جنس سبقه إلى الوضوء، ودخول المسجد ونحوه، واللَّهُ تعالى أعلم.
_________________
(١) في نسخة على حاشية "أ" "فتقدُّم".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (٢٦٢٩) وفي الصغير رقم (١١٢٢)، والخطيب في تاريخه (٣/ ٣٥٧). قال ابن الجوزي: "موضوع. . ". وقال الذهبي: "إسناده مظلمٌ، ما أدري من وضعه. . . ". وورد عن بُريدة وعلي وأنس، وكلها أحاديث موضوعة. انظر: اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧). والسلسلة الضعيفة رقم (٧٧١ - ٧٧٥). وزوائد تاريخ بغداد (٢/ ٤٢٠ - ٤٢٣).
[ ١ / ٢٣٦ ]