هذا ممَّا اتفقت عليه الرسل من أوَّلهم إلى خاتمهم صلوات اللَّه وسلامه عليهم. وأمَّا طرق الجحيم: فأكثر من أن تُحْصى، ولهذا يُوَحِّد اللَّه سبحانه سبيله، ويجمع سبل النَّار كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا [٤٦/ ب] السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]. أي: ومن السُّبُل جائر (^٢) عن القصد وهي: سُبُل (^٣) الغي، وقال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١].
وقال ابن مسعود: خَطَّ لنا رسولُ اللَّهِ -ﷺ- خطًّا، وقال: "هذا سبيل اللَّهِ، ثمَّ خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، ثمَّ قال: هذه سُبُلٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه" ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣] (^٤).
_________________
(١) في "ب": "وأنها".
(٢) قوله: "أي: ومن السبل جائر" سقط من "ب، د"، ووقع في "ج": "السبيل" بدلًا من "السُّبل".
(٣) في "ب، د" "سبيل".
(٤) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٤٣٥)، والمروزي في "السنة" رقم (١١)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦) و(٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩) رقم (٣٢٤١) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود، فذكره. =
[ ١ / ١٤٧ ]
فإِنْ قيل: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] قيل: هي سُبُل تجتمع في سبيلٍ واحدٍ، وهي بمنزلة الجوادِّ (^١) والطرق في الطريق الأعظم، فهذه هي شعب الإيمان يجمعها الإيمان، وهي شعبة، كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها، وهذه السبل هي إجابة داعي اللَّهِ بتصديق خبره، وطاعة أمره، فطريق الجنَّة هي إجابة الدَّاعي إليها ليس إلَّا.
وروى البخاري في "صحيحه" (^٢) عن جابر -﵁- قال: "جاءت ملائكة إلى النَّبي -ﷺ-، فقال بعضهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضهم: إنَّ (^٣) العين نائمةٌ والقلبُ يقظان، فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا فقالوا: مثله مثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدُبةً وبعث داعيًا، فمن أجاب الدَّاعي دخل الدَّار وأكلَ من المأدبة، ومن لم يجب
_________________
(١) = ورواه الأعمشُ ومنصور بن المعتمر عن أبي وائل به (رفعه: الأَعمش، وأوقفه: منصور). انظر: مسند البزار (٥/ ١٦٧٧ و١٦٩٤). ورواه الربيع بن خثيم عن ابن مسعود بمعناه. أخرجه البخاري في "صحيحه" في (٨٤) الرقاق (٥/ ٢٣٥٩) رقم (٦٠٥٤) وغيره.
(٢) الجوادُّ: جمع جادَّه وهو معظم الطريق، الصحاح (١/ ٣٨٩).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٦٨٥٢) من طريق سليم بن حيَّان عن سعيد بن مِيْنَاء عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
(٤) من صحيح البخاري و"ب".
[ ١ / ١٤٨ ]
الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوَّلُوها له (^١) يفْقهْهَا فقال بعضهم: إنَّ العين نائمة والقلب يقظان، فالدَّارُ: الجنَّة، والدَّاعي: محمدٌ، فمن أطاع محمدًا -ﷺ- فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدًا فقد عصى اللَّه، ومحمد فَرْقٌ (^٢) بين النَّاس".
ورواه الترمذي عنه ولفظه: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا فقال: "إنِّي رأيت في المنام: كأنَّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمَع سمِعتْ أذنك، واعقِلْ عَقَلَ قلبُك، إنَّما مثلُكَ ومثلُ أمَّتك كمثل ملكٍ اتخذ دارًا، ثمَّ بنى فيها بيتًا، ثمَّ جعل مائدةً، ثمَّ بعث رسولًا يدعو النَّاس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فاللَّهُ هو الملكُ، والدَّارُ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد رسولٌ، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنَّة، ومن دخل الجنَّة (^٣) أكل ما فيها" (^٤) .
_________________
(١) من صحيح البخاري.
(٢) وفي رواية أبي ذرٍّ الهروي "فرَّق" قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٥٦): "وكلاهما متَّجه".
(٣) قوله: "من دخل الجنَّة" ليس في "ب".
(٤) أخرجه الترمذي برقم (٢٨٦٠). من طريق سعيد بن أبي هلال عن جابر فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال، لم يدرك جابر ابن عبد اللَّه، وقد روي هذا الحديث عن النَّبي -ﷺ- من غير هذا الوجه، بإسناد أصح من هذا".
[ ١ / ١٤٩ ]
وصحَّح الترمذي من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: "صلَّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- العشاء ثمَّ انصرف، فأخذ بيدي حتى خرج بي إلى بطحاء مكة، فأجلسني ثمَّ خطَّ عليَّ خطًّا، ثمَّ قال: لا تبرحنَّ خطَّكَ، فإنَّه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم؛ فإنَّهم لا يكلمونك، ثمَّ مضى رسول اللَّه -ﷺ- حيث أراد، فبينا أنا جالسٌ في خطِّي، إذ أتاني رِجالٌ كأنَّهم الزُّطُّ (^١)، أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورةً، ولا أرى قِشْرًا، وينتهون إليَّ لا يجاوزون الخطَّ، ثمَّ يصدرون إلى رسول اللَّه -ﷺ- حتَّى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول اللَّه -ﷺ- قد جاءني وأنا جالسٌ فقال: "لقد أُراني (^٢) منذُ الليلة"، ثمَّ دخل عليَّ في خَطِّي فتوسَّدَ فخذي فرقد، وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعدٌ، ورسول اللَّه -ﷺ- متوسدٌ فخذي إذا أنا برجالٍ عليهم ثيابٌ بيضٌ، اللَّه أعلمُ ما بهم من الجمال، فانتهوا إليَّ فجلس طائفةٌ منهم عند رأس رسول اللَّه -ﷺ-، وطائفة منهم عند رجليه، ثمَّ قالوا: ما رأينا عبدًا قطُّ (^٣) أوتي مثل ما أوتي هذا النَّبي، إنَّ عينيه تنامان وقلبُهُ يقظان، اضربوا له مثلًا، مثلَ سيدٍ بنى قصرًا ثمَّ جعل مأدُبةً فدعا النَّاس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكلَ من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه، ثمَّ ارتفعوا واستيقظ رسول اللَّه -ﷺ- عند ذلك
_________________
(١) الزُّطّ: جيل من النَّاس. الواحد: زُطِّي، مثل: الزنج وزنجي، والرُّوم ورومي. الصحاح (١/ ٨٨٢).
(٢) في "ب": "رأى"، وفي باقي النسخ "رآني"، والمثبت من سنن الترمذي، ومعنى: "أُراني": أي لم أنم.
(٣) من الترمذي.
[ ١ / ١٥٠ ]
فقال: سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هم؟ قلت: اللَّهُ ورسولهُ أعلم، قال: هم الملائكة، فتدري ما المثل الَّذي ضربوه؟ قلت: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال (^١): الرحمن بنى الجنَّة، ودعا إليها عبادَهُ فمن أجابه دخل الجنَّة، ومن لم يجبه (^٢) عذَّبه" (^٣) .
_________________
(١) في الترمذي بعد "قال": "المثل الَّذي ضربوه".
(٢) في الترمذي بعد "يجبه" "عاقبه أو".
(٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٨٦١) وقال: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، والبخاري في تاريخ الكبير (٢/ ٢٠٠) من طريق جعفر بن ميمون عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود فذكره بطوله. وجعفر هذا ضعفه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ابن عدي: "أرجو أنَّه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء". انظر: الكامل: (٢/ ١٣٨ - ١٣٩). وقد خولف جعفر هذا، خالفه سليمان بن طرخان. فرواه عن أبي تميمة عن عمرو البكالي عن ابن مسعود فذكره مطولًا "والبكالي: مجهول". أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٩)، والبخاري في الأوسط (١/ ٢٣٤)، والكبير (٢/ ٢٠٠). قال البخاري: "ولا يُعْرف لعمرو سماعًا من ابن مسعود". وله طرق أُخرى عن ابن مسعود، أعلَّها كلها البخاري في الكبير والأوسط، وأعلها أيضًا أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وبَيَّنُوا أنَّ الثابت عن ابن مسعود أنَّه له لم يكن مع النَّبي -ﷺ- ليلة الجن، انظر: صحيح مسلم رقم (٤٥٠). بل قال أبو حاتم وأبو زرعة: "ولا يصح في هذا الباب شيء". انظر علل ابن أبي حاتم (١/ ٤٥).
[ ١ / ١٥١ ]