وفي "الصحيحين" (^١) من حديث همَّام بن مُنَبِّهٍ، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نحنُ السَّابقون الأوَّلون يوم القيامة، بَيْدَ أنَّهم أوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم".
أي: لم يسبقونا إلَّا بهذا القدر، فمعنى: "بَيْدَ" معنى سِوَى وغير وإلَّا أنَّ، ونحوها.
وفي "صحيح مسلم" (^٢) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نحنُ الآخرون الأوَّلون يومَ القيامة، ونحنُ أوَّل من يدخل الجنَّة، بيدَ أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا اللَّهُ لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه (^٣) ".
وفي "الصحيحين" (^٤) من حديث طاووس عن أبي هريرة -﵁- عن النَّبي -ﷺ- قال: "نحنُ الآخرون الأوَّلون يومَ القيامة، نحنُ أوَّلُ النَّاسِ دخولًا الجنَّة، بيدَ أنَّهم أوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٦٣٠)، ومسلم رقم (٨٥٥) - (٢١) وفيهما "الآخرون السابقون" بدل "السابقون الأولون".
(٢) رقم (٨٥٥) - (٢٠).
(٣) من "ب، ج، د، هـ"، وليست في مسلم ولا "أ".
(٤) البخاري رقم (٨٥٦)، ومسلم رقم (٨٤٩) واللفظ للبخاري وعنده "السابقون" بدل "الأوَّلون".
[ ١ / ٢٢٧ ]
بعدهم".
وروى الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد ابن عَقِيل، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ الجنَّة حُرِّمت على الأنبياء كلَّهم حتى أدخلها، وحُرِّمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" (^١) .
قال الدَّارقطني: "غريب عن الزهري، ولا أعلمُ رُوي عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الزهري غير هذا الحديث، ولا رواهُ إلَّا عمرو بن أبي سلمة [التِّنِّيسي عن صدقة السَّمين] (^٢) عن زهير".
فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرضِ وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنَّة، فالجنَّة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد -ﷺ- ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته.
_________________
(١) أخرجه الدَّارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب (١/ ١٠٣)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٢٧) رقم (٢١٦٧)، والطبراني في الأوسط رقم (٩٤٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٢٩). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلَّا عن ابن عقيل، ولا عن ابن عقيل إلَّا زهير، ولا عن زهير إلَّا صدقة، تفرَّد به عمرو". قال أبو زرعة الرَّازي: "ذا حديث منكر لا أدري كيف هو". والحديث جعله ابن عدي من منكرات عبد اللَّه بن محمد بن عقيل.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ واستدركته من أطراف الغرائب.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأمَّا (^١) أوَّل الأمة دخولًا: فقال أبو داود في "سننه" حدثنا هنَّاد بن السَّريِّ، عن عبد الرحمن بن محمد المُحاربي عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدَّالاني عن أبي خالد مولى آل جَعْدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنَّة الَّذي تدخلُ منه أمتي". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، وددتُ لئن (^٢) كنتُ معك حتى أنظر إليه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أما إنَّك يا أبا بكر أوَّل من يدخل الجنَّة من أمتي" (^٣) .
وقوله: "وددت لئن كنت معك (^٤) ". حرصًا منه على زيادة اليقين، وأن يصير الخبر عيانًا، كما قال إبراهيم الخليل ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وأمَّا الحديث الَّذي رواهُ ابن ماجه في "سننه": حدثنا إسماعيل بن عمر الطلحي، أنبأنا داود بن عطاء المديني، عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أُبيِّ بن كعب -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أوَّل من يصافحه الحق عمر وأوَّل من يسلِّم عليه، وأوَّل من يأخذ بيده فيدخله الجنَّة" (^٥) .
_________________
(١) في "ب، ج، د، هـ": "وأنا" وهو خطأ.
(٢) كذا في جميع النسخ، وكذلك ما بعدها، وجاء في سنن أبي داود "أني" بدل "لئن".
(٣) تقدم في الباب الحادي عشر ص (١٢٣).
(٤) من قوله: "حتى أنظر إليه" إلى "معك" سقط من "ج".
(٥) أخرجه ابن ماجه برقم (١٠٤) وابن أبي عاصم في السنة برقم (١٢٨٠)، =
[ ١ / ٢٢٩ ]
فهو حديثٌ منكر جدًّا، قال الإمام أحمد: "داود بن عطاء ليس بشيءٍ"، وقال البخاري: "منكر الحديث" (^١) .
_________________
(١) = والقطيعي في زوائد فضائل الصحابة برقم (٦٣٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٠) رقم (٤٤٨٩) وغيرهم. قال الذهبي: "موضوع في سنده كذَّاب". وقال أيضًا في الميزان (٣/ ٢٠): "هذا منكرٌ جدًّا". وقال ابن كثير: "هذا الحديث منكر جدًّا، وما أبعد أنْ يكون موضوعًا، والآفة فيه من داود بن عطاء هذا". انظر: جامع المسانيد (١/ ٧٢) رقم (٤٠).
(٢) انظر: أقوال أئمة الجرح والتعديل في داود هذا، في تهذيب الكمال (٨/ ٤١٩ - ٤٢٠).
[ ١ / ٢٣٠ ]