عن أبي هريرة ﵁ قال: "وُضِعتْ بين يدي رسول اللَّهِ -ﷺ- قَصْعةٌ من ثريد ولحم، فتناول الذراع -وكان أحبَّ الشاة إليه- فَنَهَسَ نَهْسة (^١) وقال: أنا سيِّدُ النَّاسِ يوم القيامة"، ثمَّ نهس أخرى، وقال: "أنا سيدُ النَّاس يوم القيامة"، فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: "ألا تقولون كيفَ؟ " قالوا: كيف يا رسول اللَّهِ؟ قال: "يقوم النَّاسُ لربِّ العالمين فيُسْمعهم الدَّاعي ويَنْفُذُهم البصرُ" فذكر حديث الشفاعة بطوله، وقال في آخره: "فأنطلقُ فآتي تحت (^٢) العرشِ، فأقع ساجدًا لربي، فيقيمني ربُّ العالمين مقامًا لم يقمه أحدًا قبلي، ولن يقيمه أحدًا بعدي، فأقول: يا ربِّ أمتي (^٣). فيقولُ: يا محمد أدخل من أمتك من لا حسابَ عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاءُ النَّاس فيما سوى ذلك من الأبواب، والَّذي نفسُ محمدٍ بيده إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة لَكَمَا بين مكة وهَجَر، أو هَجَر ومكة" (^٤).
وفي لفظٍ: "لَكَمَا بين مكة وهَجَر، أو كما بين مكة وبُصْرى".
_________________
(١) من "أ، ب" ومصدري التخريج، وفي باقي النسخ "نهش نهشة"، و"نهش أخرى".
(٢) من "ج، د" ونسخةٍ على حاشية "أ".
(٣) في صحيح مسلم "أُمَّتي أُمَّتي".
(٤) أخرجه البخاري رقم (٤٤٣٥)، ومسلم رقم (١٩٤) - (٣٢٨)، واللفظ له.
[ ١ / ١١٤ ]
متفق على صِحَّته (^١) .
وفي لفظٍ خارج الصحيح بإسناده: "إنَّ ما بين عِضَادتي (^٢) الباب لَكَما بين مكة وهجر" (^٣) .
وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان ﵁ فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ الدنيا قد آذنت بِصُرم، وولَّتْ حَذَّاء، ولم يبق منا إلَّا صبابة كصُبابة الإناء، يصطبُّها صاحبُها، وإنَّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، ولقد ذكر لنا: أنَّ مصراعين من مصاريع الجنَّة بينهما مسيرةُ أربعين سنة، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظٌ من الزحام" (^٤) .
فهذا موقوفٌ، والَّذي قبله مرفوع، فإنْ كان رسول اللَّهِ -ﷺ- هو الذَّاكر لهم ذلك، كان هذا سَعَةُ ما بين بابٍ من أبوابها، ولعلَّه الباب الأعظم، وإنْ كان الذاكر لهم ذلك غير رسول اللَّهِ -ﷺ- لم يُقدَّم على حديث أبي هريرة المتقدِّم. ولكن قد روى الإمامُ أحمد في "مسنده" من حديث حماد بن سلمة قال: سمعت الجُرَيري يحدث عن حكيم بن
_________________
(١) عند مسلم (١٩٤) - (٣٢٧)، وعند البخاري (٤٤٣٥) "كما بين مكَّة وحِمْيَر، أو: كما بين مكَّة وبُصْرى".
(٢) عِضَادتا الباب: هما خشبتان من جانبيه. انظر: الصحاح: (١/ ٤٣٢).
(٣) في صحيح مسلم برقم (١٩٤) - (٣٢٨) قريبٌ من هذا اللفظ. وفيه: ". . والَّذي نفس محمد بيده إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة إلى عضادتي الباب كما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة".
(٤) أخرجه مسلم برقم (٢٩٦٧).
[ ١ / ١١٥ ]
معاوية عن أبيه أنَّ رسول اللَّهِ -ﷺ- قال: "أنتم تُوَفَّون سبعين (^١) أُمَّة أنتم أخْيرُها (^٢) وأكرمها على اللَّه، وما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرةُ أربعين عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ وإنَّه (^٣) لكظيظ" (^٤) .
_________________
(١) من قوله "عن حكيم" إلى "سبعين" سقط من "ج".
(٢) في "هـ": "خيرها" وهي في بعض مصادر التخريج، وفي أكثر مصادر التخريج "آخرها"، ولهذا علَّق ناسخ (أ) عليها بقوله "كذا".
(٣) وقع في "أ" "وهو كظيظ"، وفي باقي النسخ "وله كظيظ".
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣) وعبد بن حميد رقم (٤١١) "المنتخب". وقد خولف حماد بن سلمة. فرواه خالد بن عبد اللَّهِ الطحان -"من رواية إسحاق بن شاهين ووهب بن بقية عنه-، وعلي بن عاصم كلاهما عن الجريري به لكنَّهما قالا "مسيرة سبع سنين". أخرجه ابن أبي داود في البعث رقم (٦٠) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (١٤٧٥) وابن حبان في صحيحه (١٦/ ٨٣٨٨)، والروياني في مسنده (٩٢٩)، والطبراني في "الكبير": (١٩/ ٤٢٤) رقم (١٠٣٢) وأبو الشيخ في العظمة رقم (٥٧٧) وغيرهم. وقد رواه وهيب عن خالد عن الجريري به بلفظ "مسيرة أربعين عامًا". أخرجه أبو نعيم في "الحلية": (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥). وهذا الحديثُ معدودٌ في غرائب سعيد الجريري، فقد قال أبو نعيم: "غريب عن الجريري، تفرَّد به عن حكيم". وقال علي بن عاصم: "فحدثتُ بهذين الحديثين -وسيأتي الحديث الآخر ص (٣٨٤).- بهز بن حكيم، فقال: لم أسمعهما" "الكامل": (٢/ ٦٧). وأيضًا فقد وقع اختلاف عن حمَّاد بن سلمة في ذكر هذه الجملة "وما بين مصراعين. . " وعدم ذكرها. وأيضًا فقد روى هذا الحديث مطوَّلًا أبو قزعة وبهز بن حكيم عن حكيم به، فذكرا فيه الجملة الأولى "أنتم توفون. . . " فقط، ولم يذكرا "وما بين مصراعين. . . ". فاللَّهُ أعلمُ بثبوته.
[ ١ / ١١٦ ]
وقد رواه ابن أبي داود: أنبأنا إسحاق بن شاهين، أنبأنا خالد، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه يرفعه: "ما بين كلِّ مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرةُ (^١) سبع سنين".
ورُوِّيْنَا في "مسند عبد بن حميد": "ثنا الحسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة، ثنا درَّاج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ ما بين مصراعين في الجنَّة لمسيرة أربعين سنة" (^٢) .
وحديث أبي هريرة أصح، وهذه النسخة ضعيفة، واللَّهُ أعلمُ.
وروى أبو الشيخ: ثنا جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يعقوب بن حُميد، ثنا معن، حدثنا خالد بن أبي بكر، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه ﵁ أنَّ النَّبي -ﷺ- قال: "البابُ الَّذي يدخل منه أهل الجنَّة
_________________
(١) ليس في "أ".
(٢) أخرجه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب رقم (٩٢٤)، وأحمد في المسند (٣/ ٢٩)، وأبو يعلى في مسنده برقم (١٢٧٥)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٧٧) وغيرهم. قال الإمام أحمد: "أحاديث درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف" "الكامل": (٣/ ١١٢). لكن قال ابن معين عن هذا الإسناد: "ما كان هكذا بهذا الإسناد فليس به بأس، درَّاج ثقة، وأبو الهيثم ثقة". لكن تعقَّبه فضلك الرَّازي -فقد ذُكر له قول يحيى بن معين في درَّاج أنَّه ثقة- فقال فضلك: "ما هو بثقة ولا كرامة". انظر: "الكامل" لابن عدي: (٣/ ١١٣).
[ ١ / ١١٧ ]
مسيرة الراكب المجود (^١) ثلاثًا، ثمَّ إنَّهم ليضْطَغِطُونَ (^٢) عليه، حتى تكاد مناكبهم تزول".
رواهُ أبو نعيم عنه (^٣) .
وهذا مطابق للحديث المتفق عليه: "إنَّ ما بين المِصْراعَين كما بين مكة وبُصْرَى" (^٤) . فإنَّ الراكب المجوِّد (^٥) غاية الإجادة على أسرع مجرى لا يَفْتر ليلًا ولا نهارًا، يقطع هذه المسافة في هذا القَدْر أو قريب منه.
وأمَّا حديث حكيم بن معاوية: فقد اضطرب رواته، فحمَّاد بن سلمة ذَكَر عن الجُرَيْري التَّقْدير بأربعين عامًا، وخالد ذكر عنه التقدير بسبع سنين، وحديث أبي سعيد المرفوع في التقدير بأربعين عامًا، من طريق (^٦): درَّاج عن أبي الهَيْثَم. قال الإمام أحمد: "أحاديث درَّاج: مناكير" (^٧)، وقال أبو حاتم الرَّازي: "ضعيف" (^٨)، وقال النسائي:
_________________
(١) في "ب، د، هـ" "المُجِدّ".
(٢) في مصدر التخريج: "ليضغطون".
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة: (١٧٩)، والترمذي رقم (٢٥٤٨)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٢٥٩) وغيرهم. قال الترمذي: "هذا حديث غريب" سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد اللَّهِ". وقال البغوي: "ضعيف منكر"، "مصابيح السنَّة": (٢/ ١٦٠).
(٤) تقدم في أول هذا الباب ص (١١٥).
(٥) علَّق ناسخ "أ" على هذه الكلمة بقوله "كذا".
(٦) في جميع النسخ "على طريقة" والصواب ما أثبتُّ.
(٧) في الجرح والتعديل: "درَّاج حديثه منكر". "الجرح": (٣/ ٤٤٢).
(٨) في الجرح والتعديل (٣/ ٤٤٢): "دراج في حديثه صنعة، قال أبو محمد: وكان =
[ ١ / ١١٨ ]
"ليس بالقوي" (^١) .
فالصحيح المرفوع السَّالم عن الاضطراب والشُّذوذ والعلَّة حديث أبي هريرة المتفق على صحته، على أنَّ حديث حكيم بن معاوية ليس التقدير فيه بظاهر الرَّفع، ويحتمل أنَّه مدرج في الحديث موقوف، فيكون كحديث عُتبة بن غَزْوان، واللَّهُ أعلمُ.
_________________
(١) = درَّاجًا قاصًّا. . ".
(٢) انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٨/ ٤٧٧ - ٤٨٠).
[ ١ / ١١٩ ]