قال تعالى حكايةً عن أولي الألباب من عباده قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤].
والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنةِ رُسُلِكَ من دخول الجنَّة.
وقالت طائفة: معناه، وآتنا ما وعدتنا (^١) على الإيمان برسلك. وليس يسهل حذف الاسم والحرف معًا، إلَّا أنْ يُقدَّر على تصديق رسلك وطاعة رسلك، وحينئذٍ فيتكافأ التقديران، ويترجَّح الأوَّل بأنَّه قد تقدَّم (^٢) قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمُرْسِل، ثمَّ توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسُنِ (^٣) رسله، فإنهم إنَّما سمعوا وعده لهم (^٤) بذلك من الرسل، وذلك أيضًا يتضمن التصديق بهم، وأنَّهم بلَّغوهم وَعْدَهُ فصدَّقوا به، وسألوه أن
_________________
(١) من قوله: "وعدتنا على ألسنة" إلى قوله "ما وعدتنا" سقط من "ج".
(٢) في "ب": "بأنَّهم تقدم" بدلا من "بأنَّه قد تقدم".
(٣) في "هـ": "ألسنة".
(٤) ليس في "ب".
[ ١ / ١٧٩ ]
يؤتيهم إيَّاهُ، وهذا هو الَّذي ذكره السلف والخلف في الآية.
وقيل: المعنى وآتنا ما وعدتنا من النَّصر والظَّفَر على ألسنة الرسل.
والأوَّل أعمُّ وأكمل.
وتأمَّل: كيف تضمَّن إيمانهم به الإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وصِدق وَعْدِه، والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره، فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صحَّ لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه.
وقد أشكلَ على بعض النَّاس سؤالهم أن ينجز لهم وعده، مع أنَّه فاعل لذلك ولا بُدَّ.
وأجاب: بأنَّ هذا تعبُّدٌ مَحْضٌ، كقوله: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقول الملائكة: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، وخفيَ على هؤلاء أنَّ الوعد معلَّقٌ بشروطٍ منها:
- الرغبة إليه سبحانه وسؤاله أنْ ينجزه لهم.
- كما أنَّه مُعَلَّقٌ بالإيمان وموافاتهم به.
- وأنْ لا يلحقه ما يحبطه.
فإذا سألوه سبحانه أنْ ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده، وكان هذا
[ ١ / ١٨٠ ]
الدعاءُ من أهمِّ الأدعية وأنفعها، وهم أحوجُ إليه من كثير من الأدعية.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، فهذا سؤال له سبحانه أن ينصرهم على أعدائهم، فيحكم لهم عليهم بالنَّصر والغلبة.
وكذلك سؤال الملائكة ربهم أنْ يغفر للتَّائبين، هو من الأسباب التي توجب بها لهم المغفرة، فهو سبحانه نَصَبَ الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه (^١) وأعدائه، وجعلها أسبابًا لإرادته، كما جعلها أسبابًا لوقوع مراده، فمنه السَّبَبُ والمُسَبَّبُ.
وإنْ أشكل عليك ذلك، فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه، فهو يحب ويرضى، ويغضب ويسخط عن (^٢) الأسباب التي خلقها وشاءها، فالكل منه وبه، فهو مبتدئٌ من مشيئته، وعائدٌ إلى حكمته وحمده (^٣) .
وهذا بابٌ عظيمٌ من أبواب التوحيد لا يَلِجُهُ إلَّا العالمون باللَّهِ.
ونظيرُ هذه الآية في سؤاله ما وعد به (^٤) قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]،
_________________
(١) في "ج": "وأوليائه" وهو خطأ.
(٢) في "أ، ج، هـ، د": "غير"، ولعلَّ المثبتَ هو الصواب.
(٣) في المطبوعة "وحده".
(٤) في "ب، ج، د، هـ": "به في".
[ ١ / ١٨١ ]
يسألهُ إيَّاهُ عباده المؤمنون، ويسأله إيَّاهُ ملائكته لهم، فالجنَّةُ تسأل ربها أهلها، وأهلها يسألونه إيَّاها، والملائكة تسألها لهم، والرسل يسألونه إيَّاها لهم (^١) ولأتباعهم، ويوم القيامة يُقِيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سُئِلَ = ما هو من لوازم أسمائه وصفاته (^٢)، واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها، فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها، فالربُّ تعالى جوادٌ له الجُوْد كله، يحب أنْ يُسْأَل ويُطْلَبُ منه ويُرْغبُ إليه، فَخَلَقَ مَنْ يسأله وألْهَمه سؤاله، وخلق له ما يسأله إيَّاهُ، فهو خالق السائل وسؤاله ومَسْؤوله، وذلك لمحبته لسؤال (^٣) عباده له، ورغبتهم إليه، وطلبهم منه، وهو يغضبُ إذا لم يُسْأل (^٤) .
وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالًا، وهو يُحب المُلِحِّين (^٥) في الدعاء، وكلَّما ألحَّ العبد عليه في السؤال أحبَّهُ وأعطاهُ.
وفي الحديث: "مَنْ لم يسأل اللَّه يغضب عليه" (^٦) .
_________________
(١) قوله "والرسل يسألونه إيَّاها لهم" من "ب، ج، د، هـ".
(٢) في "أ": "وصفاتها".
(٣) في "ب": "سؤال".
(٤) جاء في نسخة على حاشية "د" ما نصه: لا تسألنَّ بنيَّ آدم حاجةً وَسَل الَّذِي أبوابه لا تُحْجَبُ اللَّهُ يغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤاله وبني آدم حين يُسْأَلُ يغضبُ وانظر: "المستطرف" للأبشيهي (٢/ ٣٠١).
(٥) في نسخة على حاشية "أ، هـ": "الملحِّين له".
(٦) أخرجه الترمذي برقم (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧)، والبخاري في الأدب =
[ ١ / ١٨٢ ]
فلا إله إلَّا اللَّهُ، أيُّ جنايةٍ جَنَتْ القواعد الفاسدة على الإيمان، وحالتْ بين القلوب وبين معرفة ربَّها وأسمائه، وصفات كماله ونعوت جلاله و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
قال أبو نعيم الفضل: حدثنا يونس -هو ابن أبي إسحاق- حدثنا بُرَيد ابن أبي مريم قال: قال أنس بن مالك: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما من مسلمٍ يسألُ اللَّهَ الجنَّة ثلاثًا إلَّا قالت الجنَّةُ: الَّلهم أدخلهُ الجنَّة، ومن استجارَ باللَّهِ من النَّار ثلاثًا قالت النَّارُ: اللهم أجِرْهُ من النَّار" (^١) .
_________________
(١) = المفرد رقم (٦٥٨)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٤٢ و٤٧٧) وغيرهم. من طريق أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة فذكره. وهو حديثٌ منكرٌ تفرد به أبو صالح الخوزي وهو متكلمٌ فيه، وعدَّه ابن عدي من مفاريده. راجع "جلاء الأفهام" ص (٤١٩).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٦٢، ١٤١، ١٥٥) وابن أبي شيبة رقم (٢٩٧٩٩)، وابن حبان في صحيحه (٣/ رقم ١٠١٤)، والطبراني في الدعاء رقم (١٣١٢)، والبيهقي في الدعوات الكبير رقم (٢٦٩) وغيرهم. كلهم من طريق يونس عن بُريد به فذكره. - ورواه أبو الأحوص وإسرائيل كلهم عن أبي إسحاق السَّبيعي عن بُريد عن أنس فذكره. أخرجه الترمذي (٢٥٦٧) وابن ماجه (٤٣٤٠) والنسائي (٥٥٢١)، وأحمد (٣/ ١١٧)، والطبراني في الدعاء (١٣١٠، ١٣١١)، وابن حبان (٣/ رقم ١٠٣٤)، والحاكم (١/ ٧١٧) رقم (١٩٦٠) وغيرهم. قال الترمذي: "وقد روي عن أبي إسحاق عن بُريد عن أنس بن مالك قوله". =
[ ١ / ١٨٣ ]
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن بُرَيد به (^١) .
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن ليث عن يونس بن خَبَّاب عن أبي حازم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما سأل اللَّه عبدٌ الجنَّة في يومٍ سبع مرَّات إلَّا قالت الجنَّة: يا ربِّ إنَّ عبدكَ فلانًا سألني فأدخلنيه" (^٢) .
_________________
(١) = والحديث صححه ابن حبان والحاكم والضياء في المختاره (٤/ رقم ١٥٥٧).
(٢) في جميع النسخ "يزيد" وهو خطأ، وسقط "به" من "أ، ج".
(٣) هذا الحديث والَّلذان بعده يرويها أبو علقمة واختلف عليه: - فرواه شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبي علقمة، "قال شعبة ولم يرفعه يعلى إلى أبي هريرة" يعني: مقطوعًا، ويحتمل أنه أراد موقوفًا. أخرجه الطيالسي في مسنده (٤/ رقم ٢٧٠٢). - ورواه يونس بن خبَّاب -رافضي ضعيف- واضطرب فيه. - فرواه جرير بن عبد الحميد وليث بن أبي سليم عن يونس عن أبي حازم عن أبي هريرة فذكره، كما ساقه المؤلف. أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده رقم (٢١٣)، وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (٦٨)، والبيهقي في الدعوات رقم (٢٧٠). وهذا خطأٌ، أخطأ فيه يونس بن خباب فقال: عن أبي حازم، وهذا من اضطرابه، والصحيح عن أبي علقمة. هكذا رواه شعبة ومنصور بن المعتمر وشعيب بن صفوان وغيرهم كلهم عن يونس عن أبي علقمة عن أبي هريرة فذكره. رواه بعضهم موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا. أخرجه الطيالسي في مسنده رقم (٢٧٠٢)، وابن عدي في الكامل =
[ ١ / ١٨٤ ]
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا جرير عن يونس عن أبي حازم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما استجارَ عبدٌ من النَّار سَبْعَ مرَّاتٍ إلَّا قالت النَّارُ: يا رب إنَّ عبدك فلانًا استجار منِّي فأجِرْهُ، ولا يسأل عبدٌ الجنَّة سبع مرَّاتٍ إلَّا قالت الجنَّة: يا ربَّ إنَّ عبدَك فلانًا سألني فأدخله الجنَّة". وإسناده على شرط الصحيحين.
وقال أبو داود في "مسنده": حدثنا شعبة: حدثني يونس بن خباب: سمع أبا علقمة عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قال: أسألُ اللَّهَ الجنَّة سبعًا، قالتِ الجنَّة: الَّلهم أدخله الجنَّة".
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا المُقَدَّمي عمر بن علي، عن يحيى ابن عبيد اللَّه عن أبيه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أكثروا مسألةَ اللَّهِ الجنَّة واستعيذوا به من النَّارِ؛ فإنَّهما شافعتانِ
_________________
(١) = (٧/ ١٧٤) وغيرهما. وهذا هو الصحيح عن يونس. راجع تفصيل ذلك علل الدارقطني (١١/ ١٨٩ - ١٩٠). والصحيح في حديث أبي هريرة أنَّه موقوفٌ عليه أو مقطوع من قول أبي علقمة على الاختلاف في المراد بعبارة شعبة. وذهب البوصيري إلى أنَّه موقوف أو مقطوع، فقال: "وإسناد الطيالسي الأوَّل: على شرط مسلم، والثاني فيه يونس بن خباب قال فيه البخاري: منكر الحديث، واتفقوا على ضعفه". إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٥٠٦).
[ ١ / ١٨٥ ]
مشفعتان (^١)، وإنَّ العبدَ إذا أكثر من مسألةِ اللَّهِ الجنَّة (^٢)، قالت الجنَّة: يا ربَّ عبدُك هذا الَّذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا ربِّ عبدُكَ هذا الَّذي استعاذ بك منِّي فأعذْهُ" (^٣) .
وقد كان جماعةٌ من السلفِ لا يسألون اللَّهَ الجنَّة ويقولون: حسبنا أن يُجِيرنا من النَّار.
- فمنهم أبو الصَّهباء صِلَة بن أَشْيَم (^٤): صلَّى ليلةً إلى السَّحَرِ، ثمَّ رفعَ يديه وقال: "الَّلهمَّ أجرني من النَّار: أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أنْ يسألك الجنَّة؟ " (^٥) .
_________________
(١) ليست في "ب، د".
(٢) من قوله: "واستعيذوا به من النار" إلى "اللَّه الجنَّة" سقط من "ج".
(٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٧٠)، والديلمي في مسند الفردوس رقم (٢١٣) مختصرًا. وسنده ضعيف، فيه يحيى بن عبيد اللَّه -لعلَّهُ- ابن موهب القرشي المدني فيه ضعف، وله عن أبيه عن أبي هريرة مناكير. قال الحاكم: "روى عن أبيه عن أبي هريرة بنسخة أكثرها مناكير". قلتُ: ولعلَّ هذا منها. وفيه أيضًا عمر بن علي المقدمي: ثقة؛ لكنَّه يدلس تدليس السكوت، ولم يُبَيَّن هنا السَّماع. انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٤٤٩ - ٤٥٣).
(٤) هو البصري العابد الزاهد، زوج معاذة العدوية، قُتِلَ هو وابنه في إحدى المعارك سنة (١٦٢ هـ)، انظر: السير (٣/ ٤٩٧ - ٥٠٠).
(٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢٤٠)، وفيه قصة. وسنده لا بأس به.
[ ١ / ١٨٦ ]
- ومنهم عطاء السُّليمي (^١): كان لا يسأل الجنَّة، فقال له صالح المُرِّي: إنَّ أبانَ حدثني عن أنس أنَّ النَّبي -ﷺ- قال: "يقولُ اللَّهُ ﷿: انظروا في ديوانِ عبدي، فمن رأيتموه سألني الجنَّة أعطيتُهُ، ومن استعاذني من النَّارِ أعذته" (^٢) . فقال عطاء: كفاني أنْ يُجيرني من النَّارِ. ذكرهما أبو نعيم.
وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث جابر في قصة معاذ وتطويله بهم، أنَّ النَّبي -ﷺ- قال لفتى -يعني الَّذي شكاه- "كيفَ تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟ قال: أقرأُ بفاتحة الكتاب وأسألُ اللَّهَ الجنَّة وأعوذُ به من النَّار، وإنِّي لا أدري ما دندنتُكَ ودندنة (^٣) معاذ؟ فقال النَّبي -ﷺ-: إنِّي ومعاذًا حولها ندندن" (^٤) .
_________________
(١) في "ب، د" ونسخةِ على حاشية "أ": "السلمي" وهو خطأ. وعطاء السليمي هو البصري العابد، أدرك أنس بن مالك، وتوفي بعد سنة ١٤٠ هـ، انظر: السير (٦/ ٨٦ - ٨٨).
(٢) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء": (٦/ ١٧٥ - ١٧٦ و٢٢٦)، وفي صفة الجنَّة رقم (٧١). وسنده ضعيف جدًّا، فيه أبان بن أبي عياش وهو متروك الحديث، وفيه صالح بن بشير المُرِّي ضعيف الحفظ. انظر: التقريب رقم (١٤٢، ٢٨٤٥).
(٣) الدَّنْدنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يُفْهَمُ، وهو أرفع من الهيْمَنَة قليلًا. انظر: النهاية (٢/ ١٣٧).
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٧٩٣)، وابن خزيمة (١٦٣٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ١١٦ - ١١٧) وغيرهم. والحديث صححه ابن خزيمة. =
[ ١ / ١٨٧ ]
وفي "سنن أبي داود" من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يُسْألُ بوجهِ اللَّهِ إلَّا الجنَّة" (^١) .
رواهُ أحمد بن عمرو العُصْفُرِي حدثنا يعقوب بن إسحاق حدثنا سليمان بن معاذ عن محمد فذكره.
وقد تقدَّم في أوَّل الكتاب (^٢) حديث الليث عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن أبي بشير يرفع الحديث: "ما من يومٍ إلَّا والجنَّة والنَّار تسألانِ، تقول الجنَّة: يا ربِّ قد طابت ثماري، واطَّردت أنهاري،
_________________
(١) = وللحديث شاهد عن بعض أصحاب النَّبي -ﷺ- أخرجه أبو داود (٧٩٢)، وأحمد (٣/ ٤٧٣) بمثله. وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٦٧١) وابن مندة في الرد على الجهمية رقم (٨٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات برقم (٦٦١) وغيرهم. من طريق سليمان بن قرم عن محمد بن المنكدر عن جابر فذكره. وهذا الحديث تفرَّد به سليمان بن معاذ وهو ابن قرم، وهو ليَّن الحديث، وجعل ابن عدي هذا الحديث من منكراته. وقال: "وهذا الحديث لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلَّا من رواية سليمان بن قرم. . . ". وقال أبو حفص بن شاهين: ". . هو حديث غريب". انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٢١)، والمقاصد الحسنة للسخاوي رقم (١٣٢٣).
(٣) ص (٤٢ - ٤٣).
[ ١ / ١٨٨ ]
واشتقت إلى أوليائي، فعجِّل إليَّ بأهلي" الحديث.
فالجنَّة تطلب أهلها بالذَّات، وتجذبهم إليها جذبًا، والنَّار كذلك، وقد أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- أنْ لا نزال نذكرهما ولا ننساهما.
كما روى أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا أيوب بن شبيب الصنعاني (^١) قال: كان فيما عرضنا على رباح بن زيد حدثني عبد اللَّه بن بَحِيْر (^٢) سمعت عبد الرحمن بن يزيد (^٣) يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تنسُوا العظيمتين" قلنا: وما العظيمتان يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "الجنَّة والنَّار" (^٤) .
وذكر أبو بكر الشافعي من حديث كُلَيب بن حَزْن قال: سمعت رسول اللَّهِ -ﷺ- يقول: "اطلبُوا الجنَّة جُهدكم، واهربوا من النَّار جهدكم، فإنَّ الجنَّة لا ينامُ طالبُها، وإنَّ النَّارَ لا ينامُ هاربُها، وإنَّ الآخرة
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ": "الصاغاني".
(٢) في جميع النسخ "نُمير" وهو خطأ.
(٣) وقع في جميع النسخ "زيد" وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (١/ ٤١٧)، والدولابي في الكنى والأسماء (٢/ ١٦٤)، وأبو يعلى في مسنده كما في المطالب العالية رقم (٣٣١٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٦٦). وفيه أيوب بن شبيب روى عنه رجلان، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٢٥) وقال: "يخطئ". وعليه فالإسناد ضعيف.
[ ١ / ١٨٩ ]
اليوم محفوفةٌ بالمكاره وإنَّ الدنيا محفوفةٌ بالَّلذات تقرَّب المسافة والشهوات، فلا تلهينَّكم عن الآخرة" (^١) .
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٠) رقم (٤٤٩)، وفي الأوسط رقم (٣٦٤٣)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٣٠) وفي معرفة الصحابة (٥/ رقم ٥٨٧١) وغيرهما. قال الهيثمي: "وفيه يعلى الأشدق، وهو ضعيفٌ جدًّا". وقال الحافظ ابن حجر: "ويعلى متروك". انظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣١)، والإصابة (٥/ ٣١٣).
[ ١ / ١٩٠ ]