وأمَّا الطَّلحُ: فأكثر المفسرين قالوا: إنَّه شجر الموز.
قال مجاهد: "أعجبهم طلح وَجٍّ وحُسْنه، فقيل لهم: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ " (^١).
وهذا قول علي بن أبي طالب، وابن عبَّاس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵃ (^٢).
وقالت طائفة أخرى: "بل هو شجرٌ عظامٌ طوالٌ، وهو من شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب. قال حَاديهم:
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٨١ و١٨٢)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٣٠٤). وسنده صحيح.
(٢) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢١٨) رقم (٣١٢٦ و٣١٢٨)، والزهد لهناد بن السري رقم (١/ ١١١ و١١٢)، وصفة الجنَّة لابن أبي الدنيا رقم (٦٤)، وتفسير الطبري (٢٧/ ١٨١)، والبعث للبيهقي رقم (٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٨)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٩).
[ ١ / ٣٤٥ ]
بَشَّرَهَا دَلِيْلُهَا وقَالَا غدًا ترينَ الطَّلحَ والجِبَالا (^١)
ولهذا الشجر نورٌ ورائحة طيبة، وظلٌّ ظليل، وقد نضد بالحمل والثَّمر مكان الشوك.
قال ابن قتيبة: "هو الَّذي نُضِدَ بالحمل أو بالورق والحمل من أوَّله إلى آخره، فليس له ساق بارز" (^٢) .
وقال مسروق: "ورق الجنَّة نُضِدَ (^٣) من أسفلها إلى أعلاها، وأنهارها تجري في غير أخدود" (^٤) .
وقال الليث: "الطلح: شجر أم غيلان له شوك أحجن، من أعظم العضاة شوكًا، وأصلبه عودًا، وأجوده صَمْغًا".
قال أبو إسحاق: "يجوز أنْ يُعْنى به شجر أم غيلان؛ لأنَّ له نَوْرًا طيبَ الرائحة جدًّا، فَوُعِدُوا بما يحبون مثله، إلَّا أنَّ فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على سائر ما في الدنيا (^٥)، فإنَّه ليس
_________________
(١) انظر: مجاز القرآن (٢/ ٢٥٠)، ونقله عنه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٨١)، ونسبه القرطبي (١٧/ ٢٠٨) للجعدي.
(٢) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص (٤٤٨)، وفيه ". . . له سوق بارزة".
(٣) في "ج، هـ": "نضيد".
(٤) أخرجه هناد في الزهد رقم (٩٥ و١٠٣ و١٠٤)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٣ - ٥٤)، رقم (٣٣٩٤٨)، وابن صاعد في زوائده على الزهد لابن المبارك رقم (١٤٨٩ و١٤٩٠). وسنده صحيح.
(٥) من قوله: "قال الليث. . . " إلى "الدنيا" عند الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ٢٢٠٢). وعنه ابن منظور في لسان العرب (٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣) ط - دار صادر.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ما في الجنَّة ممَّا في الدنيا إلَّا الأسامي.
والظَّاهر أنَّ من فسَّر الطَّلح المنضود: بالموز، إنَّما أراد التمثيل به لحسن نضده، وإلَّا فالطلح في اللغة: هو الشَّجر العظام من شجر البوادي واللَّه أعلم (^١) .
وفي "الصحيحين" (^٢) من حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسير الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها فاقرؤوا إنْ شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] ".
وفي "الصحيحين" (^٣) أيضًا من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول اللَّهِ -ﷺ- قال: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها".
قال أبو حازم: فحدثْتُ به النعمان بن أبي عيَّاش الزُّرقي فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النَّبي -ﷺ- قال: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ الجوادُ المضمَّر السريعُ (^٤) مئة عامٍ لا يقطعها" (^٥) .
_________________
(١) لعلها لغة عند بعض أهل اليمن، قال ابن زيد في قوله "وطلحٍ منضود"، قال: "اللَّه أعلم، إلَّا أنَّ أهل اليمن يُسمُّون الموز: الطَّلح". أخرجه الطبري في تفسيره (٢٧/ ١٨٢) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٠٨٠، ٤٥٩٩)، ومسلم رقم (٢٨٢٦).
(٣) البخاري رقم (٦١٨٦)، ومسلم رقم (٢٨٢٧).
(٤) في البخاري زيادة "في ظلها" وهي ليست في جميع النسخ.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٦١٨٦)، ومسلم رقم (٢٨٢٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضَّحَّاك سمعتُ أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسير الرَّاكبُ في ظلِّها سبعين أو مئة سنة، هي شجرة الخلد" (^١) .
وقال وكيع: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن أبي هريرة ﵁: "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظلها مئة عام اقرؤوا إنْ شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] ". فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق، والَّذي أنزل التوراة على لسان موسى،
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٦٢)، والطبري في تفسيره (٢٧/ ١٨٣)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة (٢/ ٢٤٤) رقم (٤٠٣). ورواهُ غندر وحجاج والطيالسي وعبد الصمد وسعيد بن الربيع وغيرهم كلهم عن شعبة به نحوه. أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٥)، والطيالسي في مسنده رقم (٢٦٧٠)، وعبد بن حميد في مسنده "المنتخب" رقم (١٤٤٥) والدارمي رقم (٢٨٨١)، وابن أبي الدنيا رقم (٤٣ و٦٣) وغيرهم. والحديث مداره على أبي الضحاك، قال أبو حاتم: "لا أعلم روى عنه غير شعبة". وقال الذهبي: "لا يُعرف. . . ". والحديث فيه نكارة، وهو لفظة "شجرة الخلد": فإنَّ الحديث رواهُ عن أبي هريرة جماعة: كالمقبري والأعرج ومحمد بن زياد وعبد الرحمن بن أبي عمرة وغيرهم كلهم عن أبي هريرة، ليس فيه "شجرة الخلد". وكذلك رواه أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد، وليس فيه "شجرة الخلد". وهذا يدل على ضعف حديث أبي الضحاك هذا، واللَّهُ أعلم.
[ ١ / ٣٤٨ ]
والفرقان على لسان محمد -ﷺ- لو أنَّ رجلًا ركب جذعةً أو جذعًا، ثمَّ دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرمًا، إنَّ اللَّه غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه (^١)، وإنَّ أفنانها من وراء سور الجنَّة، ما في الجنَّة نهرٌ إلَّا وهو يخرج (^٢) من أصل تلك الشجرة" (^٣) .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا زمعة (^٤) بن صالح عن سلمة بن وَهْرَام عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "الظِّلُّ الممدود: شجرةٌ في الجنَّة على ساقٍ، قدر ما يسير الرَّاكب المُجِدُّ في ظلها مئة عام في كلَّ نواحيها، فيخرج إليها أهل الجنَّة: أهل الغرف وغيرهم فيَتَحدَّثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل اللَّه ريحًا من
_________________
(١) قوله "من روحه" لفظ ابن المبارك وعبدة كما سيأتي، وليست في النُّسَخ.
(٢) في "ب" ونسخةٍ على حاشية "أ" "يجري"، وهي ليست في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٤٤). ورواهُ ابن المبارك وجرير وعبدة وغيرهم، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد به نحوه. أخرجه ابن أبي الدنيا رقم (٤٤)، وابن المبارك في الزهد -رواية نُعيم- رقم (٢٦٧)، وهنَّاد في الزهد رقم (١١٤) وغيرهم. والحديث مداره عن زياد مولى بني مخزوم قال ابن معين: "لا شيء" الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٩). - ورواهُ ابن إسحاق عن زياد مولى بني مخزوم عن كعب أنَّه قال: "غرسها اللَّهُ بيده. . . من وراء سور الجنَّة". أخرجه عبد الملك بن حبيب في وصف الفردوس رقم (٩١).
(٤) في "د": "زعمة" وهو خطأ.
[ ١ / ٣٤٩ ]
الجنَّة فتحرِّك تلك الشجرة بكل لهوٍ كان في الدنيا" (^١) .
وفي "جامع الترمذي" من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "ما في الجنَّة شجرة إلَّا وساقها من ذهب" (^٢) .
قال: "هذا حديث حسن" (^٣) .
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٤٥). ورواه الكديمي والحسن بن أبي الربيع كلاهما عن أبي عامر العقدي به مثله. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما عند ابن كثير (٤/ ٣١٠)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٤٠٤). قال ابن كثير: "هذا أثرٌ غريب، وإسناده جيد قوي حسن". قلتُ: فيه زمعة بن صالح: ضعيف، انظر: تهذيب الكمال (٩/ ٣٨٦ - ٣٨٩). وأيضًا رواية زمعة عن سلمة منكرة، ولهذا قال ابن حبان -في سلمة بن وهرام- "يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة بن صالح عنه". انظر: تهذيب الكمال (١١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٢٥٢٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٤٨)، وابن أبي داود في البعث رقم (٦٥)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٤١٠) وغيرهم. من طريق زياد بن الحسن بن الفرات عن أبيه عن جدِّه عن أبي حازم عن أبي هريرة فذكره بمثله. والحديث مداره على زياد بن الحسن هذا، قال فيه أبو حاتم الرَّازي: "منكر الحديث"، وقال فيه الدارقطني: "لا بأس به، ولا يحتج به". انظر: تهذيب الكمال (٩/ ٤٥٣)، والجرح والتعديل (٣/ ٣٢٩ - ٥٣٠).
(٣) كذا في جميع النسخ، وفي تحفة الأشراف للمزي (١٠/ ٨٧) وقال: "حسن =
[ ١ / ٣٥٠ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "يقول اللَّهُ: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الجنَّة شجرة يسير الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها، واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]، وموضع سوط من الجنَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] " (^١) .
رواهُ بهذا اللفظ والسِّياق الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصَدْرُهُ
_________________
(١) = غريب".
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٣٢٩٢) مطوَّلًا، وبرقم (٣٠١٣) مختصرًا، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣١٧ - ٣١٨) رقم (١١٠٨٥)، وابن ماجه برقم (٤٣٣٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٣٨) مطوَّلًا، وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٤١٧)، والحاكم (٢/ ٣٢٧) رقم (٣١٧٠) مختصرًا على جملة "موضع السوط"، والبغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٠٩ - ٢١٠) رقم (٤٣٧٢) مطوَّلًا، وغيرهم. من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره مطوَّلًا، واختصره بعضهم. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وقال البغوي: "حديث صحيح". وأصل الجملتين الأولتين في الصحيحين وغيرهما، والجملة الثالثة عند أحمد (٢/ ٣١٥).
[ ١ / ٣٥١ ]
في الصحيحين (^١) .
وفي "صحيح البخاري" (^٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسير الرَّاكب في ظلِّها مئة عام لا يقطعها، وإنْ شئتم فاقرؤوا: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ [الواقعة: ٣٠ - ٣١].
وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنَّة مسيرة مئة سنة، ثيابُ أهل الجنَّة تخرج من أكمامها" (^٣) .
_________________
(١) البخاري رقم (٣٠٧٢)، ومسلم رقم (٢٧٢٤).
(٢) رقم (٣٠٧٩).
(٣) أخرجه ابن أبي داود في البعث رقم (٦٧)، والطبري في تفسيره (١٣/ ١٤٩)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٤١٣)، والآجري في الشريعة رقم (٦٢٤) وغيرهم. من طريق سليمان بن داود وابن سلم ويزيد بن خالد الرَّملي عن ابن وهب به نحوه. - ورواهُ حرملة عن ابن وهب به كما ذكره المؤلف. أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٢٣٠). - ورواهُ ابن لهيعة عن درَّاج أبي السمح به نحوه. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٧١) وغيره. والحديث مداره على رواية أبي السمح درَّاج عن أبي الهيثم، وقد تقدم الكلام عليها في الباب (١٠).
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقد رواه عنه حرْمَلَة بزيادة (^١)، فقال: أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو أنَّ درَّاجًا حدثه أنَّ أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّهِ، طوبَى لمن رآكَ وآمن بكَ؟ فقال: طُوبى لمن رآني وآمن بي، ثمَّ طوبى، ثمَّ طوبى، ثمَّ طوبى لمن آمن بي ولم يرني، فقال رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنَّة مسيرة مئة سنة، ثياب أهل الجنَّة تخرج من أكمامها".
قلتُ: وأوَّل هذا الحديث في "المسند" ولفظه: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطُوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرَّاتٍ" (^٢) .
_________________
(١) في نسخةٍ على حاشية "أ" "بن زيادة" وهو خطأ.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٤٨ و٢٥٧ و٢٦٤)، والبخاري في تاريخه (٢/ ٢٧)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٢٣٣)، والطبراني في الكبير (٧/ رقم ٨٠٠٩). عن عفان ويزيد بن هارون وعبد الصمد وموسى بن داود وعبيد اللَّه بن موسى وموسى بن إسماعيل وسهيل بن بكَّار كلهم عن همام بن يحيى العوذي عن قتادة عن أيمن بن مالك الأشعري عن أبي أُمامة الباهلي فذكره. - ورواهُ أبو عامر العقدي عن همام عن قتادة عن أيمن عن أبي هريرة فذكره مثله. أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦/ رقم ٧٢٣٢). وهذا خطأ ووهم، وادَّعى ابن حبان أنَّ أيمن الأشعري سمعه من أبي أُمامة وأبي هريرة، وفيه نظر، فقد قال البخاري: "ولم يذكر قتادة سماعه من أيمن، ولا أيمن من أبي أُمامة". - ورواهُ هدبة بن خالد عن همام وحماد بن الجعد عن قتادة عن أيمن عن أبي أمامة فذكره. أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٨) وغيره. والحديث كما قال البخاري، وأيضًا أيمن مجهول، لم يرو عنه إلَّا قتادة.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقال ابن المبارك: حدثنا سفيان عن حمَّاد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "نخلُ الجنَّة جذوعها من زُمرد أخضر، وكربها ذهبٌ أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنَّة، منها مُقطَّعاتهم وحللهم (^١)، وثمرها أمثال القِلالِ والدِّلاءِ، أشدُّ بياضًا من الَّلبن، وأحلى من العسلِ، وألينُ من الزُّبْد، ليس فيه عَجَمٌ" (^٢) .
_________________
(١) في "أ، ج": "وحلاهم"، والمثبت من باقي النسخ، والزهد لابن المبارك.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٥١). ورواهُ عبد الرحمن بن مهدي ووكيع وقبيصة والحسين بن حفص وغيرهم عن سفيان به نحوه. أخرجه ابن الصاعد في زوائده على الزهد لابن المبارك رقم (١٤٨٨)، وهناد في الزهد رقم (٩٩ و١٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ رقم ٣٣٩٥٠)، والبيهقي في البعث رقم (٣١١) وغيرهم. - ورواه مسعر بن كدام عن حماد به بلفظ "نخل الجنَّة خشبها ذهبٌ أحمر، وكربها زمرد أخضر. . . ". أخرجه أبو الشيخ في العظمة رقم (٥٧٤)، والسرقسطي في الدلائل كما في حاشية النسخة "د" (١٠٤ ق). - وخالفهما محمد بن جابر بن سيار "وهو يخطئ على حماد" فرواهُ عن حماد به فرفعه. أخرجه أبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٤٠٦). أخطأ فيه ابن سيار فإنَّ له مناكير عن حماد وهذا منها. والصحيح موقوف، لكن مداره على حماد بن أبي سليمان، وفي حفظه مقال؛ لكنه هنا حفظه. فقد توبع: تابعه أشعث بن أبي الشعثاء عن حماد به مثله موقوفًا وفيه زيادة. =
[ ١ / ٣٥٤ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي أنَّه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁ يقول: جاء أعرابي إلى النَّبي -ﷺ- فسأله عن الحوض، وذكر الجنَّة، ثمَّ قال الأعرابي: فيها فاكهة، قال: نعم، وفيها شجرةٌ تُدْعَى طُوبى، فذكر شيئًا لا أدري ما هو؟ فقال: إنَّ (^١) شجر أرضنا تشبهه، قال: ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك (^٢)، فقال النَّبي -ﷺ-: أتيت الشام؟ قال: لا، قال: تشبه شجرة بالشام تُدعى الجَوْزة، تنبتُ على ساق واحدٍ، وينفرشُ أعلاها، قال: ما عِظَمُ أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطتْ بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا، قال: فيها عنبٌ؟ قال: نعم، قال: فما عِظَمُ العنقود؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر، قال: فما عِظَمُ الحَبَّة؟ قال: هل ذبح أبوك تيسًا -من غنمه قطُّ- عظيمًا؟ قال:
_________________
(١) = أخرجه السلمي في وصف الفردوس رقم (٩٧). وعليه فالأثر ثابتٌ، وقد جوَّده المنذري. - وقد ثبت عن الحسن البصري أنَّه قال: "نخل الجنَّة جذوعها ذهب، وكرمها زمرد وياقوت، وسعفها حُلَل، يخرج الرطب أمثال القلال، أحلى من العسل، وأبيض من اللبن". أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ رقم ٣٤١٠١) بسند صحيح عنه. تنبيه: قال ناسخ "د" في الحاشية: "هذا الأثر رواهُ قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل على غير هذه الصورة -فذكره- ثمَّ قال: كرب الجنَّة: أصل منابت السعف، وذلك العريض. والعجم: النوى، واحدها: عجمة. . . ".
(٢) في "ب، هـ": "أي" استفهامية.
(٣) في نسخةٍ على حاشية "أ" "أرضكم".
[ ١ / ٣٥٥ ]
نعم، قال: فسلخ أهابه فأعطاهُ أمَّك، فقال: اتخذي لنا منه دلوًا؟ قال: نعم، قال الأعرابي: فإنَّ تلك الحبَّة لتشبعني وأهل بيتي، قال: نعم، وعامة عشيرتك" (^١) .
وقال أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا يونس بن بُكَير عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد اللَّه ابن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول اللَّهِ -ﷺ-، وذكر سدرة المنتهى فقال: "يسيرُ في ظلِّ الفَنَنِ منها الرَّاكبُ مئة سنة، أو قال: يستظلُ في الفَنَنِ منها مئة راكب، فيها فراش الذهب كأنَّ ثمرها القلالُ" (^٢) .
ورواهُ الترمذي وقال: "شك يحيى، وهو حديث حسن غريب".
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، وقد تقدم الكلام عليه في باب (٣٢) و(٤٤) ص (٢٧٣ - ٢٧٤، ٣٤٣).
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير وليس المطبوع، والترمذي برقم (٢٥٤١)، وهناد في الزهد رقم (١١٥)، والطبري في تفسيره (٢٧/ ٥٤ - ٥٥)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨٧ - ٨٨) رقم (٢٣٤)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (٤٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٠) رقم (٣٧٤٨). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". والحديث سنده حسن، وقد صرَّح ابن إسحاق بالسماع من يحيى، كما عند هنَّاد في الزهد.
[ ١ / ٣٥٦ ]
مجاهد قال: "أرضُ (^١) الجنَّة من ورق، وترابها مسك، وأصول أشجارها ذهبٌ ووَرق، وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والورق والثمر تحتَ ذلك، فمن أكَل قائمًا لم يؤذهِ، ومن أكل جالسًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعًا لم يؤذه، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان: ١٤] (^٢) .
وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: نزلنا الصَّفاح، فإذا رجلٌ نائم تحتَ شجرة قد كادتِ الشمسُ أنْ تبلغه، قال: فقلتُ للغلام: انطلق بهذا النِّطع فأظله، قال: فانطلق فأظلَّهُ، فلما استيقظَ إذا هو سلمان فأتيته أُسلِّمُ عليه (^٣)، فقال: يا جريرُ، تواضع للَّه، فإنَّهُ من تواضع للَّه في الدنيا رفعه اللَّهُ يوم القيامة، يا جرير، هل تدري ما الظلماتُ يوم القيامة؟ قلتُ: لا أدري، قال: ظلمُ النَّاسِ بينهم، ثمَّ أخذ عويدًا، لا أكادُ أراهُ بين أصبعيه، فقال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا لم تجده، قلتُ: يا أبا عبد اللَّهِ، فأينَ النخلُ والشجرُ؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهبُ وأعلاها الثمر" (^٤) .
_________________
(١) في الزهد لابن المبارك "إنَّ أرض".
(٢) تقدم الكلام عليه في الباب (٣٤) ص (٢٨٦).
(٣) قوله: "أسلم عليه" ليس في "ب، د".
(٤) أخرجه أحمد في الزهد رقم (٨١٠) مختصرًا، وهناد في الزهد رقم (٩٨)، والبيهقي في البعث رقم (٣١٦) وغيرهم. - ورواهُ وكيع وابن نمير عن الأعمش به نحوه. أخرجه وكيع في الزهد رقم (٢١٥)، والبيهقي في البعث رقم (٣١٧)، وأحمد في الزهد (٨١٠). وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٥٧ ]