ولئن كانت أسباب اهتمامنا بالقيام بظاهر العبادة دون جوهرها كثيرةً ومتعددةً، إلا أن أهم تلك الأسباب هي الرغبة في تحصيل الثواب المترتب عليها؛ فعلى سبيل المثال قراءة القرآن، هذه العبادة العظيمة التي من شأنها أن تحييَ القلب وتنيره وتشفيَه من أسقامه، قد تحوَّلت على ألسن الكثير من المسلمين إلى ألفاظ تُقرأ بلا فهم ولا تدبر ولا تأثر، بل أصبحت الغاية من التلاوة هي قطع المسافة بين فاتحة المصحف وخاتمته في أقل وقت ممكنٍ؛ أملًا في تحصيل الثواب، وذلك عملًا بقولهﷺ-: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(ميم) حرف" (١)
ومما يثير العجب أن هناك العديد من الآيات والأحاديث التي تتحدث عن تدبر القرآن لتحصيل العلم والهداية والشفاء، وتذم من يقرؤه بلا فهم أو تدبر كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: من الآية ٢٩)، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: ٢٤)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان:٧٣».
وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو يوضح له سبب نهيه لقراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام: (لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث). (٢)
ورأى ﷺ يومًا بعض الصحابة يقرءون القرآن فقال لهم: "الحمد لله .. كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود .. اقرءوا القرآن، اقرءوا قبل أن يأتي أقوام يقرءونه، يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيَهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه" (٣)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير (٦٤٦٩)
(٢) صحيح الجامع الصغير (١١٥٧)
(٣) رواه ابن حبان في صحيحه
[ ٤ ]
ومن أقوالهﷺ-: "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يَدْرِ ما يقول فلينصرف، فليضطجع" (١)
وعندما نزلت آيات سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ١٩٠) قال ﷺ: "ويل لمَن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر بها" (٢)
وتأمل معي قوله ﷺ: "ستكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القول ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيَهم" (٣)
وأقوال الصحابة في ضرورة تدبر القرآن كثيرة، منها قول عبد الله بن مسعود: "لا تهُذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم من السورة آخرها"
وقول علي بن أبي طالب: "لا خير في قراءة ليس فيها تدبر"، وقول الحسن بن علي: "اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه"
وقال رجل لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: "لأن اقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول" (٤)
وهذه السيدة عائشة ﵂ تسمع رجلًا يقرأ القرآن قراءة سريعة، فقالت: ما قرأ هذا وما سكت (٥).
إذن فالنصوص التي تؤكد ضرورة تدبر القرآن وتفهمه وترتيله كثيرة، فلماذا لا يتم التركيز إلا على الأحاديث التي تسرد الثواب المترتب على القراءة فقط دون غيرها؟!
لا شك أن من أهداف تلاوة القرآن تحصيل الأجر، ولكن من خلال القراءة المتدبرة التي تزيد الإيمان وتُذكِّر القارئ بما ينبغي عليه فعله أو تركه فيصير القرآن حجة له لا عليه.
يقول ابن القيم: "لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وتذوق حلاوة القرآن" (٦)