عن ابن بنان الأصفهاني قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام فقلت له: هل نفعت ابن عمك الشافعي بشيء، أو خصصته بشيء؟
قال: نعم؛ سألت ربي أن لا يحاسبه.
فقلنا: بم؟.
قال: إنه كان يصلي عليَّ (^٤) صلاة لم يصل عليّ بمثلها.
قلت: وما هي؟، قال: "كان يقول اللهم صل على محمد كما ذكره الذاكرون
_________________
(١) انظر البخاري [٤/ ١٧٨، ٦/ ١٥١]، وفي مسلم [٦٥ - (٤٠٥)] كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.
(٢) انظر مسلم [٦٩ - (٤٠٧)] كتاب الصلاة، [١٧] باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد.
(٣) انظر: أبو داود [٤٨٥٦]، والترمذي [٣٣٧٧]، والنسائي [٤٠٤] في عمل اليوم والليلة، والحاكم في المستدرك [١/ ٤٩٢]، وابن حبان في صحيحه [٢٣٢٢ - الموارد]، وفي الإحسان [٨٥٣]، وأحمد في مسنده [٤/ ٨]، وابن ماجه [١٠٨٥، ١٦٣٦].
(٤) قال النووي: "اختلف العلماء في الحكمة في قوله: "اللهم صلي على محمد كما صليت على إبراهيم"، مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ؛ قال القاضي عياض: أظهر الأقوال أن نبينا محمد ﷺ سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته، ليتم النعمة عليهم، كما أتمها على إبراهيم وعلى آله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته، وقيل: بل ليبقى ذلك له دائمًا إلى يوم القيامة، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين كإبراهيم ﷺ" النووي في شرح مسلم [٤/ ١٠٧] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٢٣ ]
وغفل عن ذكره الغافلون"، وروي هذا عن الشافعي من أوجه أُخر.
فروينا عن ابن عبد الحكم قال: "رأيت الشافعي في النوم، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: نعمني وغفر لي، وزففت في الجنة كما تزف العروس، ونثر عليَّ كما ينثر على العروس. فقلت: بم بلغت هذا الحال؟ قال: بقولي في كتاب الرسالة: وصلى اللَّه على محمد عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون".
وروى البيهقي في مناقبه وعن أبي الحسن الشافعي (^١) قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول اللَّه بم جزي الشافعي عنك حيث يقول في كتاب الرسالة: صلى اللَّه على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون؟ قال: جزي عني أنه لا يوقف للحساب".
وعن بعض الصالحين قال: رأيت الشافعي في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: بخمس كلمات أصلي بهن على رسول اللَّه ﷺ. فقيل: وما هي؟ قال: كنت أقول: "اللهم صلي على محمد عدد من يصلي عليه، وصل على محمد بعدد من لم يصل عليه، وصل على محمد كما أمرت أن يصلى عليه، وصلى على محمد كما تحب الصلاة عليه، وصل على محمد كما ينبغي أن يصلى عليه".
وحكي أنه كان شاب يطوف بالبيت ويشتغل بالصلاة على رسول اللَّه ﷺ فقيل له: هل عندك في هذا شيء؟ قال: نعم؛ خرجت أنا وأبي حاجين، فمرض أبي في بعض المنازل ومات، فاسود وجهه، وازرقت عيناه، وانتفخ بطنه، فبكيت وقلت: "إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات أبي في غربته هذه الموتة، فلما كان الليل غلبني النوم فرأيت رسول اللَّه ﷺ وعليه ثياب بيض ورائحته طيبة عطرة، فدنا من أبي ومسح على وجهه فصار أشد بياضًا من الليل، ثم مسح على بطنه فصار كما كان، ثم أراد الانصراف، وإذا هو رسول اللَّه، وقال: إن أباك كان يكثر المعاصي والذنوب، وكان يكثر من الصلاة عليَّ، فلما نزل به ما نزل استغاثني فأغثته، وأنا غياث لمن أكثر الصلاة عليَّ في دار الدنيا".
_________________
(١) الشافعي: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، الإمام العلم أبو عبد اللَّه الشافعي المكي المطلبي الفقيه، نسيب رسول اللَّه ﷺ قال يحيى بن أكثم: كنا عند محمد بن الحسن في المناظرة، وكان الشافعي رجلا قرشي العقل والفهم والذهن، صافي العقل والفهم والدماغ، سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماعًا للحديث لاستغنى أمة محمد ﷺ به عن غيره من الفقهاء. انظر تاريخ الإسلام للذهبي [٢٠١ - ٢١٠].
[ ١ / ٢٤ ]
وروى ابن عساكر، عن جعفر بن عبد اللَّه قال: "رأيت أبا زرعة في المنام وهو في السماء يصلي بالملائكة، فقلت له: بما نلت هذا؟ فقال: كتبت بيدي ألف ألف حديث، وإذا ذكرت النبي ﷺ أصلي عليه، وقد قال: "من صلى عليَّ مرة صلى اللَّه بها عليه عشرًا". (^١)
وروى ابن بشكوال: "أن أبا بكر بن مجاهد قام يومًا للشبلي فقال له أصحابه: أنت لا تقوم لعلي بن عيسى الوزير، وتقوم لهذا؟ فقال: ألا أقوم لمن يعظمه رسول اللَّه ﷺ رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام فقال: يا أبا بكر إذا كان في غد فسيدخل عليك رجل من أهل الجنة، فإذا دخل عليك فأكرمه، فلما كان بعد ليلتين جاء رسول اللَّه ﷺ فقال: يا أبا بكر أكرمك اللَّه كما أكرمت رجلًا من أهل الجنة، فقلت: يا رسول اللَّه بم استحق الشبلي هذا منك؟ قال: هذا رجل يصلي خمس صلوات يذكرني في كل صلاة، ويقرأ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ (^٢) ذلك منذ ثلاثين سنة، ألا أكرم من يفعل هذا؟ " وفي رواية الحافظ عبد الغني هذا يقرأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية، ويتبعها بالصلاة عليَّ.
شعر:
هنيئا لعين قد رأت وجه أحمد … وفازت جهارًا منه بالحسن والرؤيا
وقد أسعد الرحمن عبدًا دعا له … فأضحى سعيدًا في الممات والمحيا
وبدَّل بعد الشرك بالنور والهدى … وبلغ ما يهوى من الدين والدنيا
وفاز برؤيا المصطفى سيد الورى … نبي حباه اللَّه بالرتبة العليا
عليه صلاة اللَّه ما طاف طائف … بمكة بيت اللَّه قصدًا أتى سعيا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٧٠ - (٤٠٨)] كتاب الصلاة [١٧] باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، والترمذي [٤٨٤، ٤٨٥]، وأبو داود [١٥٣٠]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٠٢، ٢٦١]، والنسائي [٣/ ٥٠] المجتبى.
(٢) سورة التوبة [١٢٨]. يقول تعالى ممتنًا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم، وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] أي منكم بلغتكم، كما قال معمر بن أبي طالب ﵄ للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن اللَّه بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته، وذكر الحديث. وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها. تفسير ابن كثير [٢/ ٤١٢].
[ ١ / ٢٥ ]
وصلى عليه اللَّه (^١) ما سرت الصبا … وما من مشتاق برؤياه واللقيا
صلاة شذاها عطر الكون جهرة … فمن قاسها بالمسك يوما فما استحيا
وهذه حكايات أخر مما نحن فيه:
الأولى: رؤي مسطاح الصوفي بعد موته وكان ماجنا، فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي. قيل: بأي شيء؟ قال: استمليت على بعض المحدثين مسندًا، فصلى الشيخ على رسول اللَّه ﷺ فصليت أنا ورفعت صوتي، فصلى أهل المجلس عليه، فغفر لنا في ذلك اليوم.
الثانية: روى ابن بشكوال أن بعضهم رأى أبا إسحاق الكاغدي بعد وفاته، وكان سيدًا كبيرًا، فقال: ما فعل اللَّه بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأدخلني الجنة. فقيل بماذا؟ قال: لما وقفت بين يديه أمر الملائكة فحسبوا ذنوبي وحسبوا صلاتي على المصطفى ﷺ فوجدوها أكثر، فقال لهم جلت قدرته: حسبكم يا ملائكتي، لا تحاسبوه واذهبوا به إلى جنتي.
الثالثة: روى أبو نعيم، عن سفيان الثوري قال: بينما أنا حاج إذ دخل عليَّ شاب لا يرفع قدمًا ولا يضع قدمًا إلَّا ويقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. فقلت له: أتعلم قبول هذا؟ قال: نعم، من أنت؟ قلت: سفيان الثوري. قال: سفيان العراقي؟ قلت: نعم. قال: هل عرفت اللَّه؟ قلت: نعم. قال: كيف عرفته؟ قلت: بأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويصور الولد في الرحم. قال: يا سفيان (^٢) ما عرفت اللَّه حق معرفته. قلت: كيف تعرفه أنت؟ قال: بفسخ العزم والهمم، ونقض العزيمة؛ هممت ففسخ همتي، وعزمت فنقض عزمي، فعرف أن لي ربًا يدبرني. قال: قلت: فصلاتك على رسول اللَّه ﷺ قال: كنت حاجًا ومعي والدتي، فسألتني أن أدخلها البيت، فوقعت وتوَرَّم بطنها واسود وجهها، فجلست عندها وأنا حزين، فرفعت يدي نحو السماء فقلت: يا رب هكذا تفعل بمن دخل بيتك؟ فإذا أنا بغمامة قد ارتفعت من قبل تهامة، وإذا رجل عليه ثياب بيض قد دخل البيت فأمرَّ يده على وجهها، فابيض، وأمرَّ يده على بطنها فسكن الورم، ثم مضى ليخرج، فتعلقت بثوبه فقلت: من أنت الذي فرَّجت عني؟ قال: أنا نبيك
_________________
(١) قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
(٢) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد اللَّه الثوري الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دلس، أخرج له الستة، توفي سنة [١٦١ أو ١٦٤].
[ ١ / ٢٦ ]
محمد. قلت: يا رسول اللَّه أوصني. قال: لا ترفع قدمًا ولا تضع أخرى إلا وأنت تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
الرابعة: قال أبو الحسن البغدادي: رأيت منصور بن عمار في النوم، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أوقفني بين يديه وقال: أنت منصور بن عمار؟ قلت: بلى يا رب. قال: أنت الذي كنت تُزهد الناس في الدنيا وتُرغب فيها؟ قال: قلت: قد كان ذلك، ولكني ما اتخذت مجلسًا إلا وبدأت بالثناء عليك (^١)، وثنيت بالصلاة على نبيك، وثلثت بالنصيحة لعبادك. قال: صدقت، ضعوا له كرسيًا في سمائي يمجدني بين ملائكتي كما مجدني في أرضي بين عبادي. قلت: سبحان الملك المجيد الفعال لما يريد، لا إله سواه، ولا نعبد إلا إياه، وصل اللَّه على محمد وعلى آل محمد وسلم.
الخامسة: لما مات أبو العباس أحمد بن منصور ﵀ قال رجل من أهل شيراز: رأيته في المنام البارحة وعليه حلة، وعلى رأسه تاج مكلل بالجوهر، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وأكرمني وتوجني وأدخلني الجنة. فقلت: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول اللَّه ﷺ.
السادسة: روي أن رجلا يقال له محمد بن مالك قال: مضيت إلى بغداد لأقرأ على أبي بكر بن مجاهد المقري، فكنا نقرأ عليه يومًا من الأيام إذ دخل عليه شيخ وعليه عمامة رثَّة وقميص ورداء رث، فقام الشيخ أبو بكر له وأجلسه مكانه واستخبره عن حاله وحال صبيانه، فقال الرجل: وُلد لي اليوم مولود وطلبوا مني سمنًا وعسلًا، ولم أملك ذرَّة، قال: فنمت وأنا حزين القلب، فرأيت النبي ﷺ في منامي، فقال لي: ما هذا الحزن؟ اذهب إلى علي بن عيسى وزير الخليفة واقرأ عليه¬ السلام، وقل له بعلامة أنك لا تنام كل ليلة جمعة إلا بعد أن تصلي عليَّ ألف مرة، وهذه ليلة الجمعة صليت عليَّ سبعمائة مرة، فجاءك رسول الخليفة فدعاك، فمضيت معه ورجعت فما نمت حتى أتممت ألفًا، فبهذه العلامة سلِّم إلى هذا الرجل مائة دينار، فقام أبو بكر بن مجاهد المقري مع الشيخ ومضينا إلى دار الوزير وأجلسه مكانه فقص عليه الرجل قصته، فأمر الغلام بإخراج بَدْرَة (^٢) فوزن منها مائة دينار، وقال:
_________________
(١) روى أبو داود في سننه [١٤٨١] عن فضالة بن عبيد قال: سمع رسول اللَّه ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد اللَّه، ولم يصل على النبي ﷺ فقال ﷺ: "عجل هذا" ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء".
(٢) البَدْرَة: كيس فيه مقدار من المال يتعامل به، ويقدم في العطايا، ويختلف باختلاف العهود، جمعها: بِدَر.
[ ١ / ٢٧ ]
أيها الشيخ صدقت، هذا كان سرًا بيني وبين اللَّه تعالى، فخذ هذه المائة لأنك رسول رسول اللَّه ﷺ، ووزن مائة أخرى وقال: هذه بشارتك بأن رسول اللَّه ﷺ علم بأني أُصلي عليه، ووزن مائة أيضًا، وقال: هذه من أجل أنك تعنيت وجئت إليَّ مهنئًا، وجعل يزن مائة مائة حتى كمل ألفًا فقال له رجل: إني لا آخذ إلا ما أمرني به رسول اللَّه ﷺ.
السابعة: يحكى أنه كان بمدينة بلخ رجل تاجر، وكان كثير المال، وله ابنان، فتوفي والدهما فقسَّم ابناه المال بينهما نصفين، وكان في الميراث ثلاث شعرات من شعر النبي ﷺ (^١) فأخذ كل واحد منهما واحدة، وبقيت بينهما واحدة، فقال أكبرهما لأخيه الأصغر: نجعل الشعرة الباقية نصفين، فقال الآخر: لا واللَّه بل هو أجل من أن يقطع شعره ﷺ فقال الكبير: تأخذ هذه الشعرة بقسطك في الميراث؟ قال: نعم، فأخذ الكبير جميع المال، وأخذ الصغير الشعرات، وجعلها في جبينه، وكلما شاهدها صلى على النبي ﷺ، ثم بعد أيام فنى مال الكبير، وكثر مال الصغير، فلما توفي الصغير رآه بعض الصالحين في النوم، ورأى النبي ﷺ فقال له: قل للناس: من كانت له إلى اللَّه ﷿ حاجة فليأت قبر فلان، فكان الناس يقصدون قبره حتى بلغ إلى أن صار كل من مرَّ على قبره راكبًا ينزل ويمشي راجلًا، وذلك من فضل الصلاة على النبي ﷺ.
الثامنة: روي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري (^٢) فقالت: يا شيخ، توفيت لي ابنة، وأريد أن أراها في النوم، فقال الحسن: صلي أربع ركعات واقرئي في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة ألهاكم مرة وذلك بعد صلاة العشاء الآخرة، ثم اضطجعي وصلي على النبي ﷺ حتى ترقدي، ففعلت فرأتها في المنام، وهي في العقوبة وعليها لباس من قطران (^٣) ويداها مغلولة ورجلاها مسلسلة بسلاسل من نار، فلما انتبهت
_________________
(١) روى الترمذي في سننه [٣٦٣٥] كتاب المناقب، باب ما جاء في صفة النبي ﷺ عن البراء قال: "ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول اللَّه ﷺ؛ له شعر يضرب منكبيه. . . . " الحديث.
(٢) الحسن بن يسار أبو سعيد البصري، الأنصاري، فقيه، ثقة فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا، يعني قومه الذين حدثوه وخطبوا بالبصرة، اخرج له الستة، وتوفي سنة [١١٠] وقد قارب الـ (٩٠) سنة.
(٣) قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال ابن كثير: وقوله ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٤٩، ٥٠] أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل -أي تطلى- وكان ابن عباس يقول: القطران هو النحاس المذاب، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة. تفسير ابن كثير [٢/ ٥٦١].
[ ١ / ٢٨ ]
جاءت إلى الحسن البصري وأخبرته بالقصة، فقال: تصدقي عنها لعل اللَّه أن يعفو عنها، ثم في تلك الليلة رأى الحسن البصري كأنه في روضة من رياض الجنة، ورأى سريرًا منصوبًا وعليه جارية حسناء جميلة، وعلى رأسها تاج من النور، فقالت له: يا حسن أتعرفني؟ فقال: لا. فقالت: أنا ابنة تلك المرأة التي أمرتها بالصلاة. فقال الحسن: بغير هذا وصفت لي حالك. فقالت: هو كما قالت. قال: فبما إذًا بلغت هذه المنزلة؟ فقالت: كنا سبعين ألف نفس في العقوبة، كما وصفت لك والدتي، فعبر واحد من الصالحين على قبورنا، وصلى على النبي ﷺ مرة واحدة، وجعل ثوابها لنا، فأعتقنا اللَّه -تعالى- من العقوبة ببركته، وبلغ نصيبي ما قد شاهدته فهذا من جملة بركة الصلاة والسلام على النبي ﷺ.
التاسعة: روى الفاكهاني في كتابه الفجر المنير، عن الشيخ موسى الضرير ﵀ أنه ركب في مركب في البحر المالح، قال: فثارت علينا ريح تسمى الأقلانية، قلَّ من ينجو منها من الغرق، قال: فنمت، فرأيت رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: قل لأهل المركب يقولون ألف مرة: اللهم صل على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفع لنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات. قال: فاستيقظت، وأخبرت أهل المركب بالرؤيا وصلينا على النبي ﷺ نحو ثلاثمائة مرة ففرج اللَّه عنا تلك الشدة.
العاشرة: رُوي عن الإمام العالم أبي حفص عمر بن الحسن السمرقندي قال: سمعت الأستاذ قدس اللَّه روحه قال: سمعت رجلًا يقول: حججت في سنة كذا، فرأيت رجلًا في الحرم لم يزل يصلي على النبي ﷺ حيث كان في الحرم والبيت وعرفة ومنى، فقلت: أيها الرجل لكل مقام مقال، فما بالك لا تشتغل بالدعاء ولا بالصلاة إلا أنك تصلي على النبي ﷺ لا غير؟ فقال له الرجل: خرجت من خراسان حاجًا إلى بيت اللَّه الحرام، ومعي والدي، فبلغنا الكوفة، فاعتل أبي هناك، فتوفي، فغطيت وجهه بإزار، فلما كشفت عن وجهه رأيت صورة كصورة الحمار، فحزنت لذلك حزنًا شديدًا، فقلت: كيف أظهر للناس هذا الحال، وقد صار والدي في هذه الصورة، فنعست ساعة، فرأيت في منامي كأنه دخل علينا رجل وكشف عن وجهه وقال لي: ما هذا الغم العظيم؟ فقلت له: وكيف لا أغتم مع هذه المحنة العظيمة؟! فقال: إن اللَّه ﷿ قد أزال عنك هذا الغم، فانطلقت إلى والدي فكشفت عن وجهه فإذا هو كالقمر الطالع يلوح، قال: فقلت لذلك الرجل: من أنت؟ قال: أنا المصطفى، فلويت طرف ردائه وقلت له: بحق اللَّه إلا ما أخبرتني بالقصة، فقال لي:
[ ١ / ٢٩ ]
والدك كان يأكل الربا، وإن من حكم اللَّه ﷿ أن من أكل الربا أن يجعل صورته صورة الحمار، إما في الدنيا وإما في الآخرة (^١)، ولكن كان من عادة والدك أن يصلي عليَّ في كل ليلة قبل أن يضطجع مائة مرة، فلما أن عرضت له هذه الحالة جاءني الملك الذي يعرض عليّ أعمال أمتي فأخبرني بحاله، فسألت اللَّه -تعالى- فشفعني فيه.
الحادية عشرة: روي عن سفيان الثوري -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: رأيت رجلا من الحجاج يكثر الصلاة على النبي ﷺ فقلت له: هذا موضع الثناء، فقال لي: ألا أخبرك أني كنت في بيتي، وكان لي أخ قد حضرته الوفاة، فاسود وجهه، وكان البيت مظلمًا، فدخل علينا رجل كان وجهه السراج، فمسح بيده على وجهه، فصار وجه أخي كالقمر، فقلت: من أنت الذي منّ اللَّه علينا بك؟ فقال: أنا الملك الموكل (^٢) بمن يصلي على النبي ﷺ أفعل به هكذا.
فائدة: روى أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفهاني ﵀ في كتابه الترغيب والترهيب عن أبي بكر الصديق ﵄ أنه قال: "الصلاة على النبي أفضل من عتق الرقاب، وإن حب رسول اللَّه ﷺ أفضل من بذل مهج الأنفس، أو قال من ضرب السيوف في سبيل اللَّه". (^٣)
الثانية عشر: روى الإمام أبو القاسم القشيري: أن عمرو بن الليث أحد ملوك خراسان رؤي في المنام بعد وفاته فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي. فقيل: بماذا؟ قال: صعدت ذروة الجبل يومًا، فأشرفت على جندي وعسكري، فأعجبني كثرتهم، وتمنيت أني حضرت رسول اللَّه ﷺ فأعنته ونصرته، فجعلت أصلي عليه، فشكر اللَّه لي ذلك فغفر لي.
_________________
(١) روى السيوطي في "الدر المنثور" [١/ ٣٦٤] بلفظ: "من أكل الربا بعثه اللَّه يوم القيامة مجنونا يتخبط".
(٢) روى النسائي [٣/ ٤٣ - المجتبى] عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن للَّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام".
(٣) رواه العجلوني في كشف الخفاء [٢/ ٣٩] وقال: رواه التيمي في ترغيبه، وعنه أبو القاسم بن عساكر، عن أبي بكر الصديق من قوله، ورواه النميري، وابن بشكوال وغيرهما بلفظ "السلام" بدل الصلاة، قال في المقاصد: وأما قول شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- في بعض فتاويه عن هذا: إنه كذب مختلق، فمراد به إضافته إلى النبي ﷺ، زاد النجم: وإلا فهو ثابت عن أبي بكر موقوفًا، وأخرجه أيضًا القاري في "الأسرار المرفرعة" [٢٣٥ - ٢٣٦]، والفتني في "تذكرة الموضوعات" [٨٩]، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" [١٠٣].
[ ١ / ٣٠ ]
فائدة: روى أبو القاسم الأصفهاني في كتاب الترغيب والترهيب عن يزيد بن مسلم الجريري قال: سمعت وهب بن منبه يقول: "الصلاة على النبي ﷺ عبادة".
الثالثة عشر: روى أبو القاسم المذكور أيضًا بسنده عن محمد بن الحسين الحرَّاني قال: قال لي رجل من حران يقال له الفضل، وكان كثير الصوم والصلاة: كنت أكتب الحديث ولا أصلي على النبي ﷺ، فرأيته في المنام فقال: إذا كتبت أو ذكرت لم لا تصلي عليَّ؟ قال: ثم رأيته ﷺ مرة أخرى فقال: ما تبلغني صلاتك عليَّ، فإذا صليت عليَّ أو ذكرت فقل: ﷺ.
فائدة: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "وكَّل اللَّه برسول اللَّه ﷺ ملكًا فلا يذكر عند عبد ولا يصلي عليه إلا قال ذلك الملك: لا غفر اللَّه لك، فتقول الملائكة: آمين.
الرابعة عشر: روي أن رجلا هرب من السلطان، وخط في الأرض خطًا وسماه قبر النبي ﷺ وتطهر وصلى عنده، وصلى عليه ألف مرة، ثم قال: اللهم إني جعلت هذا القبر شفيعي إليك فآمن روعي من هذا الظالم بحق المصطفى، فهتف به هاتف وقال له: نعم الشفيع محمد ﷺ قد آمنا روعك، وأهلكنا ظالمك، وغفرنا ذنبك.
فائدتان: الأولى: روي أن آدم ﷺ نام فرأى حواء (^١) ﵍ جالسة عند رأسه، فمد يده إليها فقال جبريل ﵇: لا تمسها حتى تعطي مهرها. قال: وما مهرها؟ قال: الصلاة على محمد بن عبد اللَّه خير خلق اللَّه ﷺ.
الثانية: روي أن اللَّه ﵎ يقول: يا محمد من صلى عليك أمرت جبريل وسبعين ألف ملك أن يصلوا عليه ولا يموت حتى يرى مقعده من الجنة، فأكثروا من الصلاة عليه ﷺ.
الخامسة عشر: روي أن أبا الحسن عليًا الميموني قال: رأيت الشيخ أبا الحسن ابن عيينة ﵀ في المنام بعد موته كأن على أصابع يديه شيئًا مكتوبًا بلون الذهب، أو بلون الزعفران، فسألته عن ذلك، فقلت: يا أستاذ أرى على أصابع يديك شيئًا مليحًا مكتوبًا ما هو؟ قال: يا بني هذا بكتابتي لحديث رسول اللَّه ﷺ أو قال:
_________________
(١) يقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة، كما قال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحيشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة، خلقها اللَّه من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولم حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حي. تفسير ابن كثير [١/ ٧٩].
[ ١ / ٣١ ]
لكتابتي "ﷺ" في حديث رسول اللَّه ﷺ.
فائدة: روى الأصفهاني في كتابه الترغيب والترهيب: أن أبا الحسن النهاوندي الزاهد في ديار المغرب قال: لقي رجل الخضر (^١) ﷺ فقال له: أفضل الأعمال اتباع رسول اللَّه ﷺ والصلاة عليه، وأفضل الصلاة ما كان عند نشر حديثه.
فائدة ثانية: روى الأصفهاني أيضًا بإسناده إلى أبى محمد إسماعيل الزاهد قال: سمعت أبا علي الحسن يقول: علامة أهل السنة كثرة الصلاة على رسول اللَّه ﷺ.
فائدة ثالثة: روى الأصفهاني أيضًا بإسناده إلى أبي الحسن الحراني قال: كان أبو عروة الحرَّاني لا يترك أحدًا يقرأ عليه الأحاديث إلا أن يصلي على النبي ﷺ، وكان يقول بركة الحديث كثرة الصلاة على رسول اللَّه ﷺ.
فائدة رابعة: روي أن ثابتًا والد أبي حنيفة (^٢) رأى في المنام كأن أبا حنيفة دخل قبر النبي ﷺ فجمع عظامه ثم خرج بها، فقص رؤياه على ابن سيرين، فقال: إنه يجمع علم النبي ﷺ ويحيي سنته، فكان كذلك.
السادسة عشر: روي أن أم الفضل (^٣) كانت كثيرة الصلاة على النبي ﷺ فرأت في المنام أن بضعة من جسد رسول اللَّه ﷺ وضعت في حجرها، فقالت ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ: "خيرًا رأيت؛ فاطمة تلد إن شاء اللَّه غلامًا
_________________
(١) قال النووي: جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تستر. وقال الشيخ أبو عمرو بني الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك، قال: وإنما شذّ بعض المحدثين، قال الحبري المفسر، وأبو عمر: وهو نبي، واختلفوا في كونه مرسلا، وقال القشيري وكثيرون: هو ولي. النووي في شرح مسلم [١٥/ ١١١] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الإمام العلم أبو حنيفة الكوفي الفقيه مولى بني تيم اللَّه بن ثعلبة، ولد سنة (٨٠)، ورأى أنس بن مالك غير مرة بالكوفة إذ قدمها أنس، قاله ابن سعد، وروى أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رباح وقال: ما رأيت أفضل منه، وغيره الكثير، وبرع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه وتفريع المسائل، وتصدر للاشغال وتخرج به الأصحاب، وتوفي ﵀ سنة (١٥٠). تاريخ الإسلام، وفيات [١٤١ - ١٥٠].
(٣) لبابة بنت الحارث أم الفضل الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة زوج النبي ﷺ، أخرج لها أصحاب الكتب الستة، وتوفيت في خلافة عثمان. ترجمتها: تهذيب التهذيب [١٢/ ٤٤٩]، الثقات [٣/ ٣٦١]، أسد الغابة [٧/ ٢٥٣]، أعلام النساء [٤/ ١٧٠، ٢٧٢]، الإصابة [٨/ ٩٧]، تجريد أسماء الصحابة [٢/ ٣٠١].
[ ١ / ٣٢ ]
فيوضع في حجرك" فولدت فاطمة الحسن ﵄ فوضع في حجرها. (^١)
السابعة عشر: روي أن فتى من الأنصار دخل على رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر جالس إلى جانبه، فأجلسه النبي ﷺ بينه وبين أبي بكر الصديق ﵄ ثم أقبل بوجهه عليه إلى أن انصرف، ثم أقبل على الصديق، وقال: "يا أبا بكر لعلك عزَّ عليك" قال أبو بكر ﵄: إنه شق عليَّ أن يكون بيني وبينك أحد، فقال النبي ﷺ: "إن هذا يصلي عليَّ صلاة لا يصليها أحد من أمتي" قال الصديق: كيف يقول يا رسول اللَّه؟ قال: "يقول اللهم صل على محمد عدد من يصلي عليه، وصل على محمد عدد من لم يصل عليه، وصل على محمد كما تحب الصلاة عليه، اللهم صل على محمد الذي من نوره الأنوار، وأشرق بشعاع وجهه الأقطار، وصل على محمد المختار، وصل على أهل بيته الأبرار".
الثامنة عشر: روي أن رجلًا أتى إلى النبي ﷺ وادعى أن رجلا سرق (^٢) بعيرًا له وأحضر شاهدان، وشهدا عليه، فهم النبي ﷺ بقطع يده، فقال المدعى عليه: يا رسول اللَّه تأمر بإحضار البعير تسأله عن من سرقه، فإني أرجو من اللَّه -تعالى- أن ينطق ببراءتي يا رسول اللَّه، فأحضره النبي ﷺ وقال: "يا بعير من أنا؟ " فقال البعير بلسان فصيح: أنت رسول اللَّه حقًا حقًا، لا تقطع يده فإن مدعيه منافق والشاهدان منافقان، توافقا على قطع يده عنادًا وعداوة لك يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ: "بأي شيء أجارك اللَّه من قطع يدك؟ " فقال: يا رسول اللَّه مالي من كثير عمل غير أني لا أقوم ولا أقعد إلا أُصلي عليك، فقال ﷺ: "سر على ذلك، فإن اللَّه -تعالى- يبرئك من نار جهنم كما برأك من قطع يدك في الدنيا".
التاسعة عشر: روي عن عبد اللَّه بن سلام (^٣) قال: أتيت أخي عثمان لأسلم
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه [٣٩٢٣] كتاب: تعبير الرؤيا، [١٠] باب: تعبير الرؤيا، وأحمد في مسنده [٦/ ٣٣٩]، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق [٤/ ٣١٦].
(٢) قال القاضي عياض: صان اللَّه -تعالى- الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب، لأن ذلك قيل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه لا يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور، وتسهيل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها، وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه. النووي في شرح مسلم [١١/ ١٥١] طبعة دار الكتب العلمية.
(٣) عبد اللَّه بن سلام بن الحارث أبو يوسف الإسرائيلي النسب، حليف الأنصار، أسلم عند قدوم رسول اللَّه ﷺ المدينة، وكان اسمه الحصين فسماه عبد اللَّه، وشهد له بالجنة، توفي سنة (٤٣)، =
[ ١ / ٣٣ ]
عليه، فقال: مرحبًا يا أخي، رأيت النبي ﷺ الليلة في المنام فناولني دلوًا فيه ماء فشربت حتى رويت، وإني لأجد برده، فقلت: بماذا نلت هذا؟ فقال: بكثرة الصلاة على النبي ﷺ.
العشرون: روي عن أحمد بن عطاء قال: سمعت عبد اللَّه بن صالح يقول: رؤي بعض أصحاب الحديث في المنام، فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي. فقيل: بماذا؟ فقال: بصلاتي في كتبي على النبي ﷺ.
الحادية بعد العشرين: روي أن ابن الموفق حج عن رسول اللَّه ﷺ وكان يكثر الصلاة عليه، قال: فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فقال لي: يا ابن الموفق حججت عني؟ قلت: نعم. قال: ولبيت عني؟ قلت: نعم. قال: فإني كافيك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف وأدخلك الجنة، والخلائق في كرب الحساب.
الثانية بعد العشرين: روى أبو الفرج بن الجوزي ﵀ أن امرأة كانت تحب النبي ﷺ حبًا شديدًا، وكانت تكثر الصلاة عليه، فقصدت زيارته، فلما وصلت المدينة نزلت في بيت عائشة، فسألت عن النبي ﷺ، فقالت عائشة: مات، فصرخت وأكثرت الصراخ، وقالت: أريني قبره، فأتت به إليه، فقالت لها اكشفي لي عنه ما نشر عليه، فألصقت جسدها بالقبر، وصاحت صيحة فماتت، وأتى أبو بكر وعمر ﵃ أجمعين، وجمع من الصحابة فرأوها وهي ملصقة جسدها بالقبر وهي ميتة فأعظموا أمرها وتحققوا محبتها فيه، وغسَّلوها وكفنوها وصلوا عليها، وكان يومًا مشهودًا لم ير لغيرها.
الثالثة بعد العشرين: روي عن أبي محمد الجزري قال: دخل علينا الرباط فقير بعد صلاة العصر، شاب مصفر اللون أشعث الشعر، حاسر الرأس، حافي القدم، فجدد الوضوء وصلى ركعتين، ثم جلس ووضع رأسه على خشبة إلى المغرب، فلما صلى معنا المغرب جلس كذلك يصلي على النبي ﷺ، وإذا رسول الخليفة يستدعينا في دعوة، فقمت إلى الشاب وقلت له: هل لك إلى دار الخليفة؟ فرفع رأسه وقال:
_________________
(١) = وشهد فتح بيت المقدس مع عمر، وقيل إنه من ذرية يوسف ﵇ وكان من الأحبار، وروى عنه أنس بن مالك، وزرارة بن أوفى، وأبو سعيد المقبري، وأبو سلمة، وأبو بردة، وابناه يوسف ومحمد ابنا عبد اللَّه، وجماعة. تاريخ الإسلام، وفيات سنة [٤٣]. قال المالكية: لا يجوز له أن ينيب من يحج عنه، سواء كان صحيحًا أو مريضًا ترجى صحته، في حجة الفريضة، وأما حج التطوع فالإجارة مكروهة لكنها تصح. وقال الحنفية: من عجز عن الحج بنفسه وجب عليه أن، يستنيب غيره ليحج عنه بشرط عجزه المستمر إلى الموت، فإن حج عنه وانتهى عجزه فقد سقط عنه حج الفرض، والشافعية توجب الحج إذا أناب ثم برأ من مرضه. انظر الفقه على المذاهب الأربعة [١/ ٦١٢].
[ ١ / ٣٤ ]
ليس لي (رغبة) (^١) إلى دار الخليفة، ولكني أشتهي عصيدة (^٢) حارة، فاطرحت قوله حيث لم يوافق الجماعة، وقلت في نفسي: هذا قريب عهد بالطريقة لم يتأدب بعد فتركته، ومضيت إلى دار الخليفة، فأكلنا وسمعنا وتفرقنا آخر الليل، فلما دخلت الرباط رأيته على تلك الحال، فجلست على سجادتي، فلهجت عيناي بالنوم، وإذا بجماعة وقائل يقول: هذا رسول اللَّه ﷺ والأنبياء ﵈ فدنوت وسلَّمت عليه، فولى بوجهه عني معرضًا، فكررت ذلك وهو يعرض عني، فخفت من ذلك وقلت: يا رسول اللَّه: ما الذي أذنبت حتى تعرض عني؟ فقال: فقير من أمتي اشتهى عليك شهوة فتهاونت به، فاستيقظت مرعوبًا، وقمت نحو الفقير فلم أره، فسمعت صوت الباب، فخرجت في إثره، فإذا هو خارج، فناديته: يا فتى نحضر شهوتك، فالتفت إليَّ وقال: إذا اشتهى فقير عليك شهوة لا توصلها إليه حتى يشفع إليك مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، فلا حاجة إليها، ثم تركني وذهب.
الرابعة بعد العشرين: روي عن عبد الواحد بن زيد (^٣) قال: كان لنا خادم يخدم السلطان، وهو معروف بالفساد والغفلة عن اللَّه -تعالى- فرأيته الليلة في المنام ويده في يد رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه إن هذا العبد السوء من المعرضين عن اللَّه -تعالى- فكيف وضعت يدك في يده؟ فقال ﷺ: قد عرفت ذلك، وها أنا ماض به لأشفع له عند اللَّه -تعالى-، فقلت: يا رسول اللَّه، فبأي وسيلة بلغ ذلك منك؟ قال: بكثرة صلاته عليَّ، فإنه في كل ليلة يأوي إلى فراشه يصلي عليَّ ألف مرة، وإني لأرجو أن اللَّه -تعالى- يقبل شفاعتي فيه، قال عبد الواحد (^٤): فلما أصبحت فإذا أنا بذلك
_________________
(١) بالأصل (فلت) وأثبتناها هكذا لتوافق النص.
(٢) العصيدة: دقيق يُلت بالسمن ويطبخ، جمعها: عصائد.
(٣) عبد الواحد بن زيد، أبو عبيدة البصري العابد القدوة شيخ الصوفية بالبصرة، روى عن عطاء والحسن وعبادة بن نسي وجماعة سواهم، وعنه وكيع ومحمد بن السماك وزيد بن الحباب وأبو سليمان الداراني وجماعة، وهو ضعيف الحديث، توفي بعد سنة (١٥٠). ترجمته: تاريخ البخاري الكبير [٦/ ٦٢]، الجرح والتعديل [٦/ ١٠٧]، ميزان الاعتدال [٢/ ٦٧٢]، الثقات [٧/ ١٢٤]، سير الأعلام [٧/ ١٧٨].
(٤) قال ابن الأعرابي: قال عبد الواحد بالمحبة على مذاهب أهل الخصوص، ولو صدق نفسه لاضطره قوله بالمحبة، إلى القول بالسنة والكتاب، ولكنه سامح نفسه، وتكلم في الشوق والغرق والأنس، وجميع فروع المحبة التي قال بها أهل الإثبات، وأن اللَّه يحب من أطاعه، وأن الطاعة والاتباع أوجب المحبة من اللَّه -تعالى- ومن قول السنة: إن اللَّه أحب قومًا فوفقهم لطاعته، فكانت محبته لهم واختياره، لما سبق من علمه لا لكسبهم، فكانت محبته لهم قبل عملهم وقبل خلقهم. تاريخ الإسلام، وفيات [١٥١ - ١٦٠].
[ ١ / ٣٥ ]
الخادم قد دخل المسجد باكيًا، وكنت في ذكر ما رأيته له أقص على أصحابي، فلما دخل سلَّم وجلس بين يدي، وقال: يا عبد الواحد مُدَّ يدك، فقد أرسلني إليك رسول اللَّه ﷺ لأتوب على يديك وذكر لي ما جرى بينك وبينه الليلة في شأني، فلما تاب سألته عن رؤياه، فقال: أتاني رسول اللَّه ﷺ فأخد بيدي وقال: لأشفعن لك إلى ربي لأجل صلاتك عليَّ، فلما انطلقت معه شفع لي، وقال لي: فأت عبد الواحد وتب على يديه، واستقم.
الخامسة بعد العشرين: روي عن علي بن عيسى الوزير أنه قال: كنت أكثر الصلاة على النبي ﷺ فلما صرفت عن الوزارة رأيت في المنام كأني راكب حمارًا، ورأيت رسول اللَّه ﷺ فترجلت له فقال لي: ارجع إلى مكانك، فأصبحت وقلدت الوزارة ببركة الصلاة عليه ﷺ.
السادسة بعد العشرين: روي عن ابن جعفر الحدَّاد -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: جعت مرة بالمدينة ولم أجد طعامًا منذ خمسة عشر يومًا، فألصقت بطني بحائط قبر النبي ﷺ وأكثرت من الصلاة عليه، وقلت: يا رسول اللَّه أشبع ضيفك فقد أضعفه الجوع عن خدمة اللَّه تعالى، قال: فغلبني النوم، فرأيت رسول اللَّه ﷺ وقد دفع إليَّ رغيفًا، وأنا آكله فاستيقظت وأنا شبعان، وبيدي نصفه.
فوائد: الأولى: عن أبي عمران الواسطي قال: خرجت من مكة أريد زيارة القبر المشرف (^١) فلما خرجت من الحرم أصابني عطش شديد حتى آيست من نفسي، فجلست تحت شجرة أم غيلان آيسًا، وإذا بفارس قد أقبل على فرس أخضر، وكل آلاته خضر، وفي يده قدح أخضر فيه شراب أخضر فدفعه إليَّ وقال: اشرب، فشربت ثلاثًا، والقدح بحاله، فقال لي: أين تريد؟ قلت: المدينة لأسلم على رسول اللَّه ﷺ وعلى صاحبيه. فقال لي: إذا وصلت وسلمت فقل رضوان يقرئكم السلام.
الثانية: عن إبراهيم الخواص قال: عطشت في بعض أسفاري إلى المدينة، فإذا أنا بماء يرش على وجهي ففتحت عيني، فإذا أنا برجل حسن الوجه، راكب على دابة شهباء، فسقاني وقال: كن رديفي فما لبثت إلا يسيرًا إذ رأيت المدينة، فقال: انزل
_________________
(١) زيارة قبر النبي ﷺ من أعظم القرب وأجلها شانًا، وقد بين الفقهاء آداب زيارة قبر النبي ﷺ وقالوا: إذا توجه لزيارة المصطفى ﷺ يكثر من الصلاة والسلام عليه مدة الطريق، ويصلي في المساجد التي يمر بها، وإن عاين حيطان المدينة يصلي على النبي ﷺ ويقول: اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأمانًا من العذاب وسوء الحساب، ويغتسل قبل الدخول وبعده إن أمكنه، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه. . . . إلى آخر الآداب. انظر الفقه على المذاهب الأربعة [١/ ٦١٥].
[ ١ / ٣٦ ]
وقل: الخضر يقرئك السلام.
الثالثة: عن أبي الخير الأقطع قال: قدمت مدينة الرسول، فأقمت خمسة أيام فأذقت فيها ذواقًا فتقدمت إلى القبر الشريف، وسلَّمت على رسول اللَّه ﷺ، وعلى صاحبيه (^١)، وقلت: يا رسول اللَّه أنا ضيفك الليلة، وتنحيت ونمت خلف القبر، فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام وعليّ بين يديه، فحركني علي وقال: قم قد جاء رسول اللَّه ﷺ فقمت إليه وقبَّلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفًا فأكلت نصفه، وانتبهت وفي يدى نصفه.
وقد سبق مثلها.
وحكاية العتبي مشهورة في كتب أصحابنا نذكرها إن شاء اللَّه -تعالى- آخر مجلس الحج بزيادات فيها.
شعر:
أحن إلى نوح الحمام (^٢) إذا غنى … وأشتاق للوادي وأصبو إلى المعنى
ويعجبني مر النسيم لأنه … يحدث عن نجد الصبا حديثًا له معنى
ويخبر عن زوار ليلي بأنهم … رأوا عند بانات النقا وجهها الأسنى
بعيشك إن جئت الخيام فقف بها … وقل لمليح الحي إني به مفنى
وعرض بذكري عنده فلعله … يرق لمشتاق إلى ربعه حنَّا
متى بقيا يقضي لنا منه عاشق … ويدفن في سلع ويمسي له سكنى
تمكن قلبي حب من سكن الحما … فقلبي يهواه وعقلي به جُنَّا
تكامل معناه فأصبح فاتنا … أياله بدرا حوى الحسن والحسنى
_________________
(١) يقول الزائر لقبره ﷺ: السلام عليك يا رسول اللَّه، من فلان يتشفع بك إلى ربك فاشفع له ولجميع المسلمين، ثم يقف عند وجهه مستدبرًا القبلة ويصلي عليه ما شاء، ويتحول قدر ذراع حتى يحاذي رأس الصديق -رضي اللَّه تعالى عنه- ويقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللَّه، السلام عليك يا صاحب رسول اللَّه في الغار، السلام عليك يا رفيقه في الأسفار، السلام عليك يا أمينه في الأسرار، جزاك اللَّه عنا أفضل ما جزى إماما عن أمة نبيه، ويتحول إلى قبر عمر ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مظهر الإسلام، السلام عليك يا مكسر الأصنام جزاك اللَّه عنا أفضل الجزاء. . . . إلى آخره. المرجع السابق [١/ ٦١٦].
(٢) ناحت الحمامة نوحًا ونواحًا: سجعت، فهي نائحة ونوَّاحة، والمرأة على الميت: بكت عليه بجزع وعويل.
[ ١ / ٣٧ ]
عليه صلاة اللَّه (^١) ما لاح بارق … وما ناح طير في الغصون وما غنى
شعر:
بجاه النبي المصطفى أتوسل … وما لي سواه في الممات موئل
ومن ذا الذي أرجو لإدراك بغية … النهاية دون الورى أتوصل
إذا نابني أمرا فليس لي … على غيره دون الأنام معول
إذا قيل هذا يرتجى فضل جاء منه … فجاه رسول اللَّه أعلى وأفضل
ومن يرتجى في الحشر والرسل قد جُنَّت … من الخوف يرجى غيره أو يؤمل
إذا زل بالآمال غيري فإنني … لغير رسول اللَّه لا (اتدنك) (^٢)
_________________
(١) في كيفية الصلاة على النبي ﷺ روى مسلم في صحيحه [٦٥ - (٤٠٥)] كتاب الصلاة، [١٧] باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، عن أبي مسعود الأنصاري، وفيه عن رسول اللَّه ﷺ: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم". قال النووي: قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هو بمعنى التطهير والتزكية، واختلف العلماء في الحكمة من قوله: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ قال القاضي عياض: أظهر الأقوال أن نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته ليتم النعمة عليهم كما أتمها على إبراهيم وعلى آله. وقيل: بل سأل ذلك لأمته، وقيل: بل ليبقى ذلك له دائمًا إلى يوم القيامة، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين كإبراهيم ﷺ. النووي في شرح مسلم [٤/ ١٠٧] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣٨ ]