والمعروف كل مناسب أن يتقرب به شرعًا والمنكر غيره.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (^١).
وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٢) الآية.
وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (^٣) الآية.
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٤) الآية.
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ (^٥) الآية.
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (^٧).
_________________
(١) سورة آل عمران [١٠٤]. يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] منتصبة للقيام بأمر اللَّه في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة يعني المجاهدين والعلماء، وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول اللَّه ﷺ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ثم قال: "الخير اتباع القرآن وسنتي رواه ابن مردويه. "تفسير ابن كثير [١/ ٣٩٠] ".
(٢) سورة آل عمران [١١٠].
(٣) سورة الأعراف [١٩٩]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يعني خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات، قاله السدي. وقال الضحاك عن ابن عباس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أنفق الفضل، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أمره اللَّه بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير، قال البخاري: قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ العرف المعروف. "تفسير ابن كثير [٢/ ٢٨٤] ".
(٤) سورة التوبة [٧١].
(٥) سورة المائدة [٧٨].
(٦) سورة الكهف [٩٤]. يقول تعالى لرسوله ﷺ: وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] هذا ما باب التهديد والوعيد الشديد. "تفسير ابن كثير [٣/ ٨٣] ".
(٧) سورة الحجر [٩٤]. =
[ ١ / ٢٦١ ]
وقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (^١) الآية، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (^٢).
وروينا فيه أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "ما من نبي بعثه اللَّه في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون (^٣) فمن جاهدهم بيده فهر مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (^٤).
وروينا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵄ قال: "بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه -تعالى- فيه
_________________
(١) = يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به وإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به كما قال ابن عباس في قوله ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي أمضه، وفي رواية: افعل ما تؤمر، وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة. "تفسير ابن كثير [٢/ ٥٧٦] ".
(٢) سورة الأعراف [١٦٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٧٨ - (٤٩)] كتاب الإيمان، [٢٠] باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، والترمذي في سننه [٢٧٢] كتاب الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب، والنسائي [٨/ ١١١، ١١٢ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٣/ ٢٠، ٤٩، ٥٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٣٧]، وابن عبد البر في التمهيد [١٠/ ٢٦٠].
(٤) قال النووي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين، كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف، قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٢٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٨٠ - (٥٠)] كتاب الإيمان، [٢٠] باب يان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وأحمد في مسنده [١/ ٤٥٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٩٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٧]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ٣٦].
[ ١ / ٢٦٢ ]
برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في اللَّه لومة لائم" (^١).
المَنْشَط والمَكْرَه بفتح ميميهما: أي السهل والصعب. والأثرة: الاختصاص بالمشترك، وبَوَاحًا: ظاهرًا لا يحتمل تأويلًا، فشرط الإنكار كون المنكر كُفرًا بواحًا (^٢) أن يكون فيه برهان من اللَّه، أي دليل جلي لا يقبل الاجتهاد، وأن رعاية القلوب ليست عذرًا.
فالمؤمن لا يخاف في اللَّه لومة لائم، بل يقول الحق ولو كره المشركون.
وروينا في صحيح البخاري (^٣) من حديث النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا: "مثل القائم في حدود اللَّه -تعالى- والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان الذين في إسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" (^٤).
معنى القائم في حدود اللَّه: المنكر لها في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٤١ - (١٧٠٩)] كتاب الإمارة، [٨] باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، وقال النووي: المراد بالمبايعة المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم اللَّه -تعالى- من عظيم الجزاء، قال اللَّه - تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية.
(٢) بواحًا بالواو، وفي بعض النسخ براحًا والباء مفتوحة فيهما، ومعناهما كفرًا ظاهرًا، والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومحنى عندكم من اللَّه فيه برهان: أي تعلمونه من دين اللَّه -تعالى- ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. "شرح مسلم للنووي [١٢/ ١٨٩] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) رواه البخاري في صحيحه [٢٤٩٣] كتاب الشركة، [٦] باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه؟، ورقم [٢٦٨٦] كتاب الشهادات، [٣٠] باب القرعة في المشكلات.
(٤) أخرجه البخاري وقد تقدم، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٦٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٨٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢٢٥]، والقرطبي في تفسيره [١٦/ ٨٦]، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة [٦٩].
[ ١ / ٢٦٣ ]
نهى اللَّه عنه، واستهموا: اقترعوا، فالأخذ على يد العاصي أهم مهم؛ لأنه كمنع خارق السفينة من خرقها المهلك لجميع من فيها عن عال أو سافل.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أم سلمة مرفوعًا: "يستعمل عليكم أمراء فتعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ (^١)، ومن أنكر فقد سلم" ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" (^٢) وفي رواية: قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة (^٣) ".
ومعناه من كره بقلبه، ولم يستطع إنكارًا بيده ولا لسانه فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضى بفعلهم وتابعهم عليه فهو عاص، فالعجز مع الأمراء ونحوهم عذر سقط غير إنكار القلب، وأن العجز عبارة عن توقف التغير عليه مقابلة ونحوها لم يأذن فيها أرباب الشوكة المطاعة.
وروينا في الصحيحين (^٤) من حديث زينب بنت جحش أم المؤمنين: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ (^٥) قال: "نعم، إذا كثر الخبث".
_________________
(١) من كره فقد برئ، فظاهره ومعناه من كلره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره يده ولا بلسانه، فليكرهه بقلبه وليبرأ، وأما من روى فمن عرف فقد برئ فمعناه -واللَّه أعلم- فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيده أو بلسانه، فإن عجز فليكرهه بقلبه. "النووي في شرح مسلم [١٢/ ٢٠٣، ٢٠٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٦٢ - (١٨٥٤)]، [٦٣] كتاب الإمارة، [١٦] باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٦٥ - (١٨٥٥)]، [٦٦] كتاب الإمارة، [١٧] باب خيار الأئمة وشرارهم، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٥٨]، والدارمي في سننه [٢/ ٣٢٤]، وابن أبي عاصم في السنة [٢/ ٥٠٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٦٧٠].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٥٩] كتاب الفتن، [٤] باب قول النبي ﷺ: "ويل للعرب من شر قد اقترب"، ومسلم في صحيحه [١ - (٢٨٨٠)]، [٢] كتاب الفتن، [١] باب اقتراب فتح ردم يأجوج ومأجوج، والترمذي في مسنده [٦/ ٤٢٨] كتاب الفتن، باب ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج، وأحمد في مسنده [٦/ ٤٢٨]، ومالك في الموطأ [٩٩١]، والحميدي في مسنده [٣٠٨]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٧/ ٢٦٩].
(٥) قوله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "إذا كثر الخبث" هو بفتح الخاء والباء، وفسره الجمهور =
[ ١ / ٢٦٤ ]
قلت: وهو متأيد بمثال خرق السفينة السابق.
وروينا فيهما من حديث أبي سعيد الخدري السابق مرفوعًا (^١): "إياكم والجلوس في الطرقات" فقالوا: يا رسول اللَّه ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول اللَّه ﷺ: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه" قالوا: وما حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (^٢).
والمراد بكف الأذى من منكرات العين واليد واللسان وظن السوء.
وروينا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فطرحه وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللَّه ﷺ: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللَّه لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ (^٣).
قلت: وهذا بيان صفة تغيير اليد.
_________________
(١) = بالفسوق والفجور، وقيل: المراد الزنا خاصة، وقيل: أولاد الزنا، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا، ويهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، كان كان هناك صالحون. "النووي في شرح مسلم [١٨/ ٣، ٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) هذا الحديث كثير الفوائد، وهو من الأحاديث الجامعة، وأحكامه ظاهرة وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث، ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة، وظن السوء، واحتقار بعض المارين وتضييق الطريق، وكذا إذا كان القاعدون ممن يهابهم المارون أو يخافون منهم ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك لكونهم لا يجدون طريقا إلا ذلك الموضع. "النووي في شرح مسلم [١٤/ ٨٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٤٦٥] كتاب المظالم، [٢٢] باب أفنية الدور والجلوس فيها، والجلوس على الصعدات، ورقم [٦٢٢٩] كتاب الاستئذان، [٢] باب قول اللَّه - تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. . .﴾ الآية، ومسلم في صحيحه [٣ - (٢١٢١)] كتاب السلام، [٢] باب من حق الجلوس على الطريق رد السلام، ورقم [١١٤ - (٢١٢١)] كتاب اللباس والزينة، [٣٢] باب النهي عن الجلوس في الطرقات واعطاء الطريق حقه، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٦، ٤٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٨٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٥٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٦٤١]، والسيوطي في الدر المنثور [٥/ ٤١]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٢٤٨، ٧/ ٨].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٥٢ - (٢٠٩٠)، كتاب اللباس والزينة، [١١] باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٢٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٩٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٣٨٥].
[ ١ / ٢٦٥ ]
وروينا فيه أيضًا من حديث الحسن البصري: "أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "شرُّ الرِّعاء الحطمة" (^١)، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم" (^٢).
ففيه بيان تغيير اللسان، ولم يقل فيه: أنت منهم، وإنما حذَّره، ثم أنكر بلسانه ثانيًا.
وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (^٣).
ففيه التهديد البليغ ليُسمع، وفي أدنى من ذلك ما يزجر اللبيب.
وروينا في سنن أبي داود، وجامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (^٤).
_________________
(١) قوله ﷺ: "إن شر الرعاء الحطمة" قالوا: هو العنيف في رعيته لا يرفق بها في سَوْقها ومرعاها بل يحطمها في ذلك، وفي سقيها وغيره ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها ويحطمها، وقوله: "إنما أنت من نخالتهم" يعني لست من فضلائهم وعلمائهم وأهل المراتب منهم، بل من سقطهم، والنخالة هنا استعارة من نخالة الدقيق وهي قشوره، والنخالة والحقالة والحثالة بمعنى واحد، وقوله: "إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم" هذا من جزيل الكلام وفصيحه وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة كلهم هم صفوة الناس وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم وفيمن بعدهم كانت النخالة. "شرح مسلم للنووي [١٢/ ١٨١] طبعة دار الكنب العلمية".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٣ - (١٨٣٠)] كتاب الإمارة، [٥] باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، وأحمد في مسنده [٥/ ٦٤]، والطبراني ني المعجم الكبير [١٨/ ١٨]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٧/ ٧٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٦/ ١٣٩]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٢/ ٣٤٤].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢١٦٩] كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٨٩]، والطبراني في المعجم الكبير [١٠/ ١٨٠]، والشجري في أماليه [٢/ ٢٣١]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ١٢]، والسيوطي فى الدر المنثور [٢/ ٣٠١، ٣٤١].
(٤) أخرجه أبو داود في سننه [٤٣٤٤] كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، والترمذي [٢١٧٤]، وابن ماجه في سننه [٤٠١١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢٢٥]، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ٣٣٨]، والخطيب في تاريخ بغداد [٧/ ٢٣٨، ٢٣٩]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٦٤]، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح [١٣/ ٥٣].
[ ١ / ٢٦٦ ]
ورواه النسائي بإسناد صحيح من حديث طارق بن شهاب البجلي (^١) مرفوعًا: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ما هذا، اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ولا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: " ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: ٧٨] إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ " ثم قال: "كلا واللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنَّه على الحق قصرًا، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم بعضًا، ثم ليلعننكم كما لعنهم" (^٢) رواه الترمذي وحسنه بلفظ: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون".
قال: فجلس رسول اللَّه ﷺ وكان متكئًا فقال: "لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم (^٣) على الحق أطرًا" (^٤).
معنى تأطروهم تعطفونهم، ولتقصرنَّه: أي لتحبسنه.
ففيه وجوب تكرير الإنكار، ولا يسقط بمرة، وكيف يسقط وقد رأى المعصية تأتي كل يوم؟ ثم المواكلة والمجالسة تأنيس لا يناسب مُلابِسَ العصيان المصرّ عليه.
_________________
(١) طارق بن شهاب بن عبد شمس بن هلال بن سلمة بن عوف بن خثيم أبو عبد اللَّه أبو حية البجلي الأحمسي الكوفي البقري، رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة [٨٢، ٨٣]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٥/ ٣]، تقريب التهذيب [١/ ٣٧٦]، الكاشف [٢/ ٤٠]، أسد الغابة [٣/ ٧٠]، البداية والنهاية [٩/ ٥١]، تجريد أسماء الصحابة [١/ ٢٧٤]، سير أعلام النبلاء [٣/ ٤٨٦]، الوافي بالوفيات [١٦/ ٣٨٠].
(٢) أخرجه أبو داود في سننه [٤٣٣٦] كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، عن ابن مسعود، والترمذي في سننه [٣٠٤٨] كتاب تفسير القرآن، باب من سورة المائدة، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٩٣].
(٣) تأطروهم: أي حتى تمنعوا أمثالهم من أهل المعصية: أي لا تنجوا من العذاب حتى تميلوهم من جانب إلى جانب، مأخوذ من أطرت القوس إذا حنيتها: أي تمنعوهم من الظلم وتميلوهم عن الباطل إلى الحق فلا عذر لكم حتى تجبروا الظالم على الإذعان للحق.
(٤) أخرجه الترمذي [٣٠٤٧] كتاب الفتن، باب من سورة المائدة، وأحمد في مسنده [١/ ٣٩١]، والمنذري في الترغيب والترهب [٣/ ٢٢٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥١٤٨]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ١٥٢]، وابن كثير في تفسيره [٣/ ١٥٢]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٢/ ١٥٠].
[ ١ / ٢٦٧ ]
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة من حديث أبي بكر الصديق قال: "يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم اللَّه بعقاب منه"" (^١).
وفي موضع هذه الآية وجهان: أحدهما: وهو مذهب الصدّيق: أنها فيمن يخاف من كفر أو وقوع عصيان في الوجود، وثانيهما: وهو مذهب ابن مسعود: أنها فيمن سقط الإنكار عنهم، وفيه وجه ثالث: أنها لرفع فرض الإنكار في آخر الزمان، ولا شك أن الإنكار لا يسقط فرضه عند اجتماع شرائطه (^٢) وإذا سقط لانتفاء شرطه لم يضُر الضار إلا نفسه.