قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^٢).
يأمر بتخلية المعقود له على مرصد، إذا فعل ذلك.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه
_________________
(١) = وأنكره بعض المتأخرين، قال: لأنه خبر ولا يدخل النسخ الأخبار، وليس كما قال هذا المتأخر، فإنه وإن كان خبرًا فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تكن النفوس والتعبد بما أمرهم النبي ﷺ في الحديث بذلك، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذه أقوال وأعمال اللسان والقلب، ثم نسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٢٧] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أي لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه -تعالى- بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان. "تفسير ابن كثير [١/ ٣٤٢] ".
(٣) سورة التوبة [٥]. قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وروى البخاري في صحيحه عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن شهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها؛ لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم".
[ ١ / ٢٤٦ ]
تعالى" (^١).
وروينا في صحيح مسلم من حديث طارق بن أشيم (^٢) مرفوعًا: "من قال لا إله إلا اللَّه، وكفر بما يُعْبَدُ من دون اللَّه، حُزم ماله ودمه، وحسابه على اللَّه" (^٣).
وفيه وما قبله عصمة دم ومال من أسلم، وترك قتاله حكمنا ظاهر إيمانه، وما يفعله من مباني الإسلام (^٤).
وقوله: "وحسابهم على اللَّه" تصريح بأن الغيب للَّه، والظاهر هو الذي يعتمده البشر ليس إلا، ولإيراد هذا الحديث بعد الأول فوائد: أحدها: إيضاح أنه لا فرق بين مقاتل وسالم في ذلك.
ثانيها: بيان أن القول هو المراد بالشهادة المذكورة في الأول.
ثالثها: إن عصمة الدم والمال على سبيل التحريم المحتم.
رابعها: أنه عصمة منه ﵇ ومن كل أحد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٥] كتاب الإيمان، [١٧] باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ومسلم في صحيحه [٣٦ - (٢٢)] كتاب الإيمان، [٨] باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. . . .، وأبو داود [١٥٥٦، ٢٦٤٠]، والترمذي [٢٦٠٦، ٢٦٠٧]، والنسائي [٧/ ٧٧، ٧٨ - المجتبى] وابن ماجه [٣٩٢٧، ٣٩٢٨].
(٢) طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي والد أبي مالك سعد بن طارق، صحابي له أحاديث، أخرج له البخاري في الأدب، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. ترجمته: تهذيب التهذيب [٥/ ٢]، تقريب التهذيب [١/ ٣٧٦]، والكاشف [٢/ ٤٠]، أسد الغابة [٣/ ٦٩]، الإصابة [٣/ ٥٠٧]، الوافي بالوفيات [١٦/ ٣٨٠].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٧ - (٢٣)] كتاب الإيمان، [٨] باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه. . . .، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ١٣٨١] والزيلعي في نصب الراية [٣/ ٣٨٠].
(٤) قال النووي: اعلم أن هذا الحديث بطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد، ثم ذكرها النووي ومنها: أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول اللَّه ﷺ، وقد جمع ذلك ﷺ بقوله: "أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه ويؤمنوا بي وما جئت به" وفيه: وجوب الجهاد، وفيه: صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف، وفيه: أن الأحكام تجري على الظاهر، واللَّه -تعالى- يتولى السرائر، وفيه: جواز القياس والعمل به، وفيه: وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلًا كان أو كثيرًا، وفيه: وجوب قتال أهل البغي، وفيه: وجوب الزكاة في السخال، وفيه: قبول توبة الزنديق. "مختصرًا من شرح مسلم للإمام النووي [١/ ١٨٨، ١٨٩] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢٤٧ ]
وفي الحديثين بيان الأسباب، والمحل إما محل الحكم، والظاهر بالدنيا فقط، وأما الآخرة، فمدار الحقائق كما يشعر به قوله: "وحسابهم على اللَّه".
وأما الأسباب فمنها: الاستصحاب كما في قوله: "أُمرت أن أقاتل" أي لأن الأصل عدم إيمانهم.
ومنها: إخبار العالم كما في ضميره الذي لا يعلم ما فيه إلا من جهته كما في قوله: "حتى يقولوا أو يشهدوا".
ومنها: اعتناء من أُمر بأعمال هي زاده ليوم مَعَاده بحيث يشق تضييع مثلها، فالتهاون في شرط أو فرض منها، كما في قوله: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة".
وروينا في الصحيحين من حديث أبي معبد مقداد بن الأسود (^١) قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ: أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت للَّه، أأقتله يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (^٢).
معناه أنه معصوم الدم، محكوم بإسلامه، وأنت مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر.
وفيه ذكر بعض ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر وهو شهوة الانتقام المشعر به قوله: قطع إحدى يديه، ثم قال ذلك بعد ما قطعها.
وقوله: "وإنك بمنزلته قبل أن يقولها" (^٣) أبلغ منقد وزاجر عن إلغاء قوله
_________________
(١) المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي وكان حليفًا لبني زهرة، وكان ممن شهد بدرًا مع رسول اللَّه ﷺ، فالمقداد هذا هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة، هذا نسبه الحقيقي، وكان الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة قد تبناه في الجاهلية، فنسب إليه وصار به أشهر وأعرف، وكان المقداد ﵁ من أول من أسلم، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵄: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة منهم: المقداد، وهاجر إلى الحبشة، يكنى بأبي الأسود وقيل أبا عمرو، وقيل أبا معبد، واللَّه أعلم.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٨٦٥] كتاب الديات، مقدمته باب [١]، ومسلم في صحيحه [١٥٥ - (٩٥)] كتاب الإيمان، [٤١] باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا اللَّه، وأبو داود [٢٦٤٤]، وأحمد في مسنده [٦/ ٤، ٦/ ١٩٧]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٢/ ٣٧٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٤٤٩]، والألباني في إرواء الغيل [٨/ ١٣٦].
(٣) قال النووي: اختلف في معناه، فأحسن ما قيل فيه، وأظهره ما قاله الإمام الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما أن معناه: فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا اللَّه كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله إلا اللَّه، قال ابن =
[ ١ / ٢٤٨ ]
الذي هو مظنة إيمانه.
وروينا فيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" قلت: يا رسول اللَّه إنما كان متعوذًا، قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه" فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (^١).
وفي رواية: فقال رسول اللَّه ﷺ: "أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته؟ " قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ (^٢)، ومعنى مُتعوِّذًا: معتصمًا بها من القتل، لا معتقدًا لها.
وفيه ذكر ما يصرف عنه وهي أنه قالها متعوذًا خوفًا من السلاح، وبيان حكمة الحكم بالظاهر، وهي سلامة مهجة الصادق كما يشير إليه قوله: "حتى تعلم أقالها خوفًا من السلاح أم لا".
وفيه أيضًا بيان سبب مشروعية الحكم بالظاهر، وهو قصور السر عن الاطلاع
_________________
(١) = القصار: يعني لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٩١] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٨٧٢] كتاب الديات، [٢] باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢]، ومسلم في صحيحه [١٥٩ - (٩٦)] كتاب الإيمان، [٤١] باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا اللَّه، وأحمد بن حنبل في مسنده [٥/ ٢٠٠]. قوله ﷺ: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" الفاعل في قوله: "أقالها" هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان وقال: "أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب، يعني ولا تطلب غيره. وقوله: حتى تمنيتُ أني أسلمت يومئذ، معناه لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو ما تقدم. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٨٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٥٨ - (٩٦)] كتاب الإيمان، [٤١] باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا اللَّه، وأبو داود في سننه [٢٦٤٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٩، ١٩٢]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ٢٠٠]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٠/ ١٢٢]، وابن عبد البر في التمهيد [١٠/ ١٦١].
[ ١ / ٢٤٩ ]
على حقائق الأمور كما يشعر به قوله: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم".
وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد اللَّه (^١) ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته -قال: وكنا نحدِّث أنه أسامة بن زيد- فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا اللَّه، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: "لم قتلته؟ " قال: يا رسول اللَّه أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا -وسمى له نفرًا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ: "أقتلته؟ " قال: نعم، قال: "فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول اللَّه استغفر لي (^٢)، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟ " (^٣).
وفيه ذكر ما يصرف عنه من غيره الإسلام، وحدَّة حميَّته لأهل دينه، كما يشعر قوله: "أوجع وقتل من المسلمين" كما يشعر به قوله: وإني حملت عليه، والتهمة المشعرة بها قوله: فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه (^٤).
_________________
(١) جندب بن عد اللَّه بن سفيان، أبو عبد اللَّه أبو سفيان البجلي العلقي الأحمسي، صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة. ترجمته: تهذيب التهذيب [٢/ ١١٧]، تقريب التهذيب [١/ ١٣٤، ١٣٥]، الكاشف [١/ ٨٨]، تاريخ البخاري الكبير [٢/ ٢٢١]، الجرح والتعديل [٢/ ٢١٠٢]، أسد الغابة [١/ ٣٦١] تجريد أسماء الصحابة [١/ ٩١]، الإصابة [١/ ٥٠٨]، الوافي بالوفيات [١١/ ١٩٣]، سير الأعلام [٣/ ١٧٤]، الثقات [٣/ ٥٦].
(٢) أما كونه ﷺ لم يوجب على أسامة قصاصًا ولا دية ولا كفارة، فقد يستدل به لإسقاط الجميع، ولكن الكفارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة؛ فإنه ظنه كافرًا، وظن أن إظهاره كلمة التوحيد في هذا الحال لا يجعله مسلمًا، وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء، ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور، بل هي على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأما الدية على قول من أوجبها فيحتمل أن أسامة كان في ذلك الوقت معسرًا. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٩١] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٦٠ - (٩٧)] كتاب الإيمان، [٤١] باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا اللَّه، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٤٥١]، وابن كثير في تفسيره [٣/ ٥٩٨]، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح [١٢/ ٣٠١].
(٤) روى مسلم في صحيحه [٤٣ - (٢٦)] كتاب الإيمان، [١٠] باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، عن عثمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله =
[ ١ / ٢٥٠ ]
وفيه وجه بليغ من وجوه: أحدها: قوله: "كيف تصنع بها"، وثانيها: قوله: "إذا جاءت يوم القيامة، ثالثها: الإعراض عن الاستغفار له، ورابعها: تكرير ذلك والتأوه منه.
وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم (^١)، فمن أظهر لنا خيرًا أَمنَّاهُ وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة".
وفيه أن المانع من الحكم بالظاهر إنما هو يقين الوحي، ونحوه كلام عيسى وصاحب جريج وشاهد يوسف (^٢) وأن مجرد الاحتمالات لا تصلح مانعًا، كما يشعر به قول الفاروق: "وليس لنا من سريرته شيء" وفيه أن الأعمال البشرية إذا تعارضت مع دعوى الخيرية قدمنا الأعمال كما هو جلي من قوله لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة.
وحاصل الأحاديث إيجاب الحكم بالظاهر مرتبًا على سببه وملازمه، وبيان الأسباب ومحل الحكم بالظاهر، وبيان ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر، وحكمة الحكم بالظاهر، وفائدته وما يزجر عن تركه، وسبب مشروعيته، وما يمنع منه، وما لا يصلح مانعًا، وترجح أحد المتعارضين وسنته ذلك قتال الناس حكمًا بان لا أمان لهم بأنه الظاهر على فترة من الرسل، ومثله الإغارة على من لا أذان (^٣) فيهم حكمًا
_________________
(١) = إلا اللَّه دخل الجنة"، وقال النووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين أن أهل الذنوب في مشيئة اللَّه -تعالى- وأن كل من مات على الإيمان وتشهد مخلصًا من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة.
(٢) روى أبو داود في سننه [٣٥٨٦] كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ عن ابن شهاب أن عمر ﵁ قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول اللَّه ﷺ مصيبًا؛ لأن اللَّه كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف.
(٣) روى الحاكم في المستدرك [٢/ ٤٩٧]، عن ابن عباس قال: "تكلم في المهد أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم"، ورواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "تكلم أربعة وهو صغار. . . . " الحديث، إلا أن الألباني ذكره في سلسلة الأحاديث الضعيفة [٢/ ٢٧٢] رقم [٨٨٠].
(٤) روى البخاري في صحيحه [٦١٠] كتاب الأذان، [٦] باب ما يحقن بالأذان من الدماء، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. . . " الحديث.
[ ١ / ٢٥١ ]
بكفرهم لأنه ظاهر الإخلال بشعار الدين بعد أن ضرب الإيمان بجرابه، وفيها غير ذلك مما لا يخفى على متأمل ومستوضح ومتمهل.