قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (^٤).
_________________
(١) سورة الصف [٢، ٣]. إنكار على من يعد وعدًا أو يقول قولًا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجوا أيضًا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان". "تفسير ابن كثير [٤/ ٣٥٧] ".
(٢) قوله ﷺ: "فتندلق أقتاب بطنه" هو بالدال المهملة، قال أبو عبيد: الأقتاب الأمعاء، قال الأصمعي: واحدها قتبة، وقال غيره: قتب، وقال ابن عيينة: هي ما استدار في البطن وهي الحوايا والأمعاء وهي الأقصاب، واحدها قصب، والاندلاق خروج الشيء من مكانه. "النووي في شرح مسلم [١٨/ ٩٢] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٥١ - (٢٩٨٩)] كتاب الزهد والرقائق، [٧] باب عوقبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله.
(٤) سورة النساء [٥٨]. يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه أحمد وأهل السنن وهو يعم الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق اللَّه ﷿ على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض =
[ ١ / ٢٦٩ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] (^١).
وهو دال على تعظيم أمر الأمانة، وتفخيم شأنها. والمراد بالأمانة الطاعة والأحكام؛ لأنها لازمة كما أن الأمانة لازمة الأداء، ومنهم من فسّرها بالتوحيد أو أدلته، ومباني الإسلام، أو أن لا يغتاب مسلمًا، أو حفظ الفرج، أو غسل الجنابة، وكله واضح، وعرض ذلك على الجمادات إما لعقل خلق لها حينئذ، وإما على سبيل العرض والتمثيل، أو المراد أهلها، وإباؤها من حيث أنه عرض لا إلزام بدليل: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] في الإلزام. وحمل الإنسان لها إن كان منع أدائها فالظلم والجهل له لائح، وإن كان لحمله والتزامه فهو ظلوم لنفسه الضعيفة، جهول بما في الأمانة من الشدة، وما لها من خطر العاقبة.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^٢): "آية المنافق ثلاث" منها "وإذا ائتمن خان"، وقد سلف في الكلام على الوفاء بالعهد.
وروينا فيهما من حديث حذيفة وقد سلف هناك بطوله، وأن محل الأمانة جذر (^٣) قلوب الرجال، وأنها ترفع، وتارة تبقى لها أثر، حينئذ (تأولو) (^٤) كنت، وتارة لا تبقى بل كأثر المجل.
_________________
(١) = كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر اللَّه ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة. تفسير ابن كثير [١/ ٥١٥].
(٢) سورة الأحزاب [٧٢].
(٣) الحديث تقدم من قبل، وقال النووي: وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار؛ فإن إخوة يوسف ﵇ جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه -بحمد اللَّه تعالى- إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. "النووي في شرح مسلم [٢/ ٤٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أما الجذر فهو بفتح الجيم وكسرها لغتان، وبالذال المعجمة فيهما وهو الأصل، قال القاضي عياض ﵀: مذهب الأصمعي في هذا الحديث فتح الجيم، وأبو عمر يكسرها، وأما الأمانة فالظاهر أن المراد بها التكليف الذي كلف اللَّه -تعالى- به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم، قال الإمام أبو الحسين الواحدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]: قال ابن عباس ﵄ هي الفرانض التي افترضها اللَّه -تعالى- على العباد، وقال الحسن: هو الدين، والدين كله أمانة. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٤٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٥) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وقوله حتى يقال للرجل ما أجمله! ما أظرفه! وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، إشعار بانتفاء الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا أمانة له. وفيه أن رفع الأمانة وقع في زمن حذيفة، وسلف فيه حديث حذيفة وأبي هريرة، وأن الأمانة والرحمة يقومان مقام جنبتي الصراط، وليس إلا لإنجائهما من قام بحقها وإخلائهما من ضيعهما، وأي ترغيب وترهيب مثل هذا، وسلف في حديث عبد اللَّه بن الزبير الطويل، وفيه: أن الاستعانة بالمولى -سبحانه- تزيل كربة معسرها (^١) وأن حرص الزبير ووصيته المبادرة بقضاء دينه، وحرص وصيته على ذلك أعقب ما لم يكن يحتسب من بركة لا توصف، ثم حساب الدين وضبطه والنداء في الموسم سنين، وهذه أفعال المؤمن الناصح الصادق.
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٣٤٥] عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم". وروى أبو داود [١٥٢٥] عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ: "ألا أعلمك كلمات تقوليهنَّ عند الكرب -أو في الكرب- اللَّه اللَّه ربي لا أشرك به شيئًا".
[ ١ / ٢٧١ ]