والمراد بها ما خالف الحق أو تردد في الصدر أو أنكره القلب أو ردَّته الشريعة.
وهي في اللغة ما ليس له مثال سابق، ومن هذا السنَّة الحسنة (^١) وغيرها.
واللغوية هي التي انقسمت إلى الأحكام الخمسة، وكل بدعة ليست شرعية فضلالة.
قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (^٢) فلا واسطة بينهما، فمن أخطأ الحق وقع في الضلال.
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣) فكل شيء فيه خير ما، فالكتاب المجيد مشتمل عليه لم يفعل ولم يترك بناء على أن الكتاب القرآن، وهو مذهب الجمهور، لا الأجل ولا اللوح المحفوظ.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٤) أي الكتاب والسُّنَّة، فيجب الرد إليهما إذ ذلك.
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه [٦٩ - (١٠١٧)] كتاب الزكاة، [٢٠] باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، عن جرير بن عبد اللَّه، وفيه: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"، وقال النووي: فيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وفيه الحث على استحباب سن الأمور الحسنة وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقًا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك. "النووي في شرح مسلم [٧/ ٩٢]، [١٦/ ١٨٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) سورة يونس [٣٢].
(٣) سورة الأنعام [٣٨].
(٤) سورة النساء [٥٩]. قال مجاهد وغيره من السلف: أي إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهذا أمر من اللَّه ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الصحة. "تفسير ابن كثير [١/ ٥١٨] ".
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية، فاتباع السبيل مفوق عن الإسلام الذي هو صراط أهل الأيمان الموصل إلى أعالي الجنان.
وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (^١)، فمن أحب اللَّه اتبع رسوله، ومن اتبعه أحبه اللَّه، فأقبح بالبدعة الصادة عن الحق، ولا خير فيها ولا مرجع إلى اللَّه ورسوله، ولا اتباع بها لصراط اللَّه بل لسبيل يفرق عن سبيل اللَّه، ويبعد عن محبة اللَّه، أعاذنا اللَّه منها بمنه.
والآيات في الباب كثيرة معروفة.
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا مشهورة منها:
حديث العرباض السالف في المحافظة على السنَّة، فهو خامة مرتعها قاتل لا يستردف (^٢) سُم، ولا أرجى منه ولا أهلك.
ومنها حديث عائشة مرفوعًا: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^٣) أخرجاه.
ولمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٤) أي فهو زيف مردود لا يتوصل به إلى خير دنيا ولا أخرى.
ومنها حديث جابر ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: "بُعثت والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد، فإن
_________________
(١) سورة آل عمران [٣١]. هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة اللَّه وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". "تفسير ابن كثير [١/ ٣٥٨] ".
(٢) أردف الشيء بالشيء: أتبعه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٣/ ٢٤١]، ومسلم في صحيحه [١٧ - (١٧١٨)] كتاب الأقضية، [٨] باب نفض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، وأبو داود [٤٦٠٦] كتاب السنة، باب في لزوم السنة، وابن ماجه في سننه [١٤] في المقدمة، [٢] باب تعظيم حديث رسول اللَّه ﷺ والتغليظ على من عارضه، وأحمد في مسنده [٦/ ٢٤٠، ٢٧٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٩، ١٥٠، ٢٥١]، والدارقطني في السنن [٤/ ٢٢٥]، والتبريزي في المشكاة [١٤٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٨٣].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٨/ ١٧١٨] كتاب الأقضية، [٨] باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، وكذلك رواه البخاري في صحيحه [٣/ ٩١، ٩/ ١٣٢]، وأحمد في مسنده [٦/ ١٦، ١٨٠]، والدارقطني في السنن [٤/ ٢٢٧]، والقرطبي في تفسيره [٣/ ٣٥٦، ٦/ ٣٣].
[ ١ / ٢٥٣ ]
خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (^١) ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا لأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ" (^٢) أخرجه مسلم.
فالمحدث شرّ الأمور المؤذي للدين والقلب، إذ كله ظلم وغل.