لغير سبب شرعي، أو زاثد على قدر الأدب، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (^١) الآية.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا (^٢): "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش (^٣) الأرض". أخرجاه.
وخشاش الأرض بالخاء المعجمة المثلثة، وبالشين المعجمة المكررة: هوامُّها وحشراتها.
وفيه تنبيه على أن الخسيس في التعذيب كالجوع ونحوه كالنفيس، وما أشد الجزاء بالنار.
وروينا من حديثه أيضًا أنه مرَّ بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير لكل خاطئة من نبلهم. فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن اللَّه من فعل هذا، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لعن اللَّه من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا" (^٤) أخرجاه.
والغرض بفتح الغين المعجمة، والراء: الهدف، والشيء الذي يرمي إليه الفتية.
_________________
(١) = بأس بالمسارة والمناجاة. ومسلم في صحيحه [٣٧ - (٢١٨٤)] كتاب السلام، [١٥] باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه.
(٢) سورة النساء [٣٦].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٣٦٥] كتاب المساقاة، [١٠] باب فضل سقى الماء. ورقم [٣٤٨٢] كتاب بدء الخلق، [١٦] باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. ورقم [٣٤٨٢] كتاب أحاديث الأنبياء، باب [٥٦]، ومسلم في صحيحه [١٣٣ - (٢٢٤٢)] كتاب البر والصلة والآداب، [٣٧] باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي. وأحمد في مسنده [٢/ ٤٥٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٢١٤، ٨/ ١٣].
(٤) خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة وكسرها وضمها حكاهن في المشارق، والفتح أشهر، وروى بالحاء المهملة، والصواب المعجمة وهي هوام الأرض وحشراتها كما وقع في الرواية الثانية، وقيل: المراد به نبات الأرض وهو ضعيف أو غلط. وفي الحديث دليل تحريم قتل الهرة وتحريم حبسها بغير طعام أو شراب. [النووي في شرح مسلم [١٤/ ٢٠١] طبعة دار الكتب العلمية].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٥١٥] كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، [٢٥] باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة ومسلم في صحيحه [٥٩ - (١٩٥٨)] كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، [١٢] باب النهي عن صبر البهائم. وأحمد في مسنده [٤/ ١٤١].
[ ١ / ٤٢٩ ]
ولا فرق بين الفتى والكهل (والجعل) (^١) ودونه، والرمي بالنبل ودونه، ورمي التمرن وغبره في اللعنة، وروينا من حديث أنس: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن تصبر البهائم" (^٢) أخرجاه.
ومعناه تحبس للقتل، ويدخل فيه أي صابر كان وأي بهيمة كانت، وأي صبر وجد.
وروينا من حديث أبي على سويد بن مقرن قال: لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا.
"فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نعتقها" (^٣) أخرجه مسلم.
وفي رواية: سابع أخوة لي.
وهو ظاهر في الأمر بالعتق، يعتق من لطمها أصغر السن، واستواء الصبي والسيد وابنه والخادم وغيره. واللطم وغيره في ذلك، وأن جزاء ذلك إزالة الملك (^٤)، كما قيل به في ناقة لعنت، ومعصفر لبسه رجل، وسواء ما يقوم غيره مقامه أم لا.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٥١٣] كتاب الذبائح والصيد والتسمية [٢٥] باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة ومسلم في صحيحه [٥٨ - (١٩٥٦)] كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، [١٢] باب النهي عن صبر البهائم. قال النووي: صبر البهائم هو حبسها لتقتل برمي ونحوه، وقال العلماء: صبر البهائم أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه وهو معنى: "لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا" أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها. وهذا النهي للتحريم. [النووي في شرح مسلم [١٣/ ٩١] طبعة دار الكتب العلمية].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٢ - (١٦٥٨)] كتاب الإيمان، [٨] باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده. وأبو داود في سننه [٥١٦٦] كتاب الأدب باب في حقوق المماليك. والترمذي في سننه [١٥٤٢] كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الرجل يلطم خادمه، والنسائي في الكبر في العتق.
(٤) أجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبًا وإنما مندوب رجاء كفارة ذنبه، فيه إزالة إثم ظلمه، وقال القاضي عياض: "وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه مثل هذا الأمر الخفيف، قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح منهك لغير موجب لذلك أو حرقة بنار أو قطع عضو له أو أفسده أو نحو ذلك مما فيه مثله؛ فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك ويكون ولاؤه له ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه. [النووي في شرح مسلم [١١/ ١٠٦] طبعة دار الكتب العلمية].
[ ١ / ٤٣٠ ]
وروينا من حديث أبي مسعود ﵁ قال: كنت اضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود" فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذ هو رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يقول: "اعلم أبا مسعود أن اللَّه أقدر عليك منك على هذا الغلام" فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا (^١).
وفي رواية: "فسقط السوط من يدي من هيبته" (^٢).
وفي رواية: فقلت: يا رسول اللَّه هو حر لوجه اللَّه، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار" (^٣).
أخرجه مسلم بهذه الروايات كلها.
وافهم أنه لا فرق في المعذب بين بدري وغيره، ملكه وغيره، ولا في المعذب بين غلام وجارية، ولا في العذاب بين ضرب وغيره.
وأن جزاءه أن تلفح النار من لم يعتقه.
وفي قوله: "إن اللَّه أقدر عليك منك على هذا الغلام" (^٤).
تذكير بليغ وعبره وموعظة رادعة، وتهديد زاجر.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من ضرب غلاما له حدًّا لم يأته أو لطمه كان كفارته أن يعتقه" (^٥). أخرجه مسلم.
وروينا من حديث هشام بن حكيم بن حزام ﵄ أنه مرَّ بالشام على أناس من الأنباط، وقد أُقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٤ - (١٦٥٩)] كتاب الأيمان، [٨] باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده. وأبو داود في سننه [٥١٥٩] كتاب الأدب باب في حقوق المماليك. والترمذي في سننه [١٩٤٨] كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم، وأحمد في مسنده [٤/ ١٢٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢١١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٤/ ٢١٨].
(٢) انظر ما تقدم قبل هذا.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٥ - (١٦٥٩)] كتاب الأيمان، [٨] باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده.
(٤) قول ﷺ: "أعلم أبا مسعود أن اللَّه أقدر عليك منك على هذا الغلام" قال النووي: فيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتنبيه على استعمال العفو وكظم الغيظ والحكم كما يحكم اللَّه على عباده. [النووي في شرح مسلم [١١/ ١٠٩] طبعة دار الكتب العلمية].
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٠ - (١٦٥٧)] كتاب الأيمان، [٨] باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده. وأحمد في مسنده [٢/ ٤٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢١١]، والبخاري في الأدب المفرد [١٨٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٣٥٢].
[ ١ / ٤٣١ ]
فقال: ما هذا؟
قيل: يعذبون في الخراج، وفي رواية: "حُبِسُوا في الجزية".
فقال هشام: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، فدخل على الأمير فحدثه.
فأمرهم فخلُوا (^١). أخرجه مسلم.
والأنباط: الفلاحون من العجم.
وفيه أنه لا فرق في المعذب بين الأمير وغيره ولا في المعذب بين المديون وغيره في الخراج وغيره، المسبي والذمي وغيرهما، والجزاء من جنس العمل سيجزيهم وصفهم.
وروينا من حديث ابن عباس ﵄ قال: رأى رسول اللَّه ﷺ حمارا موسوم (^٢) الوجه، فأنكر ذلك، فقال: "فواللَّه لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه" فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين (^٣) وهما حرفا الوركين حول الدبر.
وروينا من حديث جابر أنه ﵇ مر عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال: "لعن اللَّه الذي وسمه" (^٤) أخرجه مسلم.
وفي رواية له: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [١١٧، ١١٨ (٢٦١٣)] كتاب البر والصلة والآداب، [٣٣] باب الوعد الشديد لمن عذب الناس بغير حق. وأبو داود في سننه [٣٠٤٥]، وأحمد فى مسنده [٣/ ٤٠٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٢٠٥]، وابن حبان في صحيحه [١٥٦٧ - الموارد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢١٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٥٢٢].
(٢) الوسم: فبالسين المهملة، هذا هو الصحيح المعروف في الروايات وكتب الحديث، قال القاضي ضبطه بالمهملة، قال: وبعضهم يقول بالمهملة والمعجمة، وبعضهم فرق فقال بالمهملة في الوجه وبالمعجمة في سائر جسده، وأما الجاعرتان فهما حرفا الورك المشرفان مما يلي الدبر. [النووي في شرح مسلم [١٤/ ٨١] طبعة دار الكتب العلمية].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٨ - (٢١١٨)] كتاب اللباس والزينة، [٢٩] باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٧ - (٢١١٧)] كتاب اللباس والزينة، [٢٩] باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٦ - (٢١١٦)] كتاب اللباس والزينة، [٢٩] باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.
[ ١ / ٤٣٢ ]