قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (^٤) الآية.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (^٥) الآية.
فالرياء يبطل العمل إبطالا يضرب به المثل، ونضرب بمثله الأمثال.
_________________
(١) سورة البقرة (٢٧٥).
(٢) سورة البقرة (٢٧٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٥ - (١٥٩٧)] كتاب المساقاة، [١٩] باب لعن آكل الربا وموكله، وأبو داود في سننه (٣٣٣٣) كتاب البيوع، باب في آكل الربا وموكله، والترمذي في سننه (١٢٠٦) كتاب البيوع، باب ما جاء في أكل الربا، والنسائي (٨/ ١٤٧ - المجتبى)، وابن ماجه في سننه (٢٢٧٧)، وأحمد في مسنده (١/ ٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٨٥، ٩/ ٣٣٦)، وابن حبان في صحيحه (١١١٢ - الموارد)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٥٣٩)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٢٨٠٧)، والزبيدي في الإتحاف (٥/ ٤٤٦)، والسيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٦٧).
(٤) سورة البينة (٥).
(٥) سورة البقرة (٢٤٦). أخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما بقي ثواب الصدقة بخطيئة المن والاذى، ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه اللَّه، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية مع قطع نظره عن معاملة اللَّه تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه. [تفسير ابن كثير (١/ ٣١٨)].
[ ١ / ٤٣٦ ]
وقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (^١) الآية. فهو شأن المنافقين، وكفى به مقتا.
وروينا من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول حكاية عن اللَّه تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (^٢) أخرجه مسلم. وما أشد الإعراض.
وروينا عنه مرفوعا (^٣): "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن (^٤). قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسَّع اللَّه عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق لك فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار" (^٥) أخرجه مسلم.
وفيه الاهتمام بهؤلاء الثلاثة؛ إذ هم أول من يقضى فيهم، وما أقبح التوبيخ
_________________
(١) سورة النساء (١٤٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٤٦ - (٢٩٨٥)] كتاب الزهد والرقائق، [٥] باب من أشرك في عمله غير اللَّه، والشجري في أماليه (٢/ ٢٢٣)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦٩)، والزبيدي في الإتحاف (٨/ ٢٦٣، ١٠/ ٥١، ٦٣)، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤/ ٢٤١).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٥٢ - (١٩٠٥)] كتاب الإمارة، [٤٣] باب من قاتل للرياء والسمعة واستحق النار، والحاكم في المستدرك (١/ ١٠٧، ٢/ ١١٠)، وأحمد بن حنبل في مسنده (٢/ ٣٢٢)، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٢٠٥)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦١)، والزبيدي في الإتحاف (١٠/ ٤٥).
(٤) قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير اللَّه وإدخالهم النار دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد اللَّه تعالى بذلك مخلصا، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمول على من فعل ذلك للَّه تعالى مخلصا. [النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤٤، ٤٥) طبعة دار الكتب العلمية].
(٥) تقدم تخريجه في أول الحديث.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الفاضح المخزي، والسحب على الوجه، والإلقاء في النار، أعاذنا اللَّه منه.
وروينا من حديث ابن عمر ﵄ أن ناسًا قالوا له: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللَّه ﷺ رواه البخاري.
فحقيقة الرياء إظهار خلاف ما يبطن كالنفاق.
وروينا من حديث جندب بن عبد اللَّه بن سفيان مرفوعًا: "من سمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يرائي يرائي اللَّه به" (^١) أخرجاه.
ولمسلم من حديث ابن عباس. وسمَّع بتشديد الميم: أظهر عمله للناس رياء. ومعنى سمَّع اللَّه به: فضحه يوم القيامة.
ومعنى: من يرائي يرائي اللَّه به (^٢): أي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم، وليس كذلك راءى اللَّه به، أي أظهر سريرته على رؤوس الخلائق، وكفي بذلك شهرة وفضيحة.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه اللَّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (^٣) يعني ريحها.
رواه أبو داود بإسناد صحيح، فحقيقة الرياء التوسل بعمل الآخرة إلى إصابة عرض من الدنيا كما صرح به الغزالي في منهاجه.
ومن آثار الرياء البعد عن الرحمة، وعن شم عرف الجنة وعن الكرامات، وكفى به شقاء.
والأحاديث فيها كثيرة وهي مشهورة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٩٩) كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، ومسلم في صحيحه [٤٨ - (٢٩٨٧)] كتاب الزهد والرقائق، [٥] باب من أشرك في عمله غير اللَّه، وأحمد في مسنده (٥/ ٤٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٠١).
(٢) قال العلماء: معناه: من رائى بعمله وسمَّعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع اللَّه به يوم القامة الناس وفضحه، وقيل: معناه: من سمع بعيوبه وأذاعها أظهر اللَّه عيوبه. وقيل: أسمعه المكروه، وقيل: أراه اللَّه ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه، وقيل: معناه: من أراد بعمله الناس أسمعه اللَّه الناس وكان ذلك حظه منه. [النووي في شرح مسلم (١٨/ ٩٠) طبعة دار الكتب العلمية].
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٦٤) كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير اللَّه تعالى، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد بن حنبل في مسنده (٢/ ٣٣٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٥)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١١٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٥٤٣).
[ ١ / ٤٣٨ ]