قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٣).
وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٤).
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعا (^٥): "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار (^٦)، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا" أخرجاه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٤٩٣] [٣٤٩٤] كتاب المناقب، [١٠] باب قوله اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ومسلم في صحيحه [١٩٩ - (٢٥٢٦)] كتاب فضائل الصحابة، [٤٨] باب خيار الناس. وأحمد في مسنده [٢/ ٥٢٥]، والخطيب في الفقيه والمتفقه [٩/ ١٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧١٧٨] كتاب الأحكام، [٢٧] باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك.
(٣) سورة الإسراء [٣٦].
(٤) سورة ق [٢٨].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠٩٤] كتاب الأدب، [٦٩] باب قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩] وما ينهي عن الكذب. ومسلم في صحيحه [١٠٣ - (٢٦٠٧)] كتاب البر والصلة والآداب، [٢٩] باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله. وأحمد في مسنده [١/ ٣٨٤، ٤٣٢]، البيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١٩٦، ٢٤٣].
(٦) قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم والبر اسم جامع للخير كله وقيل: البر الجنة ويجوز أن يتناول الحمل الصالح والجنة وأما الكذب فيوصل إلى الفجور وهو الميل من الإستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي. [النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٣١] طبعة دار الكتب العلمية].
[ ١ / ٤٠٤ ]
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا" (^١) الحديث ذكرناه في الوفاء بالعهد.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من تَحَلَّم بحُلْم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل ومن استمع على حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك (^٢) يوم القيامة، ومن صور صورة عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" (^٣) أخرجه البخاري.
تحلَّم: أي قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب.
والآنك: الرصاص المذاب، فاللَّه تعالى يكلفه ما لا يكون كما افترى ما لم يكن.
وروينا من حديث سمرة بن جندب قال: "كان رسول اللَّه ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا" (^٤)، فيقص عليه ما شاء اللَّه أن يقص، لإنه قال لنا ذات غداة "إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما" فذكر الحديث، إلى أن قال: "فأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقة على قفاه، ومنحره على قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق" (^٥) الحديث بطوله رواه البخاري.
وأي منفر أبلغ من هذا فإنه تقشعر منه الجلود.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الوفاء بالعهد.
(٢) الآنك: الرصاص المذاب.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٤٢] كتاب التعبير، [٤٥] باب من كذب في حلمه. والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤٣٧] والزيلعي في نصب الراية [٤/ ٢٤٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٤٩٩].
(٤) فيه دليل لاستحباب إقبال الإمام المصلي بعد سلامه على أصحابه، وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا والمبادرة إلى تأويلها وتعجيلها أول النهار لهذا الحديث، ولأن الذهن جمع قبل أن يتشعب بأشغاله في معايش الدنيا ولأن عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوش الرؤيا عليه ولأنه قد يكون فيها ما يستحق تعجيله كالحث على خير أو التحذير من معصية ونحو ذلك، وفيه إباحة الكلام في العلم وتفسير الرؤيا ونحوها بعد صلاة الصبح. [النووي في شرح مسلم [١٥/ ٢٩، طبعة دار الكتب العلمية].
(٥) أخرجه الجاري في صحيحه [٧٠٤٧] كتاب التعبير، [٤٨] باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. أوله أخرجه مسلم في صحيحه [٢٣ - (٢٢٧٥)] كتاب الرؤيا، [٤] باب رؤيا النبي ﷺ، وأبو داود في سننه [٥٠١٧] في الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، الترمذي [٢٢٩٤] كتاب الرؤيا، باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ.
[ ١ / ٤٠٥ ]
نعم يباح الكذب في بعض الأحوال وضابطه ما لا يمكن تحصيل المقصود المحمود إلا به.
وقد يجب إذا كان ذلك واجبا كما إذا طلب ظالم أو طلب ماله أو كان عنده وديعة.
والأحوط التورية.
ومما يستدل به على جواز الكذب في هذه الحالة حديث أم كلثوم المرفوع: "ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيرا" (^١). أخرجاه.
زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: "ولم أسمعه رخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل وامرأته وحديث المرأة زوجها".