إلا لبدعة في المهجور، أو تظاهر بفسق ونحو ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^٣).
والأخوة مقضية للألفة والمودة والمحبة، ومنافية للهجران والجفاء والقطع،
_________________
(١) = التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، وأبو داود في سننه [٤٨٩٥]، وابن ماجه في سننه [٤١٧٨، ٤٢١٤]، والبيهقي في السنن [١٠/ ٢٣٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٥٥٨].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٩ - (٢٦٢٣)] كتاب البر والصلة والآداب، [٤١] باب النهي عن قول: هلك الناس. وأبو داود في الأدب باب [٨٩]، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٤٢]، والتبريزي في المشكاة [٤٨٢١].
(٣) اتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر اللَّه في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه كما قال: لا أعرف من أمة محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعا. هكذا فسره الإمام مالك وتابعه الناس عليه. وقال الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإن فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوء حالا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وريما أداة ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم واللَّه أعلم. [النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٤٤] طبعة دار الكتب العلمية].
(٤) سورة الحجرات [١٠]. أي الجميع إخوة في الدين كما قال رسول اللَّه ﷺ "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وفي الصحيح "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] ويعني الفئتين المتقاتلتين ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه [تفسير ابن كثير (٤/ ٢١١، ٢١٢)].
[ ١ / ٤٢٥ ]
ومن الإصلاح وقوعه بين المتهاجرين، واتقوا اللَّه فيه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١).
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (^٢) أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر لكل امرئ لا يشرك باللَّه شيئًا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال اتركوا هذين حتى يصطلحا" (^٣). أخرجه مسلم.
وأي مشمت أعظم من تأخير الغفران، وأي مسلم يسهل عليه إعراض الجليل عنه، أو شماتة عدوه به.
وروينا من حديث أبي أيوب مرفوعًا: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (^٤) أخرجاه.
وروينا من حديث جابر مرفوعًا: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (^٥). أخرجه مسلم.
والتحريش الإفساد وتغيير قلوبهم وتقاطعهم وما أشد ذلك.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (^٦) الآية.
_________________
(١) سورة المائدة [٢].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠٦٥] كتاب الأدب، [٥٧] باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ورقم [٦٠٦٧] في الأدب، [٦٢] باب الهجرة. ومسلم في صحيحه [٣٠] كتاب البر والصلة والآداب [٩] باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر. والترمذي في سننه [١٩٣٥] باب البر والصلة، باب ما جاء في الحسد. وأحمد في مسنده [٢/ ٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٦ - (٢٥٦٥)] كتاب البر والصلة والآداب، [١١] باب النهي عن الشحناء والتهاجر. والترمذي في سننه [٧٤٧] والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ١٢٤]، الهيثمي في مجمع الزوائد [٨/ ٦٦] والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٤/ ٢٥٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠٧٧] كتاب الأدب، [٦٢] باب الهجرة، ومسلم في صحيحه [٢٥ - (٢٥٦٠)] كتاب البر والصلة والآداب، [٨] باب تحريم الهجر فوق ثلاث، بلا عذر شرعي. وأبو داود في سننه [٤٩١١، ١٦١٤]، والترمذي [١٩٣٢] كتاب البر والصلة، باب ما جاء فى كراهية الهجر للمسلم.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٦٥ - (٢٨١٢)] كتاب صفات المنافقين وأحكامهم [١٦] باب تحريش الشيطان.
(٦) سورة يس [٦٠].
[ ١ / ٤٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^١).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (^٢).
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار" (^٣).
أخرجه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين، وما أشدة من وعيد.
وروينا من حديث أبي خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي (^٤) مرفوعًا: "من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" (^٥).
رواه أبو داود بإسناد صحيح، وما اشده من تغليظ.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه¬ السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة" (^٦).
رواه أبو داود بإسناد حسن.
وقال: إذا كانت الهجرة للَّه تعالى فليس من هذا في شيء.
والحاصل أن الحديث الأول: لبيان حكم الهجر.
والثاني: لصفته، والثالث: لما منع من الخير.
والرابع: لما يهضم من الدين، والخامس: لما يجلب من الشرِّ. والسادس: لما
_________________
(١) سورة الإسراء [٣٩].
(٢) سورة النساء [٤٨].
(٣) أخرجه أبو داود في سننه [٤٩١٤] كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم وأوله عن البخاري ومسلم كما تقدم، والترمذي [١٩٣٢] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في كراهية الهجر للمسلم، والطبراني في المعجم الكبير [٤/ ١٧١، ١٧٢]، وابن أبي شيبه في مصنفه [٨/ ٣٤١، ٣٤٤].
(٤) حدرد بن أبي حدرد، أبو خراش السلمي ويقال الأسلمي، صحابي له حديث واحد، أخرج له: البخاري في الأدب وأبو داود. ترجمته: تهذيب التهذيب [٢/ ٢١٧]، تقريب التهذيب [١/ ١٥٦]، والكاشف [١/ ٢٠٩]، الجرح والتعديل [٣/ ١٣٩٤]، أسد الغاية [١/ ٤٦٠]، الإصابة [٢/ ٤٤]، الوافي بالوفيات [١١/ ٤٧٩]، الاستيعاب [١/ ٤٠٨].
(٥) أخرجه أبو داود [٤٩١٥] كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم. وأحمد في مسنده [٤/ ٣٢٠]، والحاكم في المستدرك [٤/ ١٦٣]، التبريزي في مشكاة المصابيح [٥٠٣٦].
(٦) أخرجه أبو داود في سننه [٤٩١٢] كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم. والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٦٣] والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤٥٦]، التبريزي في مشكاة المصابيح [٥٠٣٧]، العجلوني في كشف الخفا [٢/ ٥١٨].
[ ١ / ٤٢٧ ]
يوجب غلظ أمره والسابع: لما يخرج من حرجه.