قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ (^٣) فنسيان النفس مع نصح الناس مخالفة لبداهة العقول.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه [٤٣٣٨] كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، والترمذي [٢١٦٨] كتاب الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، ورقم [٣٠٥٧] كتاب تفسير القرآن، باب من سورة المائدة، وابن ماجه [٤٠٠٥] في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحمد في مسنده [١/ ٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٩١]، وابن حبان في صحيحه [١٨٣٧ - الموارد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٢٢٩].
(٢) في حديث مسلم المتقدم "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه. . . . " الحديث، قال النووي: وأما قوله ﷺ: "فليغيره، فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة واجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن يبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة. "شرح مسلم للنووي [٢/ ٢٠] ".
(٣) سورة البقرة [٤٤]. يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير أن تنسوا أنفسكم فلا تأمرون بما تأمرون الناس به وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر اللَّه؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم فتنتبهوا من رقدتكم وتتبصروا من عمايتكم. "تفسير ابن كثير [١/ ٨٥] ".
[ ١ / ٢٦٨ ]
اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (^١) فلا مقت أكبر منه.
وقال تعالى إخبارًا عن شعيب ﵊: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
فالمخالفة إلى النهي لوم وسقوط مروءة، فالمخالف مخالف للعقل والشرع ولؤم الطبع.
وروينا في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا: "يؤتى بالرجل فيلقى في النار، فيندلق أقتاب بطنه (^٢) فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؛ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" (^٣).
ويندلق بالدال المهملة معناه يخرج، والأقتاب الأمعاء، واحدها قتب، وشبهه بالحمار من حيث أنه حمل أسفار العلم ولم يعمل لها، واندلاق أقتابه إما لأن المخالفة كانت للشهوات، وإما لأن جنايته الحسية والمعنوية كانت مكتوبة، وظهر حسنها لما ظهر معناها، فافتضح حسًّا ومعنى.