قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١) الآية.
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ (^٢) الآية.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه -تعالى- قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه" (^٣).
وروينا في الصحيحين من حديثه مرفوعًا: "إذا أحب اللَّه العبد نادى جبريل: إن اللَّه يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن اللَّه يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (^٤) وذكر في البغض مثله.
وروينا فيهما من حديث عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك" فسألوه، فقال: لأنها صفة
_________________
(١) سورة آل عمران [٣١]. هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة اللَّه وليس على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يبلغ الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تُحب. "تفسير ابن كثير [١/ ٣٥٨] ".
(٢) سورة المائدة [٥٤].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٠٢] كتاب الرقاق، [٣٨] باب التواضع، وابن ماجه في سننه [٣٩٨٩] كتاب الفتن [١٦] باب من ترجى له السلامة من الفتن، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٤٦]، وابن حجر في التلخيص [٣/ ١١٧]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٢٨]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ١٠٢].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٠٤٠] كتاب الأدب، [٤١] باب المقة من اللَّه، أخرجه مسلم في صحيحه [١٥٧ - (٢٦٣٧)] كتاب البر والصلة والآداب، [٤٨] باب إذا أحب اللَّه عبدًا حببه إلى عباده، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٥٩]، [٥/ ٢٦٣]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١٠/ ٣٠٦]، وعبد الرزاق في مصنفه [١٩٦٧٣]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٣١٠].
[ ١ / ٢٠١ ]
الرحمن (^١)، فانا أحب أن أقرأ بها، فقال ﵇: "أخبروه أن اللَّه يحبه" (^٢).
وروينا عن مجاهد قال: "قال لي ابن عمر: أحب في اللَّه وأبغض في اللَّه، وعادِ في اللَّه، فإنك لا تنال ولاية اللَّه إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك" فقد صارت مواخاة الناس في أمر الدنيا، وإن ذلك لا يجزئ عن أهله شيئًا.
وقال أبو موسى: سمعت رجلًا سأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي؟ قال: أحبب أولياءه ليحبوك، وإن اللَّه -تعالى- ينظر إلى قلوب أوليائه، فلعله ينظر اسمك في قلب وليه فيغفر لك".
ولنذكر حكايات تليق بذلك: فالأولى: قيل: إن رجلًا أتى العلاء بن زياد (^٣) فقال له: إن آتيًا أتاني في منامي فقال: إئت العلاء بن زياد وقل له: كم تبكي فقد غفر اللَّه لك، قال: فبكى، ثم قال: حق لي أن أبكي.
وما في الأرض أشقى من محب … وإن وجد (المنوي) (^٤) حلو المذاق
تراه باكيًا في كل حين … مخافة فرقة أو لاشتياقي
فبكى إن ناءوا شوقًا إليهم … ويبكي إن دنوا خوف الفراق
_________________
(١) قال النووي في قوله: "لأنها صفة الرحمن فانا أحب أن أقرأ بها" "أخبروه أن اللَّه يحبه": قال المازري: محبة اللَّه -تعالى- لعباده إرادة ثوابهم وتنعيمهم، وقيل: محبته لهم نفس الإثابة والتنعيم لا الإرادة، قال القاضي: وأما محبتهم له سبحانه فلا يبعد فيها الميل منهم إليه -سبحانه- وهو متقدس على الميل، قال: وقيل: محبتهم له استقامتهم على طاعته، وقيل: الاستقامة ثمرة المحبة وحقيقة المحبة له ميلهم إليه لاستحقاقه ﷾ المحبة من جميع وجوهها. "النووي في شرح مسلم [٦/ ٨٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٧٤ م]، كتاب الأذان، [١٠٦] باب الجمع بين السورتين في الركعة، ومسلم في صحيحه [٢٦٣ - (٨١٣)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٤٥] باب فضل قراءة قل هو اللَّه أحد، والترمذي [٢٩٠١] كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص، والنسائي [٢/ ١٧١ - المجتبى]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٣٨١]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢١٢٩].
(٣) العلاء بن زياد بن مطر بن شريح، أبو نصر العدوي البصري، ثقة، أحد العباد، أرسل عن النبي ﷺ حديثًا، وكان زاهدًا خاشعًا قانتًا للَّه بكَّاء، أخرج له البخاري تعليقًا، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه، توفي سنة [٩٤]. ترجمة: تهذيب التهذيب [٨/ ١٨١]، تقريب التهذيب [٢/ ٩٢]، الكاشف [٢/ ٣٦٠]، تاريخ البخاري الكبير [٦/ ٥٠٧]، تراجم الأحبار [٣/ ١٧١].
(٤) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الثانية: عن خير النساج قال: كنا في المسجد فجاء الشبلي في سكره -أي في حالِ وَرَدَ عليه- فنظر إلينا ولم يكلمنا، وهجم على الجنيد وهو جالس في بيته وعنده زوجته، فارادت أن تستتر، فقال لها الجنيد (^١): لا عليك هو غائب لا علم له بك، فصفق الشبلي على رأس الجنيد وأنشأ يقول:
عودوني الوصال والوصل عذب … ورموا بالصدود والصد (^٢) صعب
زعموا حين عاينوا أن جرمي … فرط (^٣) حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحق الخضوع عند التلاقي ما جزى من يحب إلا بحب
فاهتز الجنيد وقال: هو ذاك يا أبا بكر، فخر مغشيًا عليه، ثم بعد ساعة بكى الشبلي، فقال الجنيد لامرأته: استتري عنه فقد أفاق.
الثالثة: عن ذي النون المصري (^٤) قال: رأيت في جبل لبنان في كهف رجلًا أبيض الرأس واللحية، أشعث أغبر نحيفًا وهو يصلي، فسلمت عليه بعد ما سلم، فرد السلام وقام إلى الصلاة فما زال راكعًا وساجدًا حتى صلى العصر، ثم أسند إلى حجر وجعل يسبح (^٥) ولا يكلمني، فقال له: رحمك اللَّه ادع اللَّه ﷿ لي، فقال: آنسك اللَّه بقربه، فقلت: زدني، فقال: يا بني من آنسه بقربه أعطاه أربع خصال: عزًا
_________________
(١) الجنيد بن محمد بن الجنيد أبو القاسم النهاوندي الأصل، البغدادي القواريري الخزاز، وقيل: كان أبوه قواريريًا يعني زجاجًا، وكان هو خزازًا، كان شيخ العارفين وقدوة السائرين وعلم الأولياء في زمانه، ولد ببغداد بعد العشرين ومائتين، وتفقه على أبي ثور، وسمع من الحسن بن عرفة وغيره، واختص بصحبة السري السقطي، وأبي حمزة البغدادي، وأتقن العلم، ثم أقبل على شبابه واشتغل بما خلق له، وحدث بشيء يسير. توفي سنة [٢٩٨].
(٢) صدَّ عنه صدًا وصدودًا: أعرض عنه، وفلانًا عن كذا صدًّا: منعه وصرفه.
(٣) الفَرْط: تجاوز الحد، يقال: من فرط شغفه به أو كرهه له.
(٤) ذو النون المصري الزاهد، اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال: أبو الفياض بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم أبو الفيض، ويقال أبو الفياض الإخميمي، وأبوه نوبي، روى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة وسلم الخواص وجماعة، وعنه أحمد بن صبيح الفيومي وربيعة بن محمد الطائي والجنيد بن محمد ومقدام بن داود الرعيني والحسن بن مصعب النخعي وغيرهم، وقال ابن يونس: كان عالمًا فصيحًا حكيمًا أصله من النوبة، توفى سنة [٢٤٦]. "تاريخ الإسلام، وفيات [٢٤١ - ٢٥٠] ".
(٥) روى البخاري في صحيحه [٨٤٤] كتاب الأذان [١٥٥] باب الذكر بعد الصلاة، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
[ ١ / ٢٠٣ ]
من غير عشيرة، وعلمًا من غير طلب، وغنى من غير مال، وأنسًا من غير جماعة. ثم شهق شهقة، فلم يفق إلا بعد ثلاثة، وأنشدوا:
ترى المحبين صرعى في ديارهم … كفتية الكهف (^١) لا يدرون كم لبثوا
واللَّه لو حلف العشاق أنهم قتلى من الحب يوم البين (^٢) ما حنثوا
ثم قام فتوضأ وسألني كم فاته من صلاته، فأخبرته فقال:
إن ذكر الحبيب هيج شوقي ثم حب الحبيب أذهل عقلي
وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين، وأنست برب العالمين، انصرف عني بسلام، فقلت له: رحمك اللَّه، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيارة، وبكيت، فقال: أحبب مولاك، ولا ترد بحبه بديلا، فالمحبون للَّه هم (يتحابان) (^٣) العبَّاد وعلم الزهاد، وهم أصفياء اللَّه وأحباؤه وعباده وأولياؤه، ثم صرخ صرخة وفارق الدنيا، فما كان إلا هُنَيَّةً وإذا بجماعة من العبَّاد ينحدرون من الجبل، فتولوه حتى واروه التراب، فسأل عن اسمه فقال: شيبان المصاب.
وكان فؤادي خاليًا قبل حبكم … وكان يذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن قلبك يبرح (^٤)
رميت ببين منك إن كنتُ كاذبًا … وإن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرح
فإن كان شيء في البلاد بأسرها … إذا غبت عن عيني بعيني تملح (^٥)
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل … فلست أرى قلبي بغيرك يصلح
الرابعة: عن أبي الجوال المغربي قال: كنت جالسًا مع رجل صالح ببيت المقدس، وإذا شاب قد طلع علينا، والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون.
_________________
(١) قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ [الكهف: ٩]. الكهف هو الغار في الجبل وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم فقال العوفي عن ابن عباس هو واد قريب من أيلة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب، وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف. "تفسير ابن كثير [٣/ ٧٥] ".
(٢) البين: ما بين القوم من القرابة والصلة والمودة أو العداوة والبغضاء.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) برح برحًا وبراحًا: زال، وبرح مكانه زال عنه وغادره، وبراحًا: فارقه.
(٥) ملح الشيء ملاحة: بهج وحسن منظره فهو مليح، جمعها: ملاح.
[ ١ / ٢٠٤ ]
فدخل المسجد وهو ينادي: اللهم ارحمني من هذه الدار (^١) فقلت: هذا كلام حكيم، فمن أين لك هذه الحكمة؟
فقال: من أخلص للَّه الخدمة أورثه طريق الحكمة، وأيده بأسباب المعصية، وليس بي جنون وزلق، بل قلق وفَرَق، ثم جعل يقول:
هجرت الورى في حب من جاء بالنعم … وعِفْتُ الكرى (^٢) شوقًا إليه فلم أنم
ومَوَّهْتُ (^٣) دهري بالجنون على الورى … لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
فلما رأيت الشوق والحب بالحشا … كشفت قناعي ثم قلت نعم نعم
فإن قيل مجنون فقد جنني الهوى … وإن قيل سقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا وحرمة روح الأنس في خَدِينِ الظَّلَم
لقد لامني الواشون (^٤) فيك جهالة … فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم (^٥)
فعاتبهم طرفي بغير تكلم فأخبرهم أن الهوى يورث السقم
فبالحلم ياذا المَنِّ لا تبعد منى … وقرب من أرى منك يا باري (^٦) النسم
قال: فقلت: أحسنت، لقد غلط من سماك مجنونا، فنظر إليَّ وبكى وقال: أَوَلَا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ قلت: بلى أخبري، فقال: طَهَّرُوا الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، واتزروا بالصدق، وارَتَدَوْا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، وركبوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة (^٧) الحذاق (^٨) حتى اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق (^٩)، وغيبهم عن الخلائق، لا يأويهم دار، ولا يقر بهم قرار، فالنظر إليهم
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٣٥١] كتاب الدعوات [٣٠] باب الدعاء بالموت والحياة، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يتمنين أحد منكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي".
(٢) الكرى: النعاس، وجمعها: أكراء.
(٣) موه الشيء: طلاه بفضة أو ذهب، وموه الحق لبسه بالباطل، يقال موه الحديث: زخرفه ومزجه من الحق والباطل، وعليه الخبر: أخبره بخلاف ما سأله عنه.
(٤) وشى به إلى السلطان وِشَاية: نمَّ به وسعى، فهو واش، جمعها: وشاة، والوشاء: النمام والكذاب.
(٥) خشم حشما: خجل، احتشم: استحيا.
(٦) الباري: المخترع الموجد.
(٧) الجهباذ، والجهبذ: النقاد الخبير بغوامض الأمور، جمعها: جهابذة.
(٨) حذق فلان العمل: أوغل في ممارسته حتى مهر فيه، فهو حاذق، جمعها: حُذَّاق.
(٩) شهق البناء والجبل ونحوهما شهوقًا: عظم ارتفاعه فهو شاهق، جمعها: شواهق.
[ ١ / ٢٠٥ ]
اعتبار، ومحبتهم افتخار، وهم صفوة الأبرار، ورهبان أحبار، مدحهم الجبار، ووصفهم النبي المختار، إن حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدُوا، قال: فأُنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هاربًا، وأنا متأسف عليه.
الخامسة: عن بعض الصالحين قال: حججت سنة من السنين، وكانت سنة كثيرة الجدب (^١) والسَّموم، فلما كان ذات يوم وقد توسطنا أرض الحجاز، انقطَعْتُ عن الحجاج وغفوت قليلًا، فلم أشعر إلا وأنا وحدي في البرية، فلاح لي شخص أمامي مسرعًا، فلحقته وإذا به غلام أمرد لا نبات بعارضيه كأنه القمر المنير والشمس الضاحية، وعليه أثر الدَّلال والترف، فقلت: السلام عليك يا غلام، فقال: وعليكم السلام يا إبراهيم، فتعجبت منه كل العجب، ورابني أمره، فلم أتمالك أن قلت: يا سبحان اللَّه!! من أين تعرفني، ولم ترني قبلها؟!! فقال لي: يا إبراهيم ما جهلت منذ عرفت ولا قطعت منذ وصلت. فقلت: ما الذي أوقفك في هذه البرية في مثل هذه السنة الكثيرة الجدب والقيظ؟ فأجابني: يا إبراهيم ما آنست بسواه، ولا وافقت غيره، وأنا منقطع إليه بالكلية، مُقرٌّ له بالعبودية، فقلت له: من أين المأكول والمشروب؟ فقال: تكفل لي به المحبوب، فقلت: واللَّه إني خائف عليك لأجل ما ذكرت لك، فأجابني ودموعه تنحدر كاللؤلؤ الرطب وأنشأ يقول:
من ذا يخوفني بالبر أقطعه … إلى المحب وقد قدمت إيمانًا
الحب أقلقني والشوق أزعجني … ولا يخاف محب اللَّه إنسانًا
فلو أجوع فذكر اللَّه يشبعني … ولا أكون بحمد اللَّه عطشانًا
وإن ضعفت فوجد منه يحملني … من الحجاز إلى أقصى خراسانا
فهل لصغري تكون اليوم تحقرني … دع عنك عذلك لي قد كان ما كانا
قال: فقلت له: سألتك باللَّه يا غلام إلا أعلمتني حقيقة عمرك؟ قال: فلقد آليت عليَّ بأجلّ الأيمان عندي، عمري اثنا عشر سنة، ثم قال: ما ألجأك إلى ذلك؟ فقلت: أذهلني ما سمعته منك، فقال: الحمد للَّه على ما أولانا من نعمه وفَضَّلَنَا على كثير من عباده المؤمنين، قال: فتعجبت من حسن وجهه وبهاء طلعته وحلاوة منطقه، فقلت: سبحان الخالق المصور (^٢) فأطرق الغلام إلى الأرض مليًا، ثم رفع رأسه ينظر
_________________
(١) جدب المكان جدبًا: يبس لاحتباس الماء عنه، ويقال أجدبت السنة: صار بها جدب، والقوم أصابهم الجدب، والأرض وجدها جدبة.
(٢) الخالق المقدِّر، وحمل المفسرون قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] على معنى التقدير. المصور: المرتب للصور والمخترعات. "انظر سلاح المؤمن لابن الإمام [ص ٢٥٩] ".
[ ١ / ٢٠٦ ]
شزرًا وهو يقول:
ويحي إذا كان الجحيم جزائي … ماذا يحل ببهجتي وبهائي
يُبْلي العذاب محاسني ويشينها … ويطول مني بالجحيم بكائي
ويقول لي الجبار ﷻ … أنسيت عهد ثَمَّ يوم لقائي
وترى وجوه الطائعين كأنها … بدر بدا في ليلة ظلماء
كشفوا الحجاب فعاينوه فأدْهِشُوا … ونسوا نعيمهم وكل رجائي
وكساهم حلل المهابة والرضا … وحبا الوجوه بنظرة وبهاءِ
ثم قال: يا إبراهيم اعلم أن المنقطع من قطعه الحبيب، والمواصل من أخذ من الطاعة بنصيب، ولكن أنت المنقطع عن الحاج يا إبراهيم، فقلت له: نعم، أنا ذلك، سألتك باللَّه إلا دعوت لي أن ألحق من سبقني من أصحابي، قال: فنظرت الغلام قد لمح بطرفه إلى السماء، وتكلم بكلام حرك بها شفتيه، فعند ذلك لحقتني سِنَةٌ وأُغْمِيَ عليَّ، فلم أفق إلا وأنا في وسط الحاج، وزميلي يقول: يا إبراهيم احذر أن تقع عن الراحلة، ولم أدر أصعد الغلام إلى السماء أم نزل إلى الأرض، فلما وقفنا بعرفة ودخلت الحرم، فإذا أنا به متعلق بأستار الكعبة، وهو يبكي ويقول:
تعلقت بالأستار والقبر زرته … وأنت بما في القلب والسر أعلم
أتيت إليه ماشيًا غير راكب … لأني على صغري محب متيم (^١)
هويتك طفلًا حيث لا أعرف المأوى … فلا تعذلوني إنني متعلم
وإن كان قد حانت لديك منيتي (^٢) … لعلي بوصلك منك أحظى وأغنم
قال: ثم أرخى نفسه ووقع ساجدًا وأنا أنظر إليه، فحركته فإذا هو قد مات، فتأسفت عليه كل الأسف، ومضيت إلى راحلتي وأخذت ثوبًا، واستعنت بمن يساعدني عليه حتى أواريه، فأتيت إليه فلم أجده، فسألت عنه الحاجَّ جميعه فلم أر له خبرًا، فعلمت أنه قد ستر عن أعين الخلق وأنه لم يره غيري، فأتيت إلى مكاني وأغفيت قليلًا، فرأيته في المنام في موكب عظيم، وهو في أوائلهم، وعليه من النور والحلل ما لا أحسن وصفه، فقلت له: ألست صاحبي؟ قال: نعم، فقلت له: ألست مت؟ قال: قد كان ذلك، فقلت له: واللَّه لقد طلبتك أُكفنك وأصلي عليك فلم أجدك؟ فقال: يا إبراهيم اعلم أن الذي من بلدي أخرجني، وبحبه شوقني، وعن
_________________
(١) تام الهوى فلانًا تيمًا: استولى عليه وذهب بعقله، وتيمه الهوى أو الحبيب تامه.
(٢) المنية: الموت، جمعها: منايا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
أملي غربني، هو كفنني، ما أحوجني، فقلت له: ما فُعل بك بعد ذلك؟ قال: أوقفني بين يديه وقال: ما بُغْيَتُكَ؟ فقلت: أنت، فقال: أنت عبدي حقًا حقًا، ولك عندي أن لا أحجب عنك، فما تريد؟ قلت: أن تشفعني في القرن الذي أنا فيه، قال: قد شفعتك فيه (^١)، ثم إنه صافحني، واستيقظت وقضيت بقية مناسكي، ولم يفتر قلبي من ذكره، وصارت يدي لها رائحة من تلك المصافحة، فلم تزل في يده حتى قضى نحبه.
السادسة: عن مالك بن دينار قال: خرجت حاجًّا فإذا بشاب يمشي بلا زاد ولا راحلة، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: أيها الشاب من أين؟ قال: من عنده، قلت: وإلى أين؟ قال: إليه، قلت: وأين الزاد؟ قال: عليه، قلت: إن الطريق لا يقطع إلا بالماء والزاد، فهل معك شيء؟ قال: نعم؛ تزودت عند خروجي بخمسة أحرف، قلت: ما هي؟ قال: كهيعص (^٢)، قلت: وما معناها؟ قال: الكاف من الكافي، والهاء من هادي، والياء من مؤوي، والعين من عالم، والصاد من صادق، فمن كانت صحبته ذلك لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج إلى حمل ماء وزاد، قال: فلما سمعت كلامه نزعت قميصي على أن ألبسه إياه، فأبى أن يقبله، وقال: العُرْيُ خير من قميص الفناء، حلالها حساب وحرامها عذاب، وكان إذا جنَّه الليل يرفع رأسه نحو السماء ويقول: يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك، فلما أحرم الناس ولبوا قلت: لم لا تلبي؟ فقال: يا شيخ أخشى أن أقول لبيك،
_________________
(١) مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلًا ووجوبها سمعًا بصريح قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وقوله: ﴿لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وأمثالها، وبخبر الصادق ﷺ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنن عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وهذه الآيات في الكفار، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار. "النووي في شرح مسلم [٣/ ٣١] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال هي مما استأثر اللَّه بعلمه فردوا علمها إلى اللَّه ولم يفسروها، حكاه القرطبي في نفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وقاله الشعبي والثوري والربيع، واختاره ابن حبان، ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن أسلم: هي أسماء السور، وقال الزمخشري: وعليه إطباق الأكثر، وقال مجاهد: هي فواتح افتتح اللَّه بها القرآن. "تفسير ابن كثير [١/ ٣٦] ".
[ ١ / ٢٠٨ ]
فيقول: لا لبيك ولا سعديك، لا أسمع كلامك، ولا أنظر إليك، ثم مضى فما رأيته إلا في مِنى وهو يقول:
إن الحبيب الذي يرضيه سفك دمي … دمي حلال له في الحل والحرم
واللَّه لو علمت روحي بمن علقت … قامت على رأسها فضلًا عن القدم
بالآي لا تلمني في هواه فلو … عاينت منه الذي عاينت لم تلُم
ويطوف بالبيت قوم لو بخارجه … باللَّه طافوا لأغناهم عن الحرم
ضحى الحبيب بنفسه يوم عيدهم … والناس ضحوا بمثل الشاة والنعم
للناس حج وفي حج إلى سكني … تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي (^١) ودمي
ثم قال: اللهم إن الناس ذبحوا وتقربوا إليك، وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي، فتقبلها مني، ثم شهق شهقة فخرَّ ميتًا، وإذا بقائل يقول: هذا حبيب اللَّه، هذا قتيل اللَّه، قتل بسيف اللَّه فجهزته وواريته، فرأيته في منامي فقلت: ما فُعل بك؟ قال: كما فُعل بشهداء بدر، قتلوا بسيف الكفار، وأنا قتلت بمحبة الجبار.
السابعة: قيل: لما وقف الشبلي بعرفات لم ينطق بشيء حتى غربت الشمس، فلما جاوز العلمين هملت عينه بالدموع، ثم أنشأ يقول:
أروح وقد ختمت على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غمضت طرفي … فلم أنظر به حتى أراكا
وفي الأحباب مختص بوجد … وآخر يَدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكى ممن تَباكى
وكل يدَّعُون وصال ليلى … وليلى لا تُقرَّ لهم بذاكا
الثامنة: عن الجنيد قال: حججت على الوجدة (^٢)، وجاورت بمكة، فكنت إذا دخلت الطواف وإذا بجارية تطوف وتقول:
يأبى الحب أن يخفى وقد كتمته … واضح عندي قد أباح وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره … وإن رمت قربًا من حبيب تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره … ويسعدني حتى ألذ وأطربا
قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين اللَّه؛ في مثل هذا المكان تتكلمين بهذا
_________________
(١) المهجة من كل شيء: خالصه، ودم القلب والروح، جمعها: مهج.
(٢) وجد فلان وجدًا: حزن، ووجد به: أحبه، وتواجد: أي تظاهر بالوجد.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الكلام؟!! فالتفتت إليَّ وقالت:
لولا التقى لم ترني … أهجر طيب الوسن
إن التقى شردني … كما ترى عن وطني
أفر من وجدي به … فحبه هيَّمني (^١)
ثم قالت: يا جنيد تطوف بالبيت أم برب البيت، فقلت: أطوف بالبيت، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول:
يطوفون بالأحجار يبغون قربة … إليك وهم أقسى قلوبًا من الصخر
وتاهوا فلم يدروا من التيه من هم … وحلوا بجار القرب في باطن الكفر
وقد أخلصوا في الود غاية صفاتهم … وقامت صفات الود للحق بالذكر
قال الجنيد (^٢): فغشي عليَّ من قولها، فلما أفقت لم أرها.
وسيكون لنا عودة إلى هذه الحكاية في مجلس الحج -إن شاء اللَّه تعالى- فإنها تليق به.
التاسعة: عن ذي النون المصري قال: رأيت امرأة في تيه بني إسرائيل عليها مدرعة من شعر وخمار من صوف، وفي كفها عُكَّز من حديد، فقلت: السلام عليك، فردت ثم قالت: وذا للرجال وخطاب النساء عافاك اللَّه، فقلت: أخوك ذو النون، فقالت: مرحبًا بك، حياك اللَّه بالسلام، قلت: ما تصنعين ههنا؟ قالت: كلما أتيت إلى بلد يعصى فيه الحبيب يضيق عليَّ فانا أطلب بقعة طاهرة أخرّ عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه.
قلت: ما سمعت أحدًا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك، فأي شيء المحبة؟ فقالت: سبحان اللَّه! أنت الحكيم الواعظ تسألني!! أول المحبة تبعث على الكدّ الدائم، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أعلى الصفاء جرَّعتهم من محبته لذيذ الكؤوس ثم صرخت مغشيًا عليها، فلما أفاقت قالت: (^٣)
_________________
(١) هام فلان هيمانًا: خرج على وجهه في الأرض لا يدري أين يتوجه، وهام بفلانة: شغف بها.
(٢) من أقوال الجنيد: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات، وعن الجنيد قال: أعلى درجة الكبر أن ترى نفسك، وأدناها أن تخطر ببالك يعني نفسك، وقال أبو علي الروذباري: قال الجنيد: سألت اللَّه أن لا يعذبني بكلامي، وربما وقع في نفسي أن زعيم القوم أرذلهم. "تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [٢٩١ - ٣٠٠] ".
(٣) أظنه من شعر رابعة العدوية العابدة البصرية المشهورة بالتأله والزهد، والمتوفاة سنة ثمانين =
[ ١ / ٢١٠ ]
أحبك حبين؛ حب الهوى … وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى … فذكرٌ شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له … فكشفك لي الحجب حتى أراكا
ولا حمد في ذا ولا ذاك لي … ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
العاشرة: عن ذي النون أيضًا قال: كنت في الطواف فسمعت صوتًا حزينًا، وإذا جارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول:
أنت تدري يا حبيبي … من حبيبي أنت تدري
ونحول الجسم والدمع … يبوحان بسرّي
قد كتمت الحب حتى … في الهوى قد ضاق صدري
قال ذو النون: فشجاني ما سمعت منها حتى انتحبت وبكيت، ثم قالت: سيدي ومولاي، بحبك لي إلا ما غفرت لي، قال: فتعاظمني ذلك وقلت: يا جارية أما يكفيك أن تقولي بحبي لك، حتى تقولي بحبك لي؟ فقالت: إليك عني يا ذا النون، أما علمت أن للَّه عبادًا أحبهم قبل أن يحبوه؟ أما سمعت اللَّه يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (^١) فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له، فقلت: من أين علمتِ أني ذا النون؟!! فقالت: يا بطّال جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك، ثم قالت: انظر من خلفك، فأدرت وجهي فلا أدري؛ السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها!!
الحادية عشرة: عن سري السقطي (^٢) قال: اشتريت جارية للخدمة، فكانت تخدمني دهرًا طويلًا، وتكتم أمرها ولها محراب تصلي فيه.
فلما كانت في بعض الليالي وجدتها تصلي تارة، وتناجي أخرى، فسمعتهما
_________________
(١) = ومائة، ولها ترجمة بتاريخ الإسلام للذهبي، انظر وفيات [١٧١ - ١٨٠] وستأتي ترجمتها قريبًا.
(٢) سورة المائدة [٥٤]. يقول تعالى مخبرًا عن قدرته وعظمته أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن اللَّه يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠]. "تفسير ابن كثير [٢/ ٧١] ".
(٣) السري بن المغلس أبو الحسن السقطي البغدادي الزاهد، علم الأولياء في زمانه، صحب معروفًا الكرخي، وحدث عن الفضيل بن عياض وهشيم وأبي بكر بن عياش وعلي بن غراب ويزيد بن هارون، وعنه أبو العباس بن مسروق والجنيد وأبو الحسن النوري وإبراهيم بن عبد اللَّه المخرمي، وهو إمام البغداديين في الإشارات، توفي سنة [٢٥٣]. "تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [٢٥١ - ٢٦٠] ".
[ ١ / ٢١١ ]
تقول: بحبك لي إلا فعلت كذا وكذا، فناديتها عند ذلك: لا تقولي هكذا، لكن قولي بحبي إياك، فقالت: يا سيدي: لولا حبه إياي ما أقعدك وأقامني، فلما أصبحت دعوتها وقلت: إنك لا تصلحين لخدمتي بل تصلحين لخدمة مولاك الأكبر، اذهبي فأنت حرة لوجه اللَّه، ثم وصلتها بشيء وسرحتها وندمت على مفارقتها.
الثانية عشرة: عن أبي الأشهب السايح قال: بينما أنا أطوف إذا بجارية تعلقت بأستار الكعبة وهي تقول:
يا وحشتي بعد أنسي … ويا ذلي بعد العز
ويا فقري بعد الغنى
فقلت لها: مالك، أذهب لك مال؟ أو أُصِبْتِ بمصيبة؟ قالت: لا ولكن كان لي قلب فقدته وأنشدت:
كان لي قلب أعيش به … ضاع مني في تقلبه
رب فاردُدْ عليَّ فقد … عيل (^١) صبري في تَطَلُّبه
وأغث ما دام بي رمق (^٢) … يا غياث المستغيث به
فقلت لها: هذه مصيبتك؟ قالت: وأي مصيبة أعظم من فقد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟ فقلت لها: إن حسن صوتك قد عطّل من سمعه عن الطواف، فقالت: يا شيخ البيت بيتك أم بيته؟ قلت: بيته، قالت: الحرم حرمك أم حرمه؟ قلت: بل حرمه، قالت: فدعنا نتدلل عليه على قدر ما استرارنا إليه، ثم قالت: بحبك لي إلا ما رددت عليَّ قلبي، فقلت لها: من أين تعلمين أنه يحبك؟ فقالت: جيَّش من أجلي الجيوش (^٣)، وأنفق الأموال، وأخرجني من دار الشرك وأدخلني دار التوحيد (^٤) وعرفني نفسه بعد جهلي إياه، فهل إلا لعناية؟ قلت: فكيف حبّك له؟ قالت: أعظم شيء وأجله، قلت: وتعرفي الحب؟ قالت: فإذا جهلته فأي شيء أعرف به حلو المجتبى ما اقتصر، فإذا أفرط عاد حبلًا قاتلًا، وفسادًا معضلًا، وهي شجرة غرسها
_________________
(١) عيل صبره: نفد، فهو معول.
(٢) الرمق: بقية الروح، وجمعها: أرماق.
(٣) تقصد الفتوحات الإسلامية التي وصلت إلى بلادها، وأدخلتها في الإسلام، وكانت هذه نعمة عظيمة تَكَرَّم اللَّه بها عليها.
(٤) روى البخاري في صحيحه [٢٥] كتاب الإيمان، [١٧] باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم﴾ [التوبة: ٥] عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه".
[ ١ / ٢١٢ ]
كريم، (ومجناها) لذيذ، ثم ولت وأنشأت تقول:
وذي قلق لا يعرف الصبر والصبرا … له مقلة غبراء أضر بها البكا
وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى … بماذا يداوى المستهان من الضنى
ولاسيما والحب صعب مرامه … إذا عطفت منه العواطف بالفتى
الثالثة عشرة: عن محمد بن الحسين البغدادي قال: حججت مرة، فبينا أنا أدور في شوارع مكة، وإذا أنا بشيخ قابض على يد جارية مُتغِّير لونها، نحل جسمها، وعلى وجهها نور ساطع وضياء لامع، وهو ينادي: هل من طالب؟ هل من راغب؟ هل من زايد على عشرين دينارًا؟ وأنا بريء من كل عيب، قال: فدنوت منه، قلت: وما هو؟ قال: اعلم أنها جارية مهمومة؛ قائمة ليلها صائمة نهارها، لا تأكل طعامًا ولا تشرب (مُدَامًا) قد ألفت الانفراد والوحدة في كل أرض وبلدة، فلما سمعت كلامه أحببتها فاشتريتها ورحت بها إلى منزلي فرأيتها مطرقة إلى الأرض، ثم رفعت رأسها إليَّ وقالت: يا مولاي الصغير من أين أنت يرحمك اللَّه؟ قلت: من العراق، قالت: من البصرة أو من الكوفة؟ فقلت: ولا من واحدة منهن، فقالت: لعلك من مدينة السلام ببغداد؟ قلت: نعم، قالت: بخ بخ؛ مدينة الزهاد والعبَّاد، قال: فعجبت وقلت: يا جارية من حجرة إلى حجرة، ينادى عليها من أين لها معرفة بالزهاد والعبَّاد، ثم أقبلت عليها شبه الملاعب لها، وقلت لها: من تعرفي منهم؟ قالت: أعرف مالك بن دينار، وبشر الحافي (^١)، وصالح المزي، وأبا حاتم السجستاني، ومعروفًا الكرخي (^٢)، ومحمد بن الحسين البغدادي، ورابعة العدوية (^٣)، وشعوانة،
_________________
(١) بشر الحافي بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء أبو نصر المروزي البغدادي الزاهد الكبير، كان عديم النظر زهدًا وورعًا وصلاحًا، كثير الحديث إلا أنه كان يكره الرواية ويخاف من شهوة النفس في ذلك حتى إنه دفن كتبه. ومن قوله: أمس قد مات واليوم في نزاع وغدًا لم يولد بعد، وعنه قال: لا يفلح من ألف أفخاذ النساء، وعنه قال: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم، وقيل لأحمد بن حنبل: مات بشر فقال: مات ﵀ وما له نظير في هذه الأمة إلا عامر بن قيس، فإن عامرًا مات ولم يترك شيئًا، وتوفي ﵀ سنة [٢٢٧]. "انظر تاريخ الإسلام، وفيات [٢٢١ - ٢٣٠] ".
(٢) معروف الكرخي زاهد العراق وشيخ الوقت، كان أبوه من أعمال واسط من الصابئة، وقال أبو علي الدقاق قال: كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدب نصراني، فكان يقول له: قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد، فيضربه، فهرب، فكان أبواه يقولان: ليته رجع، ثم أسلم أبواه، وذكر السلمي أن معروفًا صحب داود الطائي ولم يصح، ومن أقواله: من كابر اللَّه صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه، وتوفي ﵀ سنة [٢٠٠]. "انظر تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [١٩١ - ٢٠٠] ".
(٣) رابعة العدوية العابدة البصرية المشهورة بالتأله والزهد، وهي رابعة بنت إسماعيل، كنيتها أم =
[ ١ / ٢١٣ ]
وميمونة، فأقبلت عليها وقلت لها: من أين لك معرفة هؤلاء؟ قالت: يا فتى كيف لا أعرفهم وهم واللَّه أطباء القلوب ومنّ المحب على المحبوب. فقلت لها: يا جارية أنا محمد بن الحسين، فقالت: لقد سألت اللَّه أن يجمع بيني وبينك يا أبا عبد اللَّه، ما فعل حسن صوتك الذي يحيى به قلوب المريدين وتبكي به عيون السامعين؟ فقلت: باق على حاله، قالت: فباللَّه عليك أسمعني شيئًا من القرآن، فقرأت "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فصرخت صرخة عظيمة، وغشي عليها.
فرششت على وجهها الماء فأفاقت فقالت: يا أبا عبد اللَّه، هذا اسمه فكيف لو عرفته حق معرفته، وفي الجنان رأيته؟ اقرأ يرحمك اللَّه، فقرأت: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (^١) الآية قالت: يا أبا عبد اللَّه، ما عبدنا وثنًا ولا قبلنا صنمًا، اقرأ رحمك اللَّه، فقرأت: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، فقالت: يا أبا عبد اللَّه، لقد ألزمت نفسك القنوط، روح قلبي بين الرجاء والخوف، اقرأ، فقرأت: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٢) قالت: واشوقاه إلى لقائه؛
_________________
(١) = عمرو، وولاؤها للعتكيين، وقد أفرد ابن الجوزي أخبارها في الشاميات، ورابعة العابدة معاصرة لها، فربما تداخلت أخبارهما، ومن أخبارها أن ناسًا استأذنوا على رابعة ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعة وذكروا شيئًا من أمر الدنيا، فلما قاموا قالت لامرأة تخدمها: إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه فلا تأذني لهم؛ فإني رأيتهم يحبون الدنيا، وقال أبو سعيد بن الأعرابي: أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمًا كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما، توفيت -رحمها اللَّه-[١٨٠]. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [١٧١ - ١٨٠].
(٢) سورة الجاثية [٢١]. يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ الحشر: ٢٠]، وقال ﵎ ههنا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أي عملوها وكسبوها ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] أي نساويهم بها في الدنيا والآخرة ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي ساء ما ظنوا با وبعد لنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار. "تفسير ابن كثير [٤/ ١٥٠] ".
(٣) سورة القيامة [٢٢ - ٢٣]. وقال النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية اللَّه -تعالى- ممكنة غير مستحيلة عقلًا، وأجمعوا أيضًا على أن وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون اللَّه -تعالى- دون الكافرين، وزعمت طائفة من أهل البدع: المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللَّه -تعالى- لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلًا، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب واجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللَّه -تعالى- في الآخرة للمؤمنين. "النووي في شرح مسلم [٣/ ١٥] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢١٤ ]
يوم يتجلى لأوليائه، اقرأ، فقرأت: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ (^١) الآيات، قالت: يا أبا عبد اللَّه أراك قد خطبت الحور العين، فهل بذلت من مهورهن شيئًا؟ قلت: يا جارية، دليني فإني مفلس، فقالت: عليك بقيام الليل وصيام النهار، وحب الفقراء والمساكين، ثم أنشأت تقول:
يا خاطب الحوراء في خدرها … وطالب ذاك على قدرها
انهض بجد لا تكن وانيًا (^٢) … وجاهد النفس على صبرها
وقم إذا الليل بدا شطره … وصم نهارًا فهو من مهرها
فلو رأت عيناك إقبالها … وقد بدت رمانتا صدرها
وهي تمشي بين أربابها … وعقدها يشرف في نحرها
لهان في عينيك هذا الذي … تراه في دنياك من زهرها
قال: ثم غشي عليها، فرششت على وجهها الماء، فأفاقت، ثم أنشأت تقول:
إلهي لا تعذبني فإني … مقرٌّ بالذي قد كان مني
فكم من زلة لي في الخطايا … عفوت وأنت ذو فضل ومَنِّي
يظن الناس بي خيرًا وإني … لشرُّ الناس إن لم تعف عني
وما لي حيلة إلا رجائي … لعفوك إن عفوت وحسن ظني
قال: ثم غُشي عليها، فدنوت منها، فإذا هي قد ماتت -رحمة اللَّه عليها- فاغتممت لذلك غمًا شديدًا، وخرجت إلى السوق لآخذ في جهازها، فلما رجعت إذا هي قد كُفنت وحُنطت وعليها خضراوتان من حلل الجنة، مكتوب على الكفن سطران: الأول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، والسطر الثاني: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة الواقعة [١٧].
(٢) الواني: الضعيف البدن، وني في الأمر: فتر وضعف وكلَّ وأعيا.
(٣) سورة يونس [٦٢]. قال الشوكاني: قال الإمام تقي الدين بن تيمية ﵀: أولياء اللَّه على طبقتين: سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم اللَّه - سبحانه في عدة مواضع من كتابه في أول الواقعة وآخرها، وسورة الإنسان، والمطففين، وسورة فاطر إلى آخر كلامه. وقال الشوكاني: وليس لمنكر أن ينكر على أولياء اللَّه ما يقع منهم من المكاشفات الصادقة الموافقة للواقع، وهذا باب قد فتحه رسول اللَّه ﷺ كما ثبت في الصحيحين عنه ﷺ قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر منهم" والمحدث: الصادق الظن المصيب الفراسة. "انظر قطر الولي على =
[ ١ / ٢١٥ ]
قال: فحملتها أنا وأصحابي وصلينا عليها ودفناها وقرأت عند رأسها سورة يس، ورجعت إلى محرابي باكي العين حزين القلب على فراقها، وصليت ركعتين ونمت، فرأيت الجارية في الجنة وعليها الحلل، وهي في مرج من زعفران أفيح، عليها حلل السندس والاستبرق، وعلى رأسها إكليل مرصع بالدرّ والجوهر، وفي رجليها نعلان من، الياقوت الأحمر يفوح منها ريح المسك والعنبر، ووجهها أضوأ من الشمس والقمر، فقلت: مهلًا يا جارية، ما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قالت: حُب الفقراء والمساكين، وكثرة الاستغفار، ونقل الأذى عن طريق المسلمين، ثم أنشأت تقول:
طوبى لمن سهرت في الليل عيناه … وبات ذا قلق من حب ولاه
وراح يومًا على تفريطه وبكى … خوفًا لما قد جناه من خطاياه
_________________
(١) = حديث الولي [ص ٢٦، ٣٧] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢١٦ ]