عن أسامة بن زيد مرفوعًا: "من صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرا، فقد أبلغ في الثناء" (^٣).
رواه الترمذي وصححه.
وفيه أن الدعاء قد يكون ثناء.
وعن جابر مرفوعًا: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللَّه ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم" (^٤).
أخرجه مسلم. فالإجابة متوقعة كل وقت. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "أقرب ما
_________________
(١) قوله ﷺ: "بظهر الغيب" فمعناه في غيبة المدعو له وفي سره لأنه أبلغ في الإخلاص. قوله: "بمثل" هو بكسر الميم وإسكان الثاء هذه الرواية المشهورة، قال القاضي ورويناه بفتحها أيضا، يقال هو مثله ومثيله بزيادة الياء أي عديلة سواء، وفي هذا أفضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها أيضا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة لأنها تستجاب ويحصل له مثلها. [النووي في شرح مسلم [١٧/ ٤١] طبعة دار الكتب العلمية].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٨٨ - ٢٧٣٣] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٣] باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب وأبو داود (١٥٣٤) كتاب الصلاة باب الدعاء بظهر الغيب، وابن ماجه في سننه [٢٨٩٥] كتاب المناسك [٥] باب فضل دعاء الحاج. وابن حجر في تلخيص الحبير [٢/ ٩٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٢٢٨].
(٣) أخرجه الترمذي في سننه [٢٠٣٥] كتاب البر والصلة باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص [٧٥]. والطبراني في المعجم الصغير [٢/ ١٤٨]، وابن حبان في صحيحه [٢٠٧١ - المورد]، والبخاري في الأدب المفرد [٢١٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٣٠٢٤)، والزبيدي في الإتحاف [٤/ ١٥٦]، وابن السني [٢٧٠].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٧٤ - (٣٠٠٩)] كتاب الزهد والرقائق، [١٨] باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر. وأبو داود في سننه [١٥٣٢] كتاب الصلاة، باب النهي عن أن يدعو الإنسان على أهله وماله. والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٢٢٩] وابن حبان في صحيحه [٢٤١١ - المورد].
[ ١ / ٣٦٥ ]
يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (^١).
أخرجه مسلم.
فأرجى الأحوال السجود.
وعنه مرفوعًا: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: قد دعوت ربي فلم يستجيب لي" (^٢). أخرجاه.
ولمسلم: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم، ما لم يستعجل".
قيل: يا رسول اللَّه ما الاستعجال؟
قال: "يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء". (^٣)
قلت: فالاستعجال آفة الدعاء، ورجاء الإجابة باق.
وعن أبي أمامة: قيل يا رسول اللَّه أي الدعاء أسمع؟
قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات" (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٢١٥ - (٤٨٢)] كتاب الصلاة، [٤٢] باب ما يقال في الركوع والسجود. وأبو داود [٨٧٥]، والنسائي [٢/ ٢٦ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٤١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ١١٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١٠/ ٢٤٩]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٨٩٤]، والزبيدي في الإتحاف [٣/ ٢٠، ٥/ ٣٣]، والعراقي في المغنى عن حمل الأسفار [١/ ١٤٩، ٣٠٧]، وذكره ابن حجر في الفتح [٢/ ٣٠٠، ١١/ ١٣٢].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣٤٠] كتاب الدعوات، [٢٢] باب يستجاب للعبد ما لم يعجل. ومسلم في صحيحه [٩٠ - (٢٧٣٥)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٥] باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجيب لي. وأبو داود [١٤٨٤]، والترمذي [٣٣٨٧]، وابن ماجه [٣٨٥٣]، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٩٦]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٤٩٠].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٩٢ - (٢٧٣٥)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢٥] باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجيب لي. والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٤٩٠] والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٥٣].
(٤) أخرجه الترمذي [٣٤٩٩] كتاب الدعوات باب [٧٩]، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص [٥١، ٥٢] باب ما يستجيب من الدعاء دبر الصلوات المكتوبات، وأحمد في مسنده [٤/ ١١٢، ١١٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٤٥٥، ٣/ ٤]، وابن خزيمة في صحيحه [٢٦٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٤٨٩].
[ ١ / ٣٦٦ ]
رواه الترمذي وحسنه.
وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "ما على الأرض مسلم يدعو اللَّه بدعوة إلا آتاه اللَّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"، فقال رجل من القوم: "إذًا نكثر" قال: "اللَّه أكثر" (^١).
رواه الترمذي وصححه.
والحاكم من حديث أبي سعيد وزاد فيه: "أو يدخر له من الأجر مثلها"، قلت: فالإجابة محققة ما لم يدع بمفوِّت حق اللَّه أو حق آدمي.
وعن أبي عباس أنه ﷺ كان يقول عند الكرب (^٢): "لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم لا إله إلا اللَّه رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم" أخرجاه (^٣).
فاللجأ في الكربات والشدائد على الذكر والتذلل والإستكانة والإستغراق في شهود الجلال والعظمة من المهمات.
وفي الحديث الأول: من هذه الأحاديث الدعاء للمحسن وأنه حسن.
وفي الثاني: الدعاء على السيء، وأنه محذور والدعاء لأجبني، وعلى غيره، أو بخير أو شر ونحوهما.
وفي الثالث: توطين الأمر بإكثار الدعاء.
وفي الرابع: الترغيب في إدامته والتحذير من الملل وسوء الظن (^٤)، وذكر شرط الإجابة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه [٣٥٧٣] كتاب الدعوات، في انتظار الفرج وغير ذلك، والحاكم في المستدرك [١/ ٤٩٧] وصححه ووافقه الذهبي. وقال الترمذي واللفظ له: حسن صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣٤٦] كتاب الدعوات، [٢٧] باب الدعاء عند الكرب، ومسلم في صحيحه [٨٣ - (٢٧٣٠)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [٢١] باب دعاء الكرب. والترمذي [٣٤٣١]، والنسائي في عمل اليوم والليلة [٦٥٢]، وابن ماجه [٣٨٨٣]، وأحمد في مسنده [١/ ٢٢٨، ٢٥٩]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٢/ ٢٢٣].
(٣) قال الطبري: "كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب، فإن قيل: هذا ذكر وليس فيه دعاء فجوابه من وجهين مشهورين: أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء. والثاني: جواب سفيان بن عيينه فقال: أما علمت قوله تعالى: "من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين". [النووي في شرح مسلم [١٧/ ٣٩] طبعة دار الكتب العلمية].
(٤) في قوله ﷺ في الحديث المتقدم: قيل يا رسول اللَّه ما الاستعجال؟ قال: "يقول: دعوت فلم أر يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء". قال أهل اللغة: يقال: حسر واستحسر إذا أعيا =
[ ١ / ٣٦٧ ]
وفي الخامس: تحري مواطن الإجابة، فإن له أثرًا.
وفي السادس: إكثار الطلب، فالكريم لا تنفد خزائنه.
وفي السابع: ما سلف.
وأما الخطايا: فالأولى: عن سلمان الفارسي قال: إن العبد إذا كان يدعو في السَّراء (^١) فنزلت به الضراء فدعا فقالت الملائكة: "صوت منكر من آدمي ضعيف ولا يشفعون له".
الثانية: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى اللَّه من أن يُسْأَل، وما يرفع القضاء إلا الدعاء (^٢).
فائدة: قال الغزالي رحمة اللَّه عليه في الإحياء فإن قلت ما فائدة الدعاء، والقضاء لا مرد له؛ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء. والدعاء سبب الرد للبلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان (^٣).
فائدة أخرى: قال أبو سلمان: سمعت وهبًا يقول. وقد أقبل على عطاء الخرساني. ويحك يا عطاء أتأتي من يغلق بابه، ويظهر لك فقره، ويزوي عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
_________________
(١) = وانقطع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] أي لا ينقطعون عنها ففيه أنه ينبغي إدامة الدعاء ولا يستبطئ الإجابة. [المرجع السابق [١٧/ ٤٢] طبعة دار الكتب العلمية].
(٢) روى الحاكم في مستدركه [١/ ٥٤٤] وصححه ووافقه الذهبي من حديث أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من يسره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء".
(٣) روى الحاكم في المستدرك [١/ ٤٩٢] وصححه ووافقه الذهبي، عن عائشة: قالت قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما قد نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان على يوم القيامة" ويعتلجان: يتصارعان.
(٤) كذا في الإحياء [٤/ ٢٠٢] وتكملة الكلام: وليس من شرط الاعتراف بقضاء اللَّه ﷿ أن لا يحمل السلاح قال ﷿: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأن لا تسقى الأرض بعد نبت البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذرة، وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، أو هو أقرب، وترتيب تفضيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وأنشدوا (^١):
أيها السائل العباد ليُعطى … إن للَّه ما بأيدي العباد
فاسأل اللَّه ما طلبت إليهم … وارج فضل المقسِّم العوَّاد
الثالثة: قال يوسف بن أحمد البغدادي: حججت أنا وأبو سليمان، فبينا نحن نسير إذا سقطت السطحية منى، وكان برد عظيم.
فلما افتقدت السطحية قلت: يا أبا سليمان بقينا بلا ماء، فقال: سلِّم وصل على محمد وقل: يا رادَّ الضالة، ويا هاديا من الضلالة أردد الضالة وإذا بواحد ينادي: من ذهب له سطحية؟، فأخذتها منه.
فقال أبو سليمان: تراه يتركنا بغير ماء؟!
فبينا نحن نسير وإذا برجل عليه طمران (^٢) رثان وقد تدرعنا بالفراء من شدة البرد وهو يرشح عرقا.
فقال أبو سليمان: "ألا نعطيك شيئا من ثيابنا" فقال: "يا داراني الحر والبرد خلقان للَّه أن يأمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني".
يا داراني تصف الزهد وتخاف من البرد، أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحا من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته.
نادرة: قال جعفر الخلدي: ودعت المزين الصوفي فقلت له: زوِّدني شيئا، فقال: إن ضاع منك شيء (^٣) أو أردت أن يجمع اللَّه بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين كذا، فإن اللَّه يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، فما دعوت بها في شيء إلا استجيب.
الرابعة: قال الشيخ أبو بكر الفرغاني: كنت أدفع على شدة الفاقة أياما كثيرة، وربما كنت أسقط مغشيا عليَّ، وكنت حينئذ قليل الدراية.
_________________
(١) قال الواحدي ﵀: أنشدنا الأستاذ أبو إسحاق الثعلبي ﵀: وإني لأدعو اللَّه والأمر ضيق … علي فما ينفك أن ينفرجا ورب فتى سدت عليه وجوهه … أصاب له في دعوة اللَّه مخرجا
(٢) الطمر: الثوب الخلق البالي، جمعها: أطمار.
(٣) روى ابن أبي شيبة في مصنفه [١٣٤٤٢] عن ابن عمر في الضالة يتوضأ ويصلي ركعتين ويتشهد ويقول: "بسم اللَّه يا هادي الضال وراد الضالة، اردد علي ضالتي بعزتك وسلطانك فإنها من عطائك وفضلك".
[ ١ / ٣٦٩ ]
فقلت ذات يوم لو علمتني اسمك الأعظم سألتك به إذا حلَّت بي فاقة متلفة.
فبينا أنا في بعض الأيام بدمشق على باب البريد جالس في المسجد إذ رأيت رجلين قد دخلا المسجد فوقع في نفسي أنهما ملكان فوقف أحدهما بحذائي فقال أحدهما للآخر تريد أعلمك اسم اللَّه الأعظم. فقال له: نعم.
فأصغيت لهما فقال: هو أن يقول يا اللَّه.
فقلت قد تعلمت، فقال أحدهما ليس كما تقول ولكن بصدق اللجأ.
قال الشيخ أبو بكر: صدق اللجأ أن يكون مثل الغريق في لُجَّةِ البحر، لم يبق له شيء يتعلق به ولا له ملجأ إلا اللَّه ﷿.
الخامسة: عن ثابت البناني (^١) قال: ما دعا اللَّه المؤمن بدعوة إلا وكَّل بحاجته جبريل فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمع صوت عبدي، وإن الفاجر يدعو اللَّه فيوكل جبريل بحاجته ويقول: يا جبريل عجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت عبدي الفاجر.
السادسة: قال قدامه بن أيوب وكان من أصحاب عتبة الغلام: رأيت عتبة في المنام فقلت: ما صنع اللَّه بك؟
قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي، فإذا بخط عتبة مكتوب على الحائط: يا هادي المضلين وراحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا من الأخيار المبرورين، من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين، آمين.
السابعة: قال عمر بن ثابت دخلت في أُذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت على صماخه، فأسهرت ليله ونغصت عيشه.
فأتي رجل من أصحاب الحسن، فشكى ذلك إليه فقال: ويحك إن كان شيء
_________________
(١) ثابت بن أسلم، أبو محمد البصري، البناني، القرشي، ثقة، عابد، أخرج له: الستة، توفي سنة [١٢٧] وله [٨٦ سنة]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٢/ ٢]، وتقريب التهذيب [١/ ١١٥]، والكاشف [١/ ١٧٠]، الثقات [٤/ ٨٩] تاريخ البخاري الكبير [٢/ ١٥٩]، الجرح والتعديل [٢/ ١٨٠٥]، ميزان الاعتدال [١/ ٣٦٢]، حلية الأولياء [٢/ ٣١٨]، سير الأعلام [٥/ ٢٢٠]، الوافي بالوفيات [١٠/ ٤٦١]، طبقات ابن سعد [١/ ٤٧٨].
[ ١ / ٣٧٠ ]
ينفعك اللَّه به فدعوة العلاء بن الحضرمي (^١) التي دعا بها في البحر وفي المغاوز. قال وما هي (^٢)؟
قال: يا عليُّ يا عظيم يا حكيم يا عليم.
فدعا بها، فواللَّه ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكت الحائط وبرأ ما كان به.
وأنشدوا:
وإني لأدعو اللَّه والأمر ضيق … عليَّ فما ينفك أن ينفرجا
ورُبَّ فتى سُدَّت عليه وجوهه … أصاب لها في دعوة اللَّه مخرجا
الثامنة: قال بعضهم: كنا مع إبراهيم بن أدهم، فأتاه الناس فقالوا: يا أبا إسحاق، الأسد وقف في طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد وقال له: يا أبا الحارث إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أُمِرت به، وإن لم تُؤمر بشيء فتنح عن طريقنا، فأدبر الأسد وهو يهمهم.
فقال إبراهيم وما على أحدكم إذا أصبح وأمسى أن يقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت ثقتنا ورجاؤنا. (^٣)
أخرى: عن الخواص: قال إبراهيم الخواص: كتب في البادية مرة فسرت في وسط النهار، فوصلت إلى شجرة فنزلت، فإذا بسبع عظيم، فاستسلمت ودعوت، فلما قرب
_________________
(١) العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد اللَّه بن عمار بن كلب بن ربيعة بن مالك بن عويف ﵄، حليف بني أميه، عامل البحرين صحابي جليل عمل على البحرين للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر، أخرج له الستة، توفي سنة [١٤]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٨/ ١٧٨]، تقريب التهذيب [٢/ ٩١]، الكاشف [٢/ ٣٥٩]، التاريخ الكبير [٦/ ٥١٦] الجرح والتعديل [٦/ ٣٥٧]، أسد الغابة [٤/ ٧٤]، سير الأعلام [١/ ٢٦٢].
(٢) روى الإمام البخاري في صحيحه [٦٣٤٥] عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم".
(٣) قال يحيى بن عثمان الحمصي: حدثنا بقيه قال: كنا مع إبراهيم بن أدهم في البحر، وهبت ريح هاجت الأمواج واضطربت السفينة وبكى الناس، فقلنا: يا أبا إسحاق ما ترى الناس فيه؟ فرفع رأسه وقد أشرفنا على الهلاك فقال: يا حي حين لا حي ويا حي قبل كل حي، ويا حي بعد كل حي، يا حي يا قيوم يا محسن يا مجمل، قد رأينا قدرتك فأرنا عفوك قال: فهدأت السفينة من ساعته. [تاريخ الإسلام وفيات (١٦١ - ١٧٠)].
[ ١ / ٣٧١ ]
مني إذا هو يعرج، فهمهم وبرك بين يدي ووضع يده في حجري، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم.
فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح وشددت على يده خرقة، ومضى، فإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان (^١) يحملا إليَّ رغيفين.
التاسعة: قال الربيع: حج أبو جعفر (^٢) سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة فقال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد، فتغافل عنه الربيع، فأرسل إليه برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه، ففعل.
فلما جيئ به وأحضر بين يديه قال له: "يا عدو اللَّه اتخذك أهل العراق إماما يجتبون إليك زكاة أموالهم، ونحلت من سلطاني، قتلني اللَّه إن لم أقتلك".
فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان. ﵇. أعطى فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر.
فقال له أبو جعفر: إليَّ يا أبا عبد اللَّه البرئ الساحة السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه خيرًا.
ثم تناول يده وأجلسه معه على فراشه.
ثم قال: يا ربيع ألحق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، ثم قال: انصرف في حفظ اللَّه وفي كنفه، فانصرف فلحقته فقلت له: إني قد رأيت قبل أن تأتي ما لم تره، ورأيت بعد أن أتيت ما قدر رأيت فما هذا؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه حين دخلت قلت: "اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يُرام، واغفر لي بقدرتك عليَّ، لا أهلك وأنت رجائي. اللهم إنك أكبر وأجل مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وبك استعيذ من شره".
العاشرة: عن سري السقطي قال: كان يسكن في جواري رجل صالح ورع من أهل القرآن. وكان فقيرا ذا عائلة فاشتدت به الفاقه والضيقة في يعض أيامه فوقع في
_________________
(١) الشبل: ولد الأسد، جمعها: أشبال.
(٢) أبو جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس القرشي الهاشمي العباسي أمير المؤمنين، وأمه سلامة البربرية ولد سنة خمس وتسعين أو في حدودها، وروى عن أبيه ورأى جده، وعنه ولده المهدي، وكان قبل أن يلي الإمامة يقال له عبد اللَّه الطويل، ولى الخلافة بعد موت أخيه السفاح سنة [١٢٢] وكان أسمر طويلًا نحيفًا مهيبًا، وكان جمَّاعًا للمال تاركًا للهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس، قتل خلقا كثيرا حتى استقام ملكه، وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتدين، وكان فصيحًا بليغا مفوها، خليقا للإمارة، توفي سنة [١٥٨]. [تاريخ الإسلام وفيات (١٥١ - ١٦٠)].
[ ١ / ٣٧٢ ]
نفسه أن يكتب حاله في ورقة ويدفعها إلى اللَّه ﷿ فلما كتبها أدركه الليل، فانتصب في محرابه يصلي ويدعو ويشير بالورقة على السماء، فلم يزل كذلك أكثر ليلته فمسَّه السهر وأعياه القيام.
وجلس يصلي قاعدا إلى أن بقى من الليل قليل فغلب عليه النوم، فرأى في منامه رجلا حسن الوجه يقول له: ما هذه الغفلة التي لحقتك ترفع إلى اللَّه سوادا في بياض؟
قال: فكيف أصنع؟
قال: إذا أردت ذلك فاستمد بيد الشكر من بحر الذكر بقلم الصبر، واكتب على قلبك بياض الفكر على رهب الطلب.
قال: قلت: ماذا أكتب؟
قال: يا من أفضاله أفضل أفضال المتفضلين، وإنعامه أنعم إنعام المنعمين، وعجز عن شكره شكر الشاكرين.
قد جربت غيرك من المأمولين بغيري من السائلين، فإذا كل قاصد إلى غيرك مردود، وكل طريق إلى سواك مسدود، وكل خير عندك موجود وعند سواك معدوم مفقود.
قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا؟
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية. فاكتب: يا من إليه توسَّلت وعليه في السراء والضراء عوَّلت، حاجاتي مصروفة إليك، وآمالي موقوفة لديك، وكل ما وفقتني له من خير أعمله وأطيقه، فأنت دليل عليه بطريقه.
قال: فقلت: يا سيدي وهذا أحسن.
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية، فاكتب: يا قادرا لا ترده المطالب، ويا مالكا يرغب إليه كل راغب، ما زلت مصحوبا منك بالنعم جاريا على عادات الإحسان والكرم، يا من بكرمه يبلغ الكرم، ومن حمده يزيد النعم.
قال: قلت: يا سيدي وهذا أحسن.
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية فاكتب: يا من جعل البصر عونا على بلائه، وجعل الشكر مادا لنعمائه أسألك صبرًا جميلًا على المحن وتوفيقا للشكر على المنن، فقد عظمت محنتك عن صبري، وجلت نعمتك عن شكري، فتفضل علي بإقراري بعفو أنت أوسع له وأقدر عليه، فإن لم يكن لذنبي عذر تقبله فاجعله ذنبا تغفره.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثم قال: يا أبا عبد البر قم في مقام التبتل (^١)، وقف موقف التنصل متعرضا للفضل بخشوع التذلل للقبول بلسان التوسل على العزيز المتفضل.
قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا.
قال: هو من دعاء خاصة لملك، أفهمت.
قلت: نعم إن شاء اللَّه تعالى، ثم مسح بيده على بطني وصدري، فانتبهت فإذا أنا ذاكر لما خاطبني به، وما ذهب عني حرف.
قال السري: حدثنا أبو عبد البر عند صلاة الفجر بهذا الحديث فاستحسناه وكتبناه - رحمة اللَّه تعالى.
الحادية عشر: قال بعض الصالحين: صعدت جبل لبنان مع نفر نلتمس رجلا من العباد الزهاد المقيمين فيه، فسرنا ثلاثة أيام، فضربت على رجلي، فجلست على جبل شامخ، ومضى أصحابي يدورون في الجبل على أن يرجعوا إلي، فلم يعودوا وبقيت وحدي على غد ذلك اليوم، وطلبت ماء لأتطهر به للصلاة، فوجدت أسفل الجبل عينا فتوضأت منها، وقمت أصلي فسمعت صوت قارئ فلما فرغت من الصلاة اتبعت الصوت، فوجدت كهفا فدخلته فإذا فيه رجل ضرير جالس فسلمت عليه، فرد علي السلام.
وقال لي: أجني أنت أم إنسي؟
فقلت: بل إنسي.
فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ما رأيت ههنا إنسا منذ ثلاثين سنة غيرك ثم قال لي: لعلك تعبت، اطرح نفسك، فدخلت داخل الكهف فرأيت ثلاثة قبور صفا، فنمت عندها، فلما كان وقت صلاة الظهر صاح بي الصلاة يرحمك اللَّه، ولم أر رجلا أعرف بأوقات الصلاة منه.
فصليت معه، ثم قام يصلي، فلم يزل يصلي إلى العصر، قام قائمًا يدعو فسمعته يقول في دعائه: "اللهم أصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد ﷺ"
فلما صلينا المغرب قلت له: من أين لك هذا الدعاء؟
قال: من دعا به كل يوم ثلاثة مرات كتبه اللَّه من البدلاء.
فقلت له: من علمك هذا الدعاء؟
_________________
(١) تبتل إلى اللَّه: تفرغ لعبادته، بتَّل عمله للَّه: أخلصه من الرياء، وانبتل: انقطع.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قال: لا يحتمل إيمانك ذلك.
فلما صلينا العشاء قال لي: تأكل؟
فقلت: نعم.
قال: ادخل داخل الكهف فكل ما تجد، فدخلت فوجدت صخرة عليها زبيب وجوز وخرنوب وتفاح وتين وحبة الخضراء، كل واحد من ذلك ناحية فأكلت منه ما أردت.
فلما كان وقت السحر أوتر، وذلك أنه لم ينم في ليلته، ثم أكل مما هناك وصليت حتى صلينا الفجر فنام وهو جالس إلى أن طلعت الشمس نحو رمحين.
ثم قام فتوضأ ودخل الكهف، فقلت له من أين هذه الفاكهة؟ فما رأيت أطيب منها.
فقال سترى ذلك معاينة.
فدخل طائر جناحاه أبيضان، وصدره أحمر ورقبته خضراء، وفي منقاره حبة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزبيبة على الزبيب، والجوزة على الجوز.
فلما أحسن بجناحه قال لي: رأيته؟
قلت: نعم.
قال: هذا الطائر يأتيني بهذه الفاكهة منذ ثلاثين سنة.
فقلت: كم يتردد إليك في اليوم؟
قال: سبع مرات.
فعددت فإذا به تردد خمسة عشر مرة، فعرَّفته ذلك، فقال: قد زادك مرة، واجعلنا في حل. ورأيت عليه من اللباس من لحاء شجر يشبه الموز، فقلت له: من أين لك هذا؟
فقال: يأتيني هذا الطائر في كل يوم عاشوراء بقشر قطع من هذا اللحاء، فأسوِّي منه قميصًا ومئزرا وكانت عنده مسلَّة يخيط بهاء اللحاء.
ورأيت بجنبه مما قد خلق من ذلك معروشًا.
ورأيت عنده حجرا يصب عليه الماء، ثم يأخذ الماء الذي ينزل منه فيسمح به الشعر الذي ينبت عليه فيحلقه.
فكنت عنده جالسا فدخل عليه سبعة نفر أعينهم مشقوقة بالطول حمر، وكانت ثيابهم شعورهم فقال لي: بالفارسية لا تفزع منهم، فهم من مسلمي الجن.
فقرأ عليه أحدهم سورة طه والآخر سورة الفرقان وآخر يُلقَّن من سورة الرحمن آيات.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ثم خرجوا وسمعته وهو ساجد يقول في سجوده: اللهم مُنَّ علىَّ بإقبالي عليك، والإصغاء إليك واتصالي بك والفهم عنك والبصيرة في أمرك والنفاذ في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، ورفع صوته.
فقلت له: من أين هذا الدعاء؟
فقال: أُلْهمته، ولقد كنت أدعو به في بعض الليالي، فسمعت هاتفًا بي يقول: إذا دعوت بهذا الدعاء ففخم فإنه مستجاب.
فأقمت عنده أربعة وعشرين يوما ثم قال لي حدثني بقصتك كيف وصلت علي ههنا؟ فحدثته، وقال لي: لو علمت أن قصتك هذه ما تركتك عندي هذه المدة لأنك قد شغلت قلوب إخوانك، وقد ندموا على ما فرطوا في أمرك ورجوعك إليهم أفضل من مقامك عندي.
فقلت له: إني لا أعرف الطريق.
فسكت، فلما كان وقت الزوال قال لي: قم حتى تمضي.
فقلت له: أوصني وصية.
فقال: عليك بالجوع، وحسن الأدب، فإني أرجو لك أن تلحق بالقوم، وأهدي لك هدية أيضا.
اطلب يوم الزيادة بعد العصر بين زمزم والمقام رجلا وصفه لي.
ثم قال لي: إذا لقيته فاقرأ عليه¬ السلام واسأله أن يدعو لك.
ثم خرج من الكهف وأنا معه، فإذا بسبع قائم على باب الكهف، فتكلم معه بكلام لم أفهمه ثم قال لي: اتبعه فإذا وقف فانظر عن يمينك أو يسارك فإنك تجد الطريق.
فسار السبع أمامي ساعة.
ثم وقف فنظرت عن يميني، فإذا أنا على عتبة دمشق، فدخلت الجامع فلقيت بعض من كان معنا فحدثتهم الحديث، وخرجنا جميعا ومعنا خلق كثير حتى صرنا إلى ذلك الجبل وذلك الموضع بعينه، فطلبنا الكهف ثلاثة أيام فلم نجده.
فقالوا لي: هذا شيء كشف لك وغطى عنا، فكنت أحج كل سنة وألتمس الرجل الذي وصفه لي فما كنت أراه.
حتى كان بعد ذلك بثمان سنين رأيته على الصفة والمكان، فسلَّمت عليه فرد السلام، فسألته الدعاء، فدعا لي بدعوات.
فقلت له: إن إبراهيم الكرماني يقرئك السلام.
[ ١ / ٣٧٦ ]
فقال لي: وأين رأيته؟
فقلت: في جبل لبنان.
قال: ﵀.
قلت: أو قد مات؟
قال: نعم، الساعة دفنته عند إخوتي في الغار الذي كان فيه، وصلينا عليه. فبينا نحن نغسله إذا بالطائر الذي كان يأتيه بقوته قد سقط فلم يزل يضرب بجناحيه حتى مات.
فدفناه عند رجليه.
ثم قام الرجل فدخل في الطواف فلم أره بعد ذلك رحمه اللَّه تعالى.
الثانية عشرة: قال بعضهم أدركتني ضائقة وخوف شديد، فخرجت هائما، فسلكت طريق مكة بلا زاد ولا راحلة. فمشيت ثلاثة أيام، فلما كان في الرابع اشتد بي العطش والحر، وخفت على نفسي التلف ولم أجد في البرية شجرة استظل بها، فوكلت أمري إلى اللَّه، واستقبلت القبلة، فغلبتني عيناي وأنا جالس فرأيت شخصًا في المنام فصافحني وقال: أبشر أنت تسلِّم وتصل إلى بيته الحرام وتزور قبر نبيه ﷺ.
فقلت له: من أنت؟
فقال: أنا الخضر.
فقلت له: ادع لي.
فقال: يا لطيف بخلقه، يا خبير بخلقه، ألطف بي يا لطيف يا عليم يا خبير ثلاث مرات.
فقلت ذلك.
فقال: هذه تحفة بها غنى الأبد، فإذا لحقتك ضائقة أو نزل بك نازلة فقلها، تكفي وتشفى ثم غاب عني وأنا أسمع شخصا ينادي: يا شيخ يا شيخ، فانتبهت.
فإذا برجل راكب على راحلة فقال لي: يا هذا رأيت لي شابا صفته كذا وكذا؟
فقلت: لا.
فقال: خرج شاب من أهلنا منذ سبعة أيام، وأخبرنا أنه توجه إلى الحج.
ثم قال لي: إلى أين تقصد؟
فقلت: حيث ما شاء اللَّه، فأناخ راحلته ونزل عنها، ومد يده على جراب فأخرج منه قرصي سميد وبينهما حلوى، ونزل بسطحية مملوءة ماء.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقال: اشرب، فشربت وأكلت قرصًا واحدا فاكتفيت به.
ثم قال لي: اركب، وركب أمامى وسرنا ليلتين ويوما فالتحقنا بالقافلة، فسأل عن الشاب فأخبر أنه في القافلة.
فتركني ومضى، ثم أتاني بعد ساعة والشاب معه وقال: يا ولدي هوَّن اللَّه علي بالاجتماع بك اجتماعي بهذا الرجل.
ثم ودعتهما وانصرفت ولحقني الرجل بكاغدة وناولني إياها، وقبَّل يدي وانصرف.
فوجدت بها خمسة دنانير مصرية، اكتريت منها إلى مكة، وتزودت ببقيتها، وحججت تلك السنة، وزرت النبي ﷺ والخليل. ﵇.
وكلما أدركتني ضائقة أو نازلة أذكر تلك الكلمات التى علمنى الخضر وأعترف بفضله ومنه، وأشكره على نعمته.
تمن على ذي العرش ما شئت إنه … مجيد كريم لا يُخَيِّبُ سائلا
الثالثة عشرة: عن الليث ﵀ قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فأتيت مكة.
فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس وهو يدعو فقال: يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال: يا اللَّه يا اللَّه حتى انقطع نفسه.
ثم قال: يا حي يا حي كذلك.
ثم قال: يا رحيم كذلك، ثم قال: يا أرحم الراحمين سبع مرات. ثم قال: اللهم إني اشتهيت هذا العنب فأطعمنيه.
اللهم إن بُرْدِي قد خلق.
قال الليث. فواللَّه ما استتم كلامه حتى أُتِيَ بسلة مملوءة عنبًا، وليس على الأرض يؤمئذ عنب. وبردين موضوعين، فأراد أن يأكل.
فقلت: أنا شريك.
فقال لي: ولم؟ قلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن.
فقال لي: تقدم فكل ولا تُخبأ منه شيئًا فتقدمت وأكلت شيئًا لم آكل مثله قط، وإذا عنب لا عجم فيه، فأكلت حتى شبعت، والسلة لم تنقضي شيئا.
ثم قال: خذ أيَّ البردين شئت.
فقلت: أنا أغنى عنهما.
قال: توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه. فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر،
[ ١ / ٣٧٨ ]
ثم أخذ البردين الذين كانا عليه فجعلهما على يديه، ونزل.
واتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: اكسنى كساك اللَّه يا ابن رسول اللَّه، فدفعهما إليه.
فلحقت الرجل فقلت: من هذا؟
فقال: هذا جعفر بن محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فطلبته فلم أجده.
الرابعة عشرة: عن بعض المشايخ قال: كان لي زوجة كنت مشغوفًا بها، فبينا أنا عندها في بعض الأيام في البيت نائم أدركتني حالة في المنام فسمعت ما نطقت به وعاينت حركتي، وكانت حالة عظيمة.
فلما أفقت قالت: ما شأنك يا سيدي؟
فقلت: ما رأيت؟
قالت: خيرًا.
فسكت عنها، ثم خرجت وخليتها.
فقالت لخادم لنا ناد لي أمي وأختي، فناداهما.
فاجتمعت بهما وقالت جرى لزوجي كذا وكذا. وأخبرتها بالصورة، وقالت واللَّه ما بقيت له بزوجة أبدًا، فإنه مجنون فعزلها أهلها عن ذلك وقصدوا ردها فأبت، فقالوا، تقيمين في الدار حتى نجتمع معه.
فلما علمت بذلك أتيت إليها وقلت: ما مقصودك قالت: الفراق وإلا قتلت نفسي، وأنت السبب في ذلك.
فقال: أمهليني سبعة أيام.
فقالت: نعم، ثم إني وجدت مشقة كبيرة في فراقها، فقصدت رضاها بشيء من الدنيا، فأبت فأرسلت إليها جماعة من أهلي فأبت، فلما تيقنت عزمها على ما ذكرت، لحقني وَلَه وتغيرت أحوالي وتشوش خاطري ولم أجد ما يحمل ذلك عني.
فلما بقى من الأجل ليلة واحدة، وقد اشتد بي الحال، وضاقت بي الأرض، رجعت إلى اللَّه وفوضت أمري إليه وعزمت على أن ما يفعله اللَّه أرضى به.
ثم دعوت بهذه الكلمات: اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات، ويا من بيده ملكوت الأرض والسموات، يا مجيب الدعوات استغثت بك واستجرت بك يا مجير أجرني ثلاث مرات.
ثم جلست حتى كان النصف الآخر من الليل، وأنا مستقبل القبلة وإذا بها قد
[ ١ / ٣٧٩ ]
دخلت فقبلت رجلي وقالت: سألتك باللَّه العظيم إلا رضيت عني، فقد تبت مما كنت أطلبه منك.
وقد رجعت إلى اللَّه فاسأله أن يقبل توبتي.
فقلت: لا أرضى عنك حتى تخبريني بسبب هذا.
فقالت: كنت البارحة مصرة على ذلك العزم فأتى رجل في المنام وبيده اليمنى سوط، وفي الأخرى سكين وقال لي: إن رجعت عن هذا الأمر وإلا قتلتك بهذا السكين، ثم جلدني ثلاث جلدات.
فانتبهت مرعوبة وحرارة ذلك الضرب في قلبي فقعدت ساعة ثم نمت فرأيت الرجل بعينه قد أتاني وبيده السوط والسكين، وقال لي أما حذرتك ووعظتك وأمرتك، ثم رفع يده على.
فانتبهت مرعوبة وأتيت إليك مسرعة لتقبل توبتي وترضي عني وتسأل اللَّه لي.
ثم كشفت عن جسدها فرأيت أثر ثلاث ضربات فقلت لها: يتوب اللَّه عليَّ وعليك، وقد رضيت عنك في الدنيا والآخرة.
فقالت: صداقي هبة لك، شكرا للَّه، وعندي عشرون دينارا من حليتي، وهي وثيابي للفقراء شكرا للَّه.
فلما أصبحت فعلت ذلك.
ثم نظرت لطف اللَّه بي، وعلمت أنه ثمرة الرضا علي ما فعل، وتيقنت أن الأمور كلها بيده ثم أقمت معها بعد ذلك سبع سنين وأنا في أكمل مسرة، ثم ماتت فرأيتها في المنام في أجمل صورة وعليها من الحلي والحلل ما لا أطيق وصفه. فقلت لها: ما لقيت من ربك؟
فقالت: كما ترى، وأنا منتظرة لقاك رضي اللَّه عنك، كما رضيت عني.
الخامسة عشرة: روى أنه كان على عهد رسول اللَّه ﷺ رجل يتجر من الشام إلى المدينة ومن المدينة إلى بلاد الشام.
ولا يصحب القوافل توكلا على اللَّه.
فقدم مرة من الشام يريد المدينة، إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتاجر، فوقف وقال شأنك مالي وخلِّ سبيلي.
فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك.
فقال له: التاجر: انظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي قال: افعل ما بدا لك.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فقام التاجر فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه وكان من دعائه يا ودود ثلاثا يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما تريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني ثلاثًا.
فلما فرغ إذا بفارس على فرس أشهب وعليه ثياب خضر وبيده حربة من نور، فلما نظر اللص قتله ثم رجع إلى التاجر وقال: اعلم أني ملك من ملائكه السماء الثالثة حين دعوت المرة الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا: أمر حدث، ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار.
ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل وهو ينادي من لهذا المكروب، فدعوت ربي أن يوليني قتله، واعلم يا عبد اللَّه أن من دعا بدعائك هذا في كل كربة وشدة وكل نازلة، فرج اللَّه عنه وأعانه، وجاء التاجر سالما غانما حتى دخل المدينة، وجاء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره بالقصة وبالدعاء.
فقال ﷺ: "لقد لقنك أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى".
السادسة عشرة: روى أنه كان بالكوفة رجل يكاري ويثق به التجار ويأمنونه على أموالهم، فسار وحده في وقت.
فلما خرج من العمران لقيه في طريقه رجل فقال: أين تريد؟
فقال المكاري: أريد كذا وكذا.
فقال له الرجل: لولا قلة مقدرتي على المشي لكنت رفيقك إليها، لكن إن شئت أعطيتك دينارًا، وتحملني على دابتك.
فقال له: أفعل.
فأخذه وحمله على دابته، فلما صار في بعض الطريق ظهر لهما طريقان.
فقال الراكب لصاحب الدابة أيهما نأخذ؟
فقال: الزم الجادة.
فقال له الراكب: أليس هذا الطريق أقصر وأخصب لدابتك؟
فقال: ما سلكتها قط.
قال: أنا سلكتها مرارا كثيرة.
قال: فسر حيث شئت، فسار من النهار حتى رفَّت تلك الطريق، ورمتهم إلى وادٍ مُوحش فيه جيف القتلى كثيرة.
[ ١ / ٣٨١ ]
فقال المكاري: أرى هذه الطريق قد انقطع.
فنزل الرجل عن الدابة وأخرج سكينا وقصد قتل المكاري.
فقال له: لا تفعل ودونك البغل وما عليه.
قال: لا واللَّه لا آخذ البغل حتى أقتلك.
فقال له: سألتك باللَّه العظيم إلا ما تركتني وأخذت البغل بما عليه.
فقال: لا بد من قتلك إلا أن يسبقني ملك الموت.
قال: فدعني أختم عملي بركعتين ولا تعجل عليَّ فضحك من كلامه وقال: قم فافعل فإنه قد فعل مثل ذلك كل من ترى، فما نفعتهم صلاتهم ولا خلصهم مني، فعجِّل صلاتك.
فقام يصلي، فكبر، ثم قرأ بأم القرآن ثم تلجلج ولم يدر ما يقول، فنهره وقال: عجِّل: لا أم لك فألهمه اللَّه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (^١).
فرفع صوته وهو يبكي، فإذا بفارس قد خرج من بطن الوادي وبيده رمح، وفي رأسه سنان كأنه كوكب مضيء فأجاب، فقصد الرجل أسرع من اللحظة فطعنه طعنة من ورائه خرَّ بها على وجهه.
ثم التهب في المكان الذي وقع فيه النار.
فلما رأى ذلك صاحب الدابة خر ساجدا للَّه ما شاء اللَّه، ثم رفع رأسه إلى الفارس وقال: سألتك باللَّه الذي رحمني بك من هذا المكان من أنت؟
فقال: أنا عبد لمن يجيب المضطر إذا دعاه.
اذهب حيث شئت فلا بأس عليك.
وأنشدوا:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا … وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
فقلت يا أملي في كل نائبة … ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها … ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالصبر مبتهلًا … إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة … فبحر جودك يروي كل من يرد
السابعة عشرة: حكى أن بعض الملوك غضب على بعض الفقراء، فبنى عليه قبة ولم يترك له منفذا ومنعه الطعام والشراب.
_________________
(١) سورة النمل [٦٢].
[ ١ / ٣٨٢ ]
فلما كان بعد ثلاث وجد الفقير خارجا في عافية فأخبر الملك بذلك، فأحضره فقال له: ما الذي نجاك من هذه الشدة، وفرج عنك هذه الكربة وأنقذك مما كنت فيه.
ما سبب خلاصك؟
قال له: دعاء دعوت به.
قال: وما هو؟
قال: قلت: اللهم إني أسألك يا لطيف ثلاثا، يا من وسع لطفه أهل السموات والأرض، أسألك أن تلطف بي من خفي خفي خفيِّ لطفك الخفي الخفي الخفيّ الذي إذا لطف به لأحد من عبادك كفى.
فإنك قلت وقولك الحق: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] الآية.
الثامنة عشرة: حكى أن امرأة إسرائيلية كان لها دار بجوار قصر الملك، وكانت تشين القصر وكلما رام الملك منها بيع الدار تأبى، فخرجت في سفر، فأمر الملك بهدمها.
فلما جاءت قالت من هدم داري؟
قيل: الملك، فرفعت رأسها على السماء، وقالت إلهي وسيدي ومولاي غبت أنا وأنت حاضر، للضعيف معين، وللمظلوم ناصر، ثم جلست فخرج الملك في موكبه، فلما نظر إليها قال: ما تنتظرين قالت: انتظر جواب قصتك.
فهزئ بقولها وضحك، فلما جن عليه الليل خسف به وبقصره، ووجد على بعض حيطانه مكتوب:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه (^١) … وما يدريك ما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطئ ولكن … لها أمد وللأمد انقضاء
وقد شاء الإله بما تراه … فما للملك عندكم بقاء
_________________
(١) ازدراه: حقره وعابه، وزري عليه زريا وزراية: عابه وعتب عليه. وأزرى بالشيء تهاون به وقصر.
[ ١ / ٣٨٣ ]