قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (^٣) الآية (^٤).
_________________
(١) الجدر: النبت، طلعت رؤوسه أول الربيع.
(٢) قال النووي فيما رواه مسلم من أحاديث باب استحباب لعق الأصابع والقصعة، وقد تقدم بعضها: في هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل منها: استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفًا لها واستحباب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر بأن يكون مرقًا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الأعذار، واستحباب لعق القصعة وغيرها واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست، ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيوانًا، ولا يتركها للشيطان، ومنها إثبات الشياطين وأنهم يأكلون. "النووي في شرح مسلم [١٣/ ١٧٢، ١٧٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) سورة النساء [٦٥].
(٤) روى البخاري في صحيحه [٤٥٨٥] كتاب تفسير القرآن، [١١] باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى =
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) الآية.
ومعنى الحكم التدبير الشامل للكونيات والدينيات التكليفية والجزائية، حسية وخلقية، ولا شك أن الإنسان إن خاصم أولًا فله التحكيم، وإلا فالطواعية.
وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الفصل قبله، وغيره من الأحاديث.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: "لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا (^٢): أي رسول اللَّه، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما فعلوا ذلك نسخها (^٣)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾
_________________
(١) = يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] من سورة النساء، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شريج من الحرة، فقال النبي ﷺ: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه إن كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجهه ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك" واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
(٢) سورة النور [٥١].
(٣) قال الإمام أبو عبد اللَّه المازري ﵀: يحتمل أن يكون إشفاقهم وقولهم لا نطيقها لكونهم اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي لا تكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق، وعندنا أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا، واختلف هل وقع التعبد به في الشريعة أم لا، واللَّه أعلم. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٢٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) معنى أمر النبي ﷺ لهم بالإيمان والسمع والطاعة لما أعلمهم اللَّه -تعالى- من مؤاخذته إياهم، فلما فعلوا ذلك وألقى اللَّه -تعالى- الإيمان في قلوبهم وذلت بالاستسلام لذلك ألسنتهم كما نص عليه في هذا الحديث، رفع الحرج عنهم ونسخ هذا التكليف، وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه أو بالتاريخ، وهما مجتمعان في هذه الآية، قال القاضي: وقول المازري: إنما يكون نسخًا إذا تعذر البناء، كلام صحيح فيما لم يرد فيه النص بالنسخ، فإن ورد وقفنا عنده. "النووي في شرح مسلم [٢/ ١٢٧] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢٤٤ ]
[البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: "نعم" ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، قال: "نعم" (^١). ومدار الحديث على تعظيم أمر اللَّه بنحو ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] شق أو لم يشق، من وسط القلب، والرفق بالنفس بسؤال التخفيف بنحو ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] (^٢)، وأن تقرن عندها ما يهون عليه التحمل، لو لم يخفف عنها شيء بنحو ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فالآية الشريفة اشتدت على المؤمنين، فلولا يقينهم وإيمانهم باللَّه واليوم الآخر، لما ألقوا لذلك بالًا. ولولا مراقبتهم لأنفسهم وعلمهم حالها، وبضعفهم عن مثلها، لما ثبتوا لمشقتها عليهم، ولَمَّا شقت الآية عليهم أتوا رسول اللَّه ﷺ فتلا عليهم ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] (^٣)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^٤) لما سمعوا تيسير ذلك، ولولا حسن ظنهم باللَّه ورسوله لكتموا ما بهم عنها وبركوا على الركب استرحاما للَّه، وذكروا قصتهم، فلولا إخلاص قلوبهم لتظاهروا بغير ما فيها، ولولا مناصحتهم للَّه ولرسوله لَشَكَوْا همَّهم لغيرهما، ولولا إجلالهم للرب ﷻ لانطلقت ألسنتهم بأكثر من مجرد القصد، واستضعاف أهل الطريق منزلة الخوف والرجاء له موضع يخاض فيه، وكان الشارع أعلم بالمؤمنين لسعة ذلك عليهم، ولكن مهمته ببادئ الحال، ولمَّا تعلقوا أغاثهم بترك التوقف لهم، وذكر أنهم معذورون، أو أنه يسأل اللَّه لهم أو نحو ذلك (^٥)، وصرفه لهم عن كل وجهة مبينًا أن جميع ما
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [١٩٩ - (١٢٥)] كتاب الإيمان، [٥٧] باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق، وأحمد في مسنده [٢/ ٤١٢]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ٧٧]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ٣٧٤].
(٢) ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] سؤال للمغفرة والرحمة واللطف، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أي المرجع والمآب يوم الحساب، قال ابن جرير بسنده عن جابر: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، قال جبريل: إن اللَّه أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] "تفسير ابن كثير [١/ ٣٤٢] ".
(٣) قال البخاري في تفسير سورة ألم نشرح في صحيحه في كتاب التفسير: قال مجاهد: "وزرك" في الجاهلية "أنقض": أثقل، "مع العسر يسرًا": قال ابن عيينة: أي مع ذلك العسر يسرًا آخر، كقوله ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ولن يغلب عسر يسرين، وقال مجاهد: "فانصب" في حاجتك إلى ربك، ويذكر عن ابن عباس ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] شرح اللَّه صدره للإسلام.
(٤) سورة الطلاق [٢].
(٥) اختلف الناس في هذه الآية فأكثر المفسرين من الصحابة ومَنْ بعدهم على ما تقدم فيها من النسخ =
[ ١ / ٢٤٥ ]
يحاول، فإنما هو حال أهل الغضب والضلال، ولما علموا أن لا ملجأ من اللَّه إلا إليه أرشدهم لما أرشدهم إليه، فأعظم به رسولًا وهاديًا، فأزال اللَّه -تعالى- انقباضهم ببسط موجه لهم حيث قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، وسارع في رضاهم، فأزال ما شق عليهم بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (^١) فأبهجهم بإجابة أدعيتهم ناجزًا معقبًا كل واحد بنعم، فليبشر المنقاد لحكم اللَّه، لما يرغب عاجلًا أو آجلًا.
جزى اللَّه يوم الروع خيرًا فإنه … أرانا على علاته أم سالم