وكان من حقنا أن نختم به الكتاب، لكنا ذكرناه هنا مسارعة للثواب.
قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨] الآية، وما أبدعها من آية، وأجمعها للإيمان والإسلام، وهذا الجزاء العظيم من أنواع الخدم والمستلذات الشهية، والمناظر البهية مع الدوام، فالكم والكيف لا يوصف.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ إلى قوله:
_________________
(١) = ٤٣٧]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٠/ ٢٠٨].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١٥ - (١٦٥١)] كتاب الأيمان، [٣] باب ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير ولكفر عن يمينه، وأحمد في مسنده [٢/ ٢١١، ٢١٢]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٥١، ٥٣]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٤/ ١٨٣].
(٣) سورة البقرة [٢٢٤].
(٤) أخرجه أحمد في مسنده [٥/ ٢٥١، ٢٦٢]، والحاكم في مستدركه [١/ ٩، ٣٨٩، ٤٧٣]، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ١٨١، ٢٠٥]، والخطيب في تاريخ بغداد [٦/ ١٩١]، وابن حبان في صحيحه [٧٩٥ - الموارد]، والبخاري في التاريخ الكبير [٤/ ٣٢٦]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ١٧٦]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [٨٦٧].
(٥) أخرجه أحمد في مسنده [٣/ ٣٨]، والحاكم في المستدرك [٤/ ١٢٨]، والدارمي في سننه [٢/ ١٠٣]، والزبيدي في الإتحاف [٤/ ١٢٨].
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [٦/ ٣١٣]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٢/ ٢٢]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٢٢٠]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ٢٨٧، ٤١١]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٢١٦]، والألباني في السلسلة الصحيحة [٧١٦].
[ ١ / ٩٦ ]
﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ (^١).
وما أحسن هذه الدار؛ معقل السلامة من كل آفة وعرض.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ (^٢) إلى آخر السورة.
فيا لها من ملابس وأزواج، ومزوج جليل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ (^٣) الآية.
وروينا من حديث جابر ﵄ مرفوعًا: "يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد، كما تلهمون النفس" (^٤) أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: "قال اللَّه - تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] " (^٥) وأخرجاه، ولا أبلغ منه.
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة (الأنجوج) (^٦) عود الطيب، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على سورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا في السماء" (^٧) أخرجاه.
_________________
(١) سورة الحجر [٤٥ - ٤٨]. والآيات ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾.
(٢) سورة الدخان [٥١].
(٣) سورة المطففين [٢٢].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٩ - (٢٨٣٥)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٧] باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًا، والترمذي في سننه [٢٥٦٣]، وأبو داود في السنة، باب [٢٢]، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٦٤]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦٢٠].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٤٤] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم في صحيحه [٢ - (٢٨٢٤)] كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، في مقدمته، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٣٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٥١، ٥٥٧]، والحميدي في مسنده [١١٣٣]، والزبيدي في الإتحاف [٨/ ٥٦٨، ١٠/ ٥٣٥].
(٦) كذا بالأصل، والألوة: في النهاية: الألوة هو العود الذي يتبخر به العود الهندي.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٤٥، ٣٢٤٦] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة، ومسلم في صحيحه [١٥، ١٦] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٦]، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والترمذي في سننه [٢٥٢٢]، وابن =
[ ١ / ٩٧ ]
وفي رواية لهما "آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا" (^١).
وروينا من حديث المغيرة مرفوعًا: "سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: رجل يجيء بعد ما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلكِ ملْك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله (^٢) فقال في الخامسة: رضيت يا رب، فيقول هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت يا رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب اللَّه ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية" أخرجه مسلم (^٣).
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة؛ رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول اللَّه ﵎ له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا
_________________
(١) = ماجه في سننه [٤٣٣٣]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٢٢٨]، وابن المبارك في الزهد [٥٤٩].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٤٥] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم في صحيحه [١٧ - (٢٨٣٤)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٧] باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًا، وقال النووي: مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعمًا دائمًا لا آخر له ولا انقطاع أبدًا. النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٤٣] طبعة دار الكتب العلمية.
(٣) قال النووي: في رواية: "فيقول اللَّه - تعالى: أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها" وفي الرواية الأخرى "أترضى أن يكون لك مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا، فيقول رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله"، قال النووي: المراد بالأولى أن يقال له أولًا: لك الدنيا ومثلها ثم يزاد على تمام عشرة أمثالها كما بينه في الرواية الأخيرة، وأما الأخيرة فالمراد بها أن أحد ملوك الدنيا لا ينتهي ملكه إلى جميع الأرض، بل يملك بعضًا منها، ثم منهم من يكثر البعض الذي يملكه، ومنهم من يقل بعضه فيعطي هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات، وذلك كله قدر الدنيا كلها، ثم يقال: لك عشرة أمثال هذا فيعود معنى هذه الرواية إلى موافقة الروايات المتقدمة، وللَّه الحمد وهو أعلم. النووي في شرح مسلم [٣/ ٣٧] طبعة دار الكتب العلمية.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٣١٢ - (١٨٩)] كتاب الإيمان، [٨٤] باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
[ ١ / ٩٨ ]
رب وجدتها ملأى، فيقول اللَّه ﵎ له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع، فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول اللَّه له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول: أتسخر بي -أو أتضحك بي- وأنت الملك؟!! - قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (^١) - قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة" (^٢) أخرجاه، وما ألذه وأطربه!!
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا" (^٣) أخرجاه، وما ألذه وأطربه.
وروينا من حديث أبى سعيد الخدري مرفوعًا: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة لا يقطعها" (^٤).
وعنه مرفوعا: (^٥) "أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين" أخرجاه.
_________________
(١) قال أبو العباس ثعلب وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل المراد هنا الضواحك، وقيل المراد بها الأضراس، وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، ولكن الصواب.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٧١] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه [٣٠٨ - (١٨٦)] كتاب الإيمان، [٨٣] باب آخر أهل النار خروجًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٧١] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم في صحيحه [٢٣ - (٢٨٣٨)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٩] باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١١٦، ٥١٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦١٦].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٥٣] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، ومسلم [٨ - (٢٨٢٨)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١] باب أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وابن ماجه [٤٣٣٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٥١٩، ٥٢٠]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٩/ ٣٠]، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٠٤]، وعبد الرزاق في مصنفه [٢٠٨٧٦، ٢٠٨٧٧].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٥٦] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم [١١ - (٢٨٣١)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٣] باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب الدري في السماء.
[ ١ / ٩٩ ]
وروينا من حديث أبي هريرة أيضًا: "لقاب قوس من الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" (^١) أخرجاه.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: "إن في الجنة لسوقًا يأتوها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا" (^٢) أخرجه مسلم. وما أحسن هذه البضاعة المربحة.
وروينا من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء" (^٣) أخرجاه، وما أعلاها من منزل وأطيبها للنازل!!
وروينا عنه قال: "شهدت مع النبي ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ ".
رواه البخاري (^٤)، وما أعظم ذلك وانفسه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٥٣] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، وابن ماجه في سننه، في كتاب الجهاد، باب ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل اللَّه، والترمذي في سننه [١٦٥١] كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل اللَّه، وأحمد في مسنده [٢/ ٥٧١، ٣/ ١٥٣]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٦/ ١٣٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٢٦٨، ٤/ ٥٣٢]، والزبيدي في الإتحاف [١٠/ ٥٤٢].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣ - (٢٨٣٣)] كتاب الجة وصفة نعيمها وأهلها، [٥] باب في سوق الجنة، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٥٤٤]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦١٨]، والشجري في أماليه [٢/ ١١٣]، والخطيب في تاريخ بغداد [١/ ٢٢٦].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٥٥] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه [١٠ - (٢٨٣٠)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٣] باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، والترمذي في سنه [٢٥٥٦] كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في ترائي أهل الجنة في الغرف، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٤٠]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ١٩٦، ٢٠٦].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٢٤٤] كتاب بدء الخلق، [٨] باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوفة، وبلفظه في مسلم [٥ - (٢٨٢٥)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، في مقدمته، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٣٤]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٤١٣]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ١٩٠، ٢٤٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٥٥٨].
[ ١ / ١٠٠ ]
وروينا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا" أخرجه مسلم (^١).
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمن، فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه" أخرجه مسلم (^٢).
ومن حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إن اللَّه ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟!! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟!! فيقول: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" أخرجاه (^٣).
وما ألذ هذا الخطاب الشفاهي، وأعظم هذا الإفضال.
روينا من حديث جرير قال: "كنا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال: "إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضاهون في رؤيته"" (^٤) أخرجاه، وما ألذه!!
وروينا من حديث صهيب مرفوعًا: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٢ - (٢٨٣٧)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [٨] باب في دوام نعيم أهل الجنة.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٠١ - (١٨٢)] كتاب الإيمان، [٨١] باب معرفة طريق الرؤية، وأحمد في مسنده [٢/ ٣١٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦٢٧]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ١٧٠].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٥٤٩] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في صحيحه [٩ - (٢٨٢٩)] كتاب الجنة وصفة نعيمها، [٢] باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدًا، والترمذي [٢٥٥٢]، وأحمد في مسنده [٣/ ٨٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٦٢٦]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٦/ ١٣٨، ٣٤٢]، والزبيدي في الإتحاف [٩/ ٦٤٩]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٢٥٧].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١/ ١٤٥]، [٦/ ١٧٣]، ومسلم في صحيحه [٢١١ - (٦٣٣)] كتاب المساجد ومواضع الصلاة، [٣٧] باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، والحاكم في المستدرك [١/ ٨٢]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٣٢]، وابن حبان في صحيحه [٢٦٤٧ - الموارد]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٢٥٧].
[ ١ / ١٠١ ]
﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم" (^١) أخرجه مسلم.
ولنختم ذلك بحكايات لائقة به
الأولى: عن بعض الصالحين أنه عبد اللَّه أربعين سنة، فلما كان في بعض الليالي أخذته دالة على اللَّه -تعالى- فقال: إلهي، أرني ما أعددت لي في الجنة، وما أعددت لي من الحور الحسان، فما استتم الكلام حتى انشق المحراب، وخرجت منه حورية لو خرجت إلى الدنيا لفتنتها، فقال لها: إنسية أنت؟!! فأنشأت تقول:
شكوت إلى المولى وقد علم الشكوى … وأعطاك ما ترجو وقد كشف البلوى
وأرسلني إنسًا إليك وإنني … أناجيك طول الليل لو تسمع الشكوى
فقال: يا جارية لمن أنت؟ فقالت: أنا لك، فقال: كم لي مثلك حوراء؟ قالت: مائة حوراء، ولكل حوراء مائة خادمة، ولكل خادمة مائة وصيف، ولكل وصيف مائة قهرمانة، ففرح وقال: يا حوراء، هل أعطي أحد أكثر مني؟ قالت: يا مسكين عطاؤك عطاء البطالين الذين يقولون: أستغفر اللَّه، فيغفر لهم، ثم يستغفرون فيغفر لهم (^٢).
ثم أنشأت تقول:
وله خصائص مصطفون لحبه … اختارهم في سالف الأزمان
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٩٧ - (١٨١)] كتاب الإيمان، [٨٠] باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ والحاكم في المستدرك [١/ ٨٢]، وابن حبان في صحيحه [٢٦٤٧ - الموارد]، والسيوطي في الدر المنثور [٣/ ٢٥٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٣٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٦٥٦٥]. قال النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية اللَّه -تعالى- ممكنة غير مستحيلة عقلا، وأجمعوا أيضًا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون اللَّه -تعالى- دون الكافرين، وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللَّه -تعالى- لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلًا. وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح. النووي في شرح مسلم [٣/ ١٤] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) روى مسلم في صحيحه [٢٩ - (٢٧٥٨)] كتاب التوبة، [٥] باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ قال: "أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. . . " الحديث.
[ ١ / ١٠٢ ]
اختارهم من قبل فطرة خلقه … فهم ودائع حكمة وبيان
وأنشدت أيضًا:
نشرت لهم أعلام حب حبيبهم … فتتابعوا وتناهموا الأعلاما
فيا حسنهم في ظل عرش مليكهم … كل يقود من النجيب زمانًا
حتى إذا صاروا بحضرة قدسه … كشف المليك حجابه إكرامًا
فهم الملوك العارفون بربهم … والدائبون ببابه خدَّامًا
من ذاك ياقوت وزاهي جوهر … يلقون نورًا يسكنون خيامًا
ومع الحسان الحور عين لو بدت … ليلًا (^١) أنارت بالجمال ظلامًا
ولعطرت كل الوجود وزخرفت … ولمات كلٌّ بالجمال غراما
يا حسنها بين الحواري عندما … تمشي لتلقى قادمين كراما
يُجزون غرفات بها فوق المنا … وتحية يلقونها وسلامًا
حكاية ثانية: عن بعض عباد عبادان قال: ملح الماء عندنا نيفًا وستين سنة، وكان عندنا رجل من أهل الساحل له قصر، ولم يكن بقي في الصهاريج شيء، وحضرت المغرب، فهبطت لأتوضأ من ذلك البئر وذلك في شهر رمضان في حر شديد، فإذا به يقول: يا سيدي أرضيت عني حتى أثني عليك؟ أرضيت عني حتى أسألك سيدي غسالة الحمام لمن عصاك كثيرا؟ سيدي لولا أني أخاف غضبك لم أذق الماء، ثم أخذ بكفه وشرب شرابا صالحًا، فتعجبت من صبره على ملوحته، ثم أخذت من الموضحع الذي أخذ منه، فإذا هو مثل السكر، فشربت حتى رويت، قال: وأخبرني أنه رأى في المنام كأن قائلًا يقول: قد فرغنا من بناء دارك، فلو رأيتها قرت عيناك، وقد أمرنا بتجديدها والفراغ منها إلى سبعة أيام، واسمها دار السرور، فأبشر بخير، فلما كان السابع، وهو يوم الجمعة بكَّر للوضوء، فنزل في النهر فزلق فغرق، فأخرجناه بعد الصلاة ودفناه، فرأيته في المنام بعد ثلاثة أيام وعليه حلل خضر، فسألته عن حاله، فقال: أنزلني الكريم في دار السرور، فماذا أعد لي فيها!! فقلت له: صفه لي، فقال: هيهات، يعجز الواصفون عن وصف ما فيها، فليت عيالي يعلمن أنه قد هيئ لهم منازل معي، فيها ما اشتهت أنفسهم، نعم وإخواني وأنت منهم.
_________________
(١) روى البخاري في صحيحه [٦٥٦٨] كتاب الرقاق، [٥١] باب صفة الجنة والنار، عن أنس، وفي آخره "ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها -يعني الخمار- خير من الدنيا وما فيها".
[ ١ / ١٠٣ ]
ولريحانة شعر:
بوجهك لا تعذبني فإني … أؤمل أن أفوز بخير دار
وأنت مجاور الأبرار فيها … فيا طوبى في ذا الجوار
ثالثة: عن بعض السلف قال: بينما عيسى ﷺ يسيح فى بعض البلاد بالشام، واشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب كُنًّا، فرفعت له خيمة من بعيد، فأتاها فإذا هو بامرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل، فأتاه، فإذا في الكهف سبع، فوضع يده عليه ثم قال: إلهي جعلت لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي مأوى، فأجابه الجليل: مأواك عندي في مستقر رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام؛ يوم فيها كعمر الدنيا، ولآمرن مناديًا ينادي: أين الزهاد في الدنيا، احضروا عرس عيسى ابن مريم.
رابعة: قال أحمد الخلاسي: كانت لي أم صالحة، فقالت لي يومًا وقد عضنا الفقر والحال: يا بني إلى متى نكون في هذه الشدة، فلما كان وقت السحر (^١) قلت: اللهم إن كان لي عندك في الآخرة شيء، فعجل لي منه إلى الدنيا، فرأيت نورًا في زاوية البيت (المعمور) (^٢)، فقمت إلى البيت فرأيت رجل سرير من ذهب مرصَّع بالجوهر، فقلت لها: خذي، وخرجت إلى الجانع أُحدث نفسي، إلى من أدفعه من أصحاب الجوهر، وكيف العمل به؟ فلما رجعت قالت لي: يا بني، اجعلني في حل، فإنك لما خرجت نمت، فرأيت كأني دخلت الجنة، فرأيت قصرًا على بابه مكتوب لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، هذا لأبي أحمد الخلاسي، قلت: هذا لابني؟ قال لي قائل: نعم، فدخلت ودرت في بيوته، فرأيت في بيت منها أسرَّة، بينهم سرير مكبوب، فقلت: ما أسمح هذا السرير من بين الأسرّة، فقال لي قائل: أنت أخذت رجله، فقلت: ردوها إلى موضعها، فانتبهت وقد غابت عني، وللَّه الحمد.
خامسها: عن سفيان: أن أصحابه كلموه لما رأوا ما هو عليه من شدة الخوف، وكثرة المجاهدة والجهد، فقالوا له: يا شيخ، لو نقصت عن هذه المجاهدة التي نراها بك؛ نلت مقصودك ومرادك إن شاء اللَّه، فقلت لهم: كيف لا أجتهد كل الاجتهاد، وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم، فيتجلى لهم نور عظيم تضيء له الجنان الثمان من شدة ضيائه وحسن بهائه، فيظنون أن ذلك نور من قبل الرحمن، فيخرون ساجدين، فينادي مناد: ارفعوا رؤوسكم، ليس الذي تظنون، إنما هو نور
_________________
(١) السَّحر: آخر الليل قبيل الفجر، جمعها: أسحار.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٠٤ ]
حورية تبسمت في وجه زوجها، فظهر من تبسمها هذا النور، فليس يا إخوتي يلام من اجتهد في طلب الحور الحسان، فكيف لمن طلب المولى الرحمن؟!! ثم أنشأ يقول:
ما ضر من كانت الفردوس (^١) منزله … ماذا تحمل من بؤس وإقتار
تراه يمشي نحيلًا خائفًا وجلا … إلى المساجد يسعى بين أطماري
سادسة: قال بعض الصالحين: رأيت سفيان الثوري بعد موته في المنام، فقلت له: كيف حالك يا سفيان؟ فأنشأ يقول:
نظرت إلى ربي عيانا فقال لي … هنيئًا رضاي عنك يا ابن سعيد
لقد كنت قوَّمًا إذا أظلم الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر تريده … وزدني فإني عنك غير بعيد
سابعة: عن بعض أصحاب الإمام أحمد قال: لما مات أحمد رأيته في المنام وهو يمشي ويتبختر في مشيته، فقلت له: يا أخي، أي مشية هذه؟ قال: مشية الخدام في دار السلام، قلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: هذا جزاؤ قولك القرآن كلام اللَّه مُنزَّل غير مخلوق (^٢)، وقال: يا أحمد قم حيث شئت، فدخلت الجنة، فإذا بسفيان الثوري له جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (^٣) الآية، فقلت: له: إيش خبر عبد الرزاق (^٤)؟ قال: تركته في بحر من النور، يراد به الملك
_________________
(١) قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومة، وقال كعب والسدي والضحاك. هو البستان الذي فيه شجر الأعناب، وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وفي الصحيحين: "إذا سألتم اللَّه الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة". تفسير ابن كثير [٣/ ١١١].
(٢) ما زال المسلمون على قانون السلف من أن القرآن كلام اللَّه -تعالى- ووحيه وتنزيله غير مخلوق حتى نبتت المعتزلة والجهمية فقالوا بخلق القرآن، متسترين بذلك في دولة الرشيد، ثم إن المأمون نظر في الكلام وباعث المعتزلة، وبقى يقدم رجلًا ويؤخر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن إلى أن قوي عزمه على ذلك في السنة التي مات فيها، ثم كان ما كان من أمر الإمام أحمد ابن حنبل من صموده ضد من قال ذلك إلى أن رفع اللَّه هذه المحنة في عهد المتوكل.
(٣) سورة الزمر [٧٤].
(٤) عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الحميدي مولاهم الصنعاني الإمام اليماني، ثقة، حافظ، مصنف شهير، عمي في آخره فتغير، وكان يتشيع، توفي سنة [٢١١] وله [٨٥] سنة. ترجمته: تهذيب التهذيب [٦/ ٣١٠]، تقريب التهذيب [١/ ٥٠٥]، الكاشف [٢/ ١٩٤]، تاريخ البخاري =
[ ١ / ١٠٥ ]
الغفور، فقلت: ما فعل بشر بن الحارث؟ فقال: بخ بخ، ومن مثل بشر!! (^١) تركته بين يدي الجليل -سبحانه- وهو مقبل عليه، وهو يقول: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم.
الثامنة: قال بعضهم: رأيت معروفًا الكرخي في النوم، كأنه تحت العرش، والجليل يقول لملائكته: من هذا؟ قالوا: أنت أعلم يا رب، قال: هذا معروف الكرخي؛ سكر من حبي، فلم يفق إلا بلقائي.
التاسعة: قال الربيع بن سليمان (^٢): رأيت الشافعي في النوم بعد وفاته فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب.
شاردة: قال ذو النون المصري: بينا أنا في بعض البراري إذا بشاب (كما خط) (^٣) عارضاه، فلما رآني ارتعد واصفرّ لونه، وولى هاربا، فقلت له: إنسي أم جني؟ قال: إنسي مثلك، فقلت: لم تهرب؟!! فقال: وهل الهرب إلا من مثلك؟ قال: فلحقته، وأقسمت عليه أن يقف لي، فوقف، فقلت له: أراك في هذه البرية وحدك، ما معك أنيس، أما تفزع؟ فقال: بلى؛ إن معي أنيسًا، فقلت: أين هو؟ فقال: عن يميني وشمالي وأمامي وخلفي، فقلت له: ما معك زاد؟ قال: بلى، فقلت: لا بد لك من شيء تستعين به على قيام الليل وصيام النهار، وخدمة العليم العلام، وأكثرت عليه، فولى وهو يقول:
ولي اللَّه لا تؤويه دار … ويكره أن يكون له عقار
يفر من القفار إلى جبال … فتبكي حين تفقده القفار
_________________
(١) = الكبير [٢/ ٣٢٠]، الجرح والتعديل [٦/ ٢٠٤]، ميزان الاعتدال [٢/ ٦٠٩]، سير الأعلام [٩/ ٥٦٣]، الثقات [٨/ ٤١٢]، البداية والنهاية [١/ ٢٦٥، ٣٢٦].
(٢) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء أبو نصر المروزي ثم البغدادي الزاهد الكبير المعروف ببشر الحافي، وهو ابن عم علي بن خشرم المحدث، سمع إبراهيم بن سعد وحماد بن زيد وأبا الأحوص وشريكًا ومالكًا والفضيل بن عياش، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وخالد بن عبد اللَّه الطحان والمعافي بن عمران وعبد اللَّه بن المبارك وغيرهم، وعنه: أحمد الدورقي ومحمد بن يوسف الجوهري، ومحمد بن المثنى السمسار وسري السقطي وعمر بن موسى الجلاد وإبراهيم ابن هانئ وخلق غيرهم. تاريخ الإسلام، وفيات [١٢١ - ٢٣٠].
(٣) الربيع بن سليمان الجيزي أبو محمد الأزدي مولاهم الأعرج، سمع ابن وهب والشافعي وإسحاق بن بكر وعبد اللَّه بن يوسف، وعنه: أبو داود والنسائي وأبو بكر بن أبي داود وأبو جعفر الطحاوي وجماعة، وكان حسن الحديث صدوقًا، توفي سنة [٢٥٦]. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٥١ - ٢٦٠].
(٤) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٠٦ ]
صبورا في قيام الليل جدا … وصوَّاما إذا طلع النهار
يقول لنفسه جدّي وكدّي … فما في خدمة الرحمن عار
يناجي ربه والدمع جار … إلهي إن قلبي مستطار
إلهي ما مناي منك دارًا … من الياقوت تسكنها الحوار
ولا جنات عدن يا إلهي … ولا شجر تزينه الثمار
ولكن وجهك الباقي مناي … به فامنن ففي ذاك الفخار
[ ١ / ١٠٧ ]