قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^١) أي لأنه ما نطق عن الهوى، فيرد إليه عند التنازع، فإن طاعته من طاعته، فإنه هادٍ بأحكامه وأوامره إلى الصراط الأقوم؛ صراط اللَّه، فليحذر المخالف، وليشكر الموالف.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (^٢).
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (^٣).
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٤).
وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (^٥) الآية.
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٦) الآية، أي إلى الكتاب والسنة.
_________________
(١) سورة الحشر (٧). أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه فإنه يأمر بخير وإنما ينهى عن شر، وروى البخاري في صحيحه [٤٨٨٦] كتاب تفسير القرآن، سورة الحشر، [٣] باب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لعن اللَّه الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه" فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: "وما لي لا ألعن من لعن رسول اللَّه ﷺ ومن هو في كتاب اللَّه، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، فقال: "لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛ أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] " قالت: بلى، قال: "فإنه قد نهى عنه"، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: "فاذهبي فانظري" فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئًا، فقال: "لو كانت كذلك ما جامعتنا".
(٢) سورة النجم [٣].
(٣) سورة آل عمران [٣١].
(٤) سورة الأحزاب [٢١].
(٥) سورة النساء [٦٥]. يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا بجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. "تفسير ابن كثير [١/ ٥٢٠] ".
(٦) سورة النساء [٥٩].
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (^١).
وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢).
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ (^٣) الآية.
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ (^٤) الآية. والآيات فيه كثيرة.
ولنذكر من الأحاديث اثنا عشر:
ومدارها على الإغرار والتحذير والإرشاد، فيرغب في المحافظة، ويحذر من الإضاعة.
فنذكر خواص المحافظة وتركها، وذكر عاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ، والإضاعة حكمها أجلًا وحقًا، والإشارة إلى ما يستحقه الروافض، والحفاظ من هجره ووداده.
الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعًا: "دعوني ما تركتكم؛ إنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (^٥) أخرجاه.
فالاختلاف على الأنبياء من المهلكات، والوفاق إذًا من المنجيات.
ثانيها: عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة وَجِلَتْ
_________________
(١) سورة النساء [٨٠].
(٢) سورة الشورى [٥٢].
(٣) في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. "تفسير ابن كثير [٣/ ٣١٦] ".
(٤) سورة الأحزاب [٣٤]. قال ابن جرير: واذكرن نعمة اللَّه عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات اللَّه والحكمة، فاشكرن اللَّه على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] أي ذا لطف بكنَّ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات اللَّه، والحكمة هي السنة، ﴿خَبِيرًا﴾ بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا، وقال قتادة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] قال: يمتن عليهن بذلك. "تفسير ابن كثير [٣/ ٥٠٣] ".
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٢٨٨] كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، [٢] باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه ﷺ، ومسلم في صحيحه [١٣٠ - (١٣٣٧)] كتاب الفضائل، [٣٧] باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٤٧، ٣٥٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٢١٥]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٧/ ٥٧٩]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١/ ١٥٨].
[ ١ / ٢٣٦ ]
منها القلوب وذرفت منها العيون (^١)، فقلنا: يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (^٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
النواجذ: بالذال المعجمة الأنياب، وقيل: الأضراس، فلزوم السُّنَّة والعض عليها بالنواجذ مُخرِج من الفتنة والظلمة والضلالة، وغيرها من المحدثات والبدع تدخل في الظلمة والجهالة.
ثالثها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قيل: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (^٣) أخرجه البخاري.
فعاقبة المحافظة على طاعة الرسول يورث الجنة، وعاقبة غيره حرمانها، نعوذ باللَّه من المحنة.
رابعها: حديث سلمة بن الأكوع: "أن رجلًا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت" ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه" (^٤) أخرجه مسلم.
فعاقبة الممتنع منها كبرًا ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ (^٥) ذوق وبال أمره، وكان
_________________
(١) ذرفت منها العيون: سألت الدموع. ووجلت منها القلوب: أي خافت.
(٢) أخرجه أبو داود [٤٦٠٧] كتاب السنة، باب في لزوم السنة، والترمذي [٢٦٧٦] كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأحمد في مسنده [٤/ ١٢٦، ١٢٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٤]، والحاكم في المستدرك [١/ ٩٦، ٩٧]، وابن حبان في صحيحه [١٠٢]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٧٨/ ١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ٢٢٠].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٢٨٠] كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، [٢] باب الاقتداء بسنن رسرل اللَّه ﷺ، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٦١]، والحاكم في المستدرك [١/ ٥٥، ٤/ ٢٤٧]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ١١]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٤٣]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [١/ ٢٩٩].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٠٧ - (٢٠٢١)] كتاب الأشربة، [١٣] باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، وأحمد في مسنده [٤/ ٤٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٢٧٧]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٨/ ١٠٥]، والدارمي في سننه [٢/ ٩٧]، والطبراني في المعجم الكبير [٧/ ١٥].
(٥) سورة القيامة [١٥].
[ ١ / ٢٣٧ ]
عاقبة أمره خسرا.
خامسها: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "لتُسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللَّه بين وجوهكم" (^١) أخرجاه.
وفيه عاقبة المتهاون بالسنَّة سوء ذات البين والمخالفة بين الوجوه، ففيه والحديثين قبله بيان العاقبة دنيا وأخرى.
سادسها: حديث أبي موسى قال: "احترق بيت على أهله من الليل، فلما حُدِّث رسول اللَّه ﷺ بشأنهم قال: "إن هذه النار عدوكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم" (^٢) أخرجاه.
فأساس السنة وأصلها أعظم نصيحة وأشد رحمة، وأبلغ بيان لكل عدو مؤذ من نار الدنيا (^٣) والأخرى فأنى يصرف عنها اللبيب.
سابعها: عنه مرفوعًا: "إن مثل ما بعثني اللَّه من الهدى كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُه في دين اللَّه -تعالى- ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يدفه بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى اللَّه الذي أُرسلت به" (^٤) أخرجاه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٧١٧] كتاب الأذان، [٧١] باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، ومسلم في صحيحه [١٢٧ - (٤٣٦)]، [١٢٨] كتاب الصلاة، [٢٨] باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام، وأبو داود في سننه [٦٦٣]، والترمذي [٢٢٧] وأحمد في مسنده [٤/ ٢٧١، ٢٧٢]، والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٢١، ٣/ ١٠٠].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٢٩٤] كتاب الاستئذان، [٤٩] باب لا تترك النار في البيت عند النوم، ومسلم في صحيحه [١٠١ - (٢٠١٦)] كتاب الأشربة، [١٢] باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وذكر اسم اللَّه عليها وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب.
(٣) قال النووي في أمره ﷺ في إطفاء النار حين النوم: هذا عام تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة؛ لأن النبي ﷺ علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم، فإذا انتفت العلة زال المنع. "النووي في شرح مسلم [١٣/ ١٥٨] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٩] كتاب العلم، [٢١] باب فضل من علم وعلَّم، ومسلم في =
[ ١ / ٢٣٨ ]
فالسنة غيث والقلوب أراضيه، فالطيب الأصل يقبل ويثبت، والمقارب يحبط ويمسك، والخبيث الأصل ضد ذلك، فطوبى لمن جبل على الخير، ويسر له وحفظه من الغير.
ثامنها: حديث جابر مرفوعًا: "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها (^١) وهو يذُبُّهنَّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلَّتون من يدي" (^٢) أخرجه مسلم.
والجنادب: نحو الجراد والفراش المعروف الذي يقع في النار، والحجز: جمع حجزة، وهى وقعد الإزار والسراويل، والسنَّة مانعة من مواقعة النار بالعقلاء، ومن هو كالفراش ينفلت من يدها، ويحرق نفسه.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (^٣) فهذا الحديث والذي قبله لبيان الأصل النفيس والخسيس قلبًا وعقلًا، والبعد حينئذ إلى كل أحد فطنة وغفلة على قدر محافظته وتهاونه.
تاسعها: حديثه أيضًا: "أمر رسول اللَّه ﷺ بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون في أيّه البركة" (^٤) أخرجه مسلم.
_________________
(١) = صحيحه [١٥ - (٢٢٨٢)] كتاب الفضائل، [٥] باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم، وأحمد في مسنده [٤/ ٣٩٩]، وابن أبي عاصم في السنة [٢/ ٤٣٧]، وابن كثير في تفسيره [٤/ ٣٧٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٩٩].
(٢) قوله: "فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها": أما الفراش فقال الخليل: هو الذي يطير كالبعوض، وقال غيره: ما تراه كصغار البق يتهافت في النار، وأما الجنادب فجمع جندب، وفيها ثلاث لغات: جُندُب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما، والثالثة حكاه القاضي بكسر الجيم وفتح الدال، والجنادب هذا الصرار الذي يشبه الجراد، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد؛ له أربعة أجنحة كالجرادة، وأصغر منها يطير ويَصِرُّ بالليل صَرًّا شديدًا، وقيل غيره. "النووي في شرح مسلم [١٥/ ١٤] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٩ - (٢٢٨٥)] كتاب الفضائل، [٦] باب شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٩٢]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٤٥٣]، والبيهقي في دلائل النبوة [١/ ٣٦٧]، والزبيدي في الإتحاف [٩/ ٥٩١]، والقرطبي في تفسيره [٥/ ١٦٥]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٤/ ١٠٤، ٢١٠].
(٤) سورة الزمر [٩].
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٣ - (٢٠٣٣)] كتاب الأشربة، [١٨] باب استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها، وأحمد في مسنده [٣/ ١٧٧، ٢٩٠]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٨/ ١٠٨]، والألباني في إرواء الغليل [٧/ ٣١].
[ ١ / ٢٣٩ ]
وفي رواية: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، فليأكلها ولا يدعها للشيطان" (^١) فالخلق عقولهم قاصرة عن دراية ما فيه الخير والبركات، وما فيه حظ الشيطان والشر والهلكات، وإذا كانت المصالح والمفاسد بهذه الدقة والخفاء فلا أدري إلا الاعتصام بسنَّة السادة الأنبياء المأخوذة من رب العالمين والسماء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
العاشرة: حديث ابن عباس: "قام فينا رسول اللَّه ﷺ بموعظة فقال: "أيها الناس تحشرون إلى اللَّه -تعالى- حفاة عراة غرلا (^٣) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (^٤)، وأول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥).
فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (^٦) أخرجاه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٤ - (٢٠٣٣)] كتاب الأشربة، [١٨] باب استحباب لعق الأصابع والقصعة وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها، وأحمد في مسنده [٣/ ١٧٧]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ٢٢٠]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [٢/ ٥].
(٢) سورة النور [١٩].
(٣) فال النووي: الغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء معناه غير مختونين، جمع أغرل وهو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته وهي قلفته، وهي الجلدة التي نقطع في الختان، قال الأزهري وغيره: هو الأغرل والأرغل والأغلف بالغين المعجمة في الثلاثة، والأقلف والأعرم بالعين المهملة، وجمعه غرل ورغل وغلف وقلف وعرم، والحفاة جمع حاف والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ١٥٩] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) سورة الأنبياء [١٠٤].
(٥) سورة المائدة [١١٧، ١١٨].
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٣٤٩] كتاب أحاديث الأنبياء، [٩] باب قول اللَّه - تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]، ورقم [٣٤٤٧] [٥٠] باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]، ورقم [٤٦٢٥] كتاب تفسير القرآن، [١٤] باب ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية، ورقم [٤٦٢٦]، [١٥] باب قوله ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ورقم [٤٧٤٠] من سورة الأنبياء، [١] باب ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ورقمي [٦٥٢٥، ٦٥٢٦] كتاب الرقاق، [٤٥] باب كيف =
[ ١ / ٢٤٠ ]
غرلًا: غير مختونين، وفيه أن المسألة قد تخرج وصاحبها لا يدري له فيه حكمها وعدم عصمتها، فهذا الحديث والذي قبله يسوغ حكمها جلاء في الواضحات، وخفاء في كثرتها، فطوبى لمن حافظ على كلها.
الحديث الحادي عشر: حديث عبد اللَّه بن مغفل: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الحذف، وقال: "إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السِّنَّ" (^١) أخرجاه.
وفي رواية: "أن قريبًا لابن مغفل حذف، فنهاه وقال: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عنه ثم عدت تحذف لا أكلمك".
وفيه: استحقاق المتهاون بعد العلم بالسنة وبحكمها لأن يهجر فلا يُكلَّم أبدًا.
الحديث الثاني عشر: حديث عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵄ يقبل الحجر -يعني الأسود- ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ قبلك ما قبلتك" (^٢) أخرجاه (^٣).
_________________
(١) = الحشر، ومسلم في صحيحه [٥٨ - (٢٨٦٠)] كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، [١٤] باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، والنسائي [٤/ ١١٤ - المجتبى]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٤/ ١١٩]، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٣٤٩]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [١٠/ ٤٥٦]، وابن حبان في صحيحه [٢٥٧٦ - الموارد].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٤٧٩] كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، [٥] باب الخذف والبندقة، ومسلم في صحيحه [٥٤ - (١٩٥٤)، ٥٥، ٥٦] كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، [١٠] باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو وكراهة الخذف.
(٣) هذا الحديث فيه فوائد منها استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر وابن عباس وطاوس والشافعي وأحمد، وانفرد مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء، وأما قول عمر ﵁: "لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع"، فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول اللَّه ﷺ في تقبيله، ونبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله، وإنما قال: "وإنك لا تضر ولا تنفع" لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار تعظيمًا ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، وكان العهد قريبًا بذلك، فخاف عمر أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به فيشتبه عليه، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته. "النووي في شرح مسلم [٩/ ١٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٦١٠] كتاب الحج، [٦٠] باب تقبيل الحجر، ومسلم في صحيحه [٢٤٨ - (١٢٧٠)] كتاب الحج [٤١] باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، =
[ ١ / ٢٤١ ]
واعلم أن ما ذكرناه من الأحاديث مدارها على المُرضي للَّه، الموصل إلى اللَّه، المسؤول في أم القرى ضمن كل صلاة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
على مهيمن: الإغراء والتحذير والبيان والإرشاد وفي المهم الأول: ست تنبيهات: ترغب في المحافظة على السنة، وترهب من إضاعتها، وذكر خواص المحافظة وعاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ والإضاعة، وحكمتها جلاء وخفاء والإشارة إلى ما تستحقه الروافض، والحافظ من هجر ووداد.
وفي المهم الثاني: بيان جملة من السنن المباركة المهمة النافعة، فمنها: مجالسة الكبراء، كما في حديث البيهقي، وذلك بأمور: أحدها: ترك السؤال الصادر عما لعله أهم للسامع، وثانيها: حسن الموافقة في كل قول وفعل وإرادة، وثالثها: مقابلة الأوامر والأخبار بالسمع والطاعة، والإيمان والتصديق لا بالعلم والرأي، وهي واضحة من الحديث الأول.
ومنها إفادة الكبير للمريدين بالمواعظ المؤثرة، وبالوصايا النافعة لاسيما إذا طلبت بصدق وبالإشارات المهمة كما في الحديث الثاني.
وفيه أيضًا حسن الاستفادة بأربعة أمور: الإقبال بالفهم والقلب كله على الكثير، وسؤال الوصية والعض بالنواجذ (^١) على الطريق المرضية، وتجنب ما خالف ذلك، والحذر منه ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (^٢)، ومنها ثلاثة أمور: التحذير الأبلغ مما يخالف بداية العقول على وجه من التغيير بدفع، والمراجعة فيما لا ينفهم حتى ينفهم، وأخذ الحذر مما حذَّر منه الناصح فلا يُعصى بشيء من أوامره البتة.
ومنها: الاحتفال بالأكل باليمين والأمر به لمن يتركه، وقبول النصح والبدار إليه، وترك الكبرياء فإنه مُهلك، وترك النفاق، فلا خير في شئ منه، وتحرِّي الصدق في الاعتذار وغيره ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣) وتغيير حذر سطوة
_________________
(١) = والترمذي في سننه [٨٦٠] كتاب الحج، باب ما جاء في تقبيل الحجر، وأبو داود في سننه [١٨٧٣] في المناسك، باب تقبيل الحجر.
(٢) الناجذ: الضرس، جمعها نواجذ، ويقال: ضحك حتى بدت نواجذه، ناجذ: استغرق في الضحك.
(٣) سورة يونس [٣٢]. قوله تعالى ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقّ﴾ [يونس: ٣٢] أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن ينفرد بالعبادة ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] أي فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو واحد لا شريك له. "تفسير ابن كثير [٢/ ٤٢٥] ".
(٤) سورة النحل [١٠٥].
[ ١ / ٢٤٢ ]
الأكابر، وتغيير قلوبهم ودعائهم كما في الحديث الرابع.
ومنها: الاهتمام بآداب ثمانية؛ تسوية الصفوف، ولاسيما للإمام، وأمر المتهاونين فيها به، وترك المواجهة بالموعظة، وتحسين القول كقوله: عباد اللَّه، ولم يقل أيُّها المسيئون.
والاحتفال بالإرشاد وتكريره حتى يرى أن قد عُقِلَ، وإنذار المتعرض للهلاك بجهله، وإيضاحه له، وأخذ الحذر من الشقاق، وتخالف الوجوه، وترك احتقار شيء من السببين فيجبه من الخير ما لا يوصف كما هو جلي من الحديث الخامس.
ومنها: إطفاء النار عند النوم وأن يُؤْخَذَ العبرة مما يتحدث به شأن الناس.
ومنها: التنبيه بضرب الأمثال، ولها فوائد جليلة، فليعنى به الألباء ويتيقن الهدى، والعلم غيب يحيي اللَّه به القلوب، فليحرص على التفقه فيه الناصح لنفسه معظمًا لنعمة اللَّه -تعالى- به، وأن التعليم بعد العلم مهم كالمراعي، وأن الرواية خير كثير فليحمل العلم من كل خلف عدوله كالاجادر (^١).
وليبك على نفسه المحروم من كل دراية ورواية ورعاية فإنه قيعان، ومنها إرغام الشيطان بلعق الأصبع والقصعة (^٢) وأكل المتناثر، وإطابة المطاعم حسًّا ومعنى.
ومنه إماطة الأذى عن المأكول والمشروب، والتبرك باستعمال أقوال الصالحين، وترك الحذف، وتقبيل الحجر الأسود، ولا يخفى الفهم بعد ذلك ما يستنبط منه أو يُستزاد، ويؤخذ منه، وباللَّه الإعانة والتسديد.