فيه آيات: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^١) الآية.
وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (^٣)
ومعنى الإخلاص: التصفية مما سوى الرب ﷻ، وشغل القلب به.
وأما الأحاديث فكثيرة، نذكر منها اثني عشر حديثًا، أولها: حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^٤) وهو قاعدة الدين، وأساس السالكين، وشرعت لتمييز العبادات عن العادات، ورتب العبادات، وفرق بين النية والأمنية.
رضوا بالأمانى وابتلوا بحظوظهم … وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
وهو حديث أخرجه الشيخان، وغيرهما في صحيحيهما من حديث عمر بن الخطاب، ولم يصح إلا من طريقه (^٥).
_________________
(١) سورة البينة [٥]. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] ولهذا قال ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣١] أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج. تفسير ابن كثير [٤/ ٥٣٧].
(٢) سورة الحج [٣٧].
(٣) سورة آل عمران [٢٩].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١] كتاب بدء الوحي، [١] باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ، عن عمر بن الخطاب، وأبو داود في سننه [٢٢٠١]، والترمذي [١٦٤٧] كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا، والنسائي [١/ ٥٨، ٦/ ١٥٨ - المجتبى]، وابن ماجه [٤٢٢٧]، وأحمد في مسنده [١/ ٢٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٤١، ٢١٥، ٢/ ١٤، ٦/ ٣٣١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٥٦]، وابن خزيمة في صحيحه [٢٤٢، ٤٥٥]، وأبو نعيم في الحلية [٦/ ٣٤٢، ٨/ ٤٢]، والحميدي في مسنده [٢٨].
(٥) قال النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابًا من الفقه، وقال آخرون: هو ربع الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبدأ فيه بهذا =
[ ١ / ٣٩ ]
ثانيها: حديث عائشة مرفوعا: "يغزوا جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم، ثم يبعثون على نياتهم" (^١).
أخرجاه وهو دالٌّ على أن كل أحد يحفظ على قدر نيته، والخسف بالصالح ونحوه ليس خزيًا له، بل لفراغ أجله، كما في حديث البيهقي.
وهذا الحديث والذي قبله لتمييز الأعمال والأشخاص.
ثالثها: حديثها أيضًا مرفوعا: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (^٢) أخرجاه أيضًا، أي هجرة من مكة أو كاملة.
وهو دال على ديمومية النية، وأنها قرينة الجهاد.
رابعها: حديث جابر مرفوعا: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم؟ حبسهم المرض". (^٣)
أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري من حديث أنس.
خامسها: حديث أبي يزيد معن بن يزيد بن الأخنس الصحابيون قال: "كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها فقال: واللَّه ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "لك ما
_________________
(١) = الحديث تنبيهًا للطالب على تصحيح النية، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة مطلقًا، وقد فعل ذلك البخاري وغيره. النووي في شرح مسلم [١٣/ ٤٧] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الحج [٤٩] باب هدم الكعبة، ومسلم في صحيحه [٤ - (٢٨٨٢)] كتاب الفتن وأشراط الساعة، [٢] باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت، والنسائي [٥/ ٢٠٦ - المجتبى]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٥٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١١]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٧٢٠].
(٣) أخرجه البخاري [٤٣٠٩، ٤٣١٠] كتاب المغازي، [٥٤] باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح، ومسلم [٨٦ - (١٨٦٤)] كتاب الإمارة، [٢٠] باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى "لا هجرة بعد الفتح"، والترمذي [١٥٩٠] كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود في سننه [٢٤٨٠]، وأحمد بن حنبل في مسنده [١/ ٣١٦]، والنسائي [٧/ ١٤٦ - المجتبى]، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ١٩٥، ٩/ ١٦]، والدارمي [٢/ ٢٣٩]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٥٧ و٣/ ١٨].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٥٩ - (١٩١١)] كتاب الإمارة، [٤٨] باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، وابن ماجه [٢٧٦٤]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٠٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٢٤]، وابن حبان في صحيحه [١٦٢٣ الموارد]، وابن أبى شيبة في مصنفه [١٤/ ٥٤٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٨١٥، ٣٨١٦]، وعبد الرزاق في مصنفه [٩٥٤٧]، والبيهقي في دلائل النبوة [٥/ ٢٦٧]، والزبيردي في الإتحاف [١٠/ ٧]، والعراقي في المغني [٤/ ٣٥٢].
[ ١ / ٤٠ ]
نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن"". (^١) أخرجه البخاري.
سادسها: عن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة في قصة مرضه مرفوعًا "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك" (^٢).
أخرجاه، وهو دال على قلب العادة عبادة بالنية، والمباح قربة، وناهيك بهذا الإكسير.
سابعها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن اللَّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". (^٣) أخرجه مسلم.
وهو دال على أن محلها القلب الذي هو محل نظر الجليل ﷻ، فبحسنها يصير صاحبها جميلًا.
وهو وما قبله دالان على قلب الأعمال أعيانًا، وعلوًا بعد تسفل، وهذا هو الإكسير.
ثامنها: حديث أبي موسى الأشعري قال: "سئل رسول اللَّه ﷺ عن رجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللَّه؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه"". (^٤) أخرجاه.
_________________
(١) أخرجه البخاري [١٤٢٢] كتاب الزكاة، [١٧] باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر، وأحمد في مسنده [٥/ ١٣٣، ٤٧٠]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ٦٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٣٤]، والطبراني في المعجم الكبير [١٩/ ٤٤١].
(٢) أخرجه البخاري [٦٧٣٣] كتاب الفرائض، [٦] باب ميراث البنات، عن سعد بن أبي وقاص، ومسلم [٥ - (١٦٢٨)] كتاب الوصية، [١] باب الوصية بالثلث، والترمذي في سننه [٢١١٦] كتاب الوصايا باب ما جاء في الوصية بالثلث، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأبو داود في سننه في الوصايا، باب [٢]، وأحمد في مسنده [١/ ١٧٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٦٨، ٢٦٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٦٢].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٣٣ - (٢٥٦٤)]، [٣٤] كتاب البر والصلة، [١٠] باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، وابن ماجه [٤١٤٣]، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٨٥، ٥٣٩]، والطبراني في المعجم الكبير [٣/ ٣٣٨]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١٠/ ٢٣١]، والشجري في أماليه [٢/ ٢٠٤]، وابن المبارك في الزهد [٥٤٠]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٤/ ٩٨، ٧/ ١٢٤].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٤٥٨] كتاب التوحيد، [٢٧] باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق، ومسلم في صحيحه [١٤٩ - (١٩٠٤)، ١٥٠، ١٥١] كتاب الإمارة، [٤٢] باب من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه، والترمذي [١٦٤٦] =
[ ١ / ٤١ ]
وهو بيّن لجد الأعمال ورديئها، ونافعها عند الرب ﷻ.
تاسعها: حديث أبي بكرة مرفوعًا: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قلت: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (^١) أخرجاه، وهو بيان لفساد النية وإفسادها.
عاشرها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "صلاة الرجل جماعة تزيد على صلاته في بيته وسوقه بضعًا وعشرين درجة (^٢)، وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه". (^٣)
أخرجاه، وهو دال على أن نية المقاصد تحرز جزاء وسائلها وتوابعها وتفاصيلها.
ومنه حديث: "من احتبس فرسا في سبيل اللَّه. . . . الحديث". (^٤)
_________________
(١) = كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا، والنسائي [٦/ ٢٣ - المجتبى]، وابن ماجه [٢٧٨٣]، وأحمد في مسنده [٤/ ٣٩٢، ٣٩٧]، والحاكم في المستدرك [٢/ ١٠٩]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ١٦٧، ١٦٨]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٢/ ٢٩٦].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٧٠٨٣] كتاب الفتن، [١٠] باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ومسلم في صحيحه [١٤ - (٢٨٨٨)] كتاب الفتن وأشراط الساعة، [٤] باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، والنسائي [٧/ ١٢٥ - المجتبى]، وابن ماجه في سننه [٣٩٦٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٩٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٥٣٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٣/ ٣٠٣، ٦/ ٢٦٢].
(٣) قال النووي: المراد صلاته في بيته وسوقه منفردًا، هذا هو الصواب، ؤقيل فيه غير هذا، وهو قول باطل نبهت عليه لئلا يغتر به، والبضع: بكسر الباء وفتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة، هذا هو الصحيح. النووي في شرح مسلم [٥/ ١٤١] طبعة دار الكتب العلمية.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٧] كتاب الأذان، [٣٠] باب فضل صلاة الجماعة، ومسلم في صحيحه [٢٧٢ - (٦٤٩)] كتاب المساجد ومواضع الصلاة، [٤٩] باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، وأبو داود في سننه [٥٥٩] كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، وابن ماجه [٧٨٦، ٧٨٨، ٧٩٠]، والدارمي في سننه [١/ ١٩٢]، وابن حبان في صحيحه [٤٣١ - الموارد].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٨٥٣] كتاب الجهاد والسير، [٤٥] باب من احتبس فرسًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، والنسائي [٦/ ٢٢٥ - المجتبى]، وأحمد في مسنده =
[ ١ / ٤٢ ]
الحادي عشر: حديث ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: "إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها اللَّه عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئة واحدة" (^١) أخرجاه، وهو من المبشرات.
الثاني عشر: حديث ابن عمر مرفوعًا في قصة أصحاب الغار الثلاثة، وأن الصخرة انفرجت عنهم، وخرجوا يمشون" أخرجاه (^٢)، وهو دال على أن من أخلص للَّه العبادة ولو عملا واحدا استجيب دعاؤه حتى في المهمات، ويكون من عباده المخلصين.