قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^١).
ففيه أن الأمر بالإصلاح فيه خير، وإن من عمله ابتغاء مرضات اللَّه سوف يؤتيه أجرًا عظيمًا.
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^٢).
ففيها الأمر بإصلاح (^٣) الأحوال التي هي ذات البين حتى تكون أحوال أُلفة ومحبة واتفاق واتحاد وتواخ في اللَّه، وتواس فيما رزق اللَّه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^٤).
فالإيمان عقد بين أهله من النسب والسبب ما لا ينقص عن عقد الأخوة، ثم العادة السعي البليغ في الإصلاح بين أخوة الولادة، فالأخوة في الدين أولى بذلك، وأشد منه.
فالآية الأولى أمره بالصلاح، وفي الثانية وقوعه، والثالثة والرابعة الأمر بإصلاح ذات البين وبالإصلاح بين الأخوين.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل سُلَامَي (^٥) من الناس
_________________
(١) سورة النساء [١١٤]. يعني كلام الناس ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ الآية، أي إلا نجوى من قال ذلك فيما رواه ابن مردويه بسنده عن أم حبيبة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: "كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر اللَّه ﷿ أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر". "تفسير ابن كثير [١/ ٥٥٤] ".
(٢) سورة الأنفال [١].
(٣) قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أي واتقوا اللَّه في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظلموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا؛ فما آتاكم اللَّه من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، وقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أي لا تستبوا. "تفسير ابن كثير [٢/ ٢٩١] ".
(٤) سورة الحجرات [١٠].
(٥) السلامي: بضم السين المهملة وتخفيف اللام وهو المفصل وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء، وفي القاموس: السلامي كحبارى، عظام صغار طول الأصبع في اليد والرجل وجمعه سلاميات.
[ ١ / ٢٨٧ ]
عليهم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، وترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة حتى تعدل بينهما تصلح بينهما يصلح بينهما بالعدل" (^١).
وروينا فيهما عن أم كثوم بنت عقبة بن أبي معيط مرفوعًا: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا أو يقول خيرًا" (^٢).
ولمسلم زيادة: "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها".
وروينا فيهما من حديث عائشة قالت: "سمع رسول اللَّه ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه (^٣) في شيء وهو يقول: واللَّه لا أفعل، فخرج رسول اللَّه ﷺ عليهما فقال: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف؟ " قال: أنا يا رسول اللَّه، فله أيَّ ذلك أحب" (^٤).
معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ويسترفقه: يسأله الرفق. والمتألي: الحالف.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٧٠٧] كتاب الصلح، [١١] باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم، ورقم [٢٨٩١] كتاب الجهاد والسير، [٧٢] باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر، ورقم [٢٩٨٩] كتاب الجهاد والسير، [١٢٨] باب من أخذ بالركاب ونحوه، ومسلم في صحيحه [٥٦ - (١٠٠٩)] كتاب الزكاة، [١٦] باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، وأحمد في مسنده [٢/ ٣١٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ١٨٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٦٩٢] كتاب الصلح، [٢] باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، ومسلم في صحيحه [١٠١ - (٢٦٠٥)] كتاب البر والصلة والآداب، [٢٧] باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١٩٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٨٢٥، ٥٠٣١]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [٢/ ٧٥].
(٣) قوله: "وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه" أي بطلب منه أن يضع عنه بعض الدين ويرفق به في الاستيفاء والمطالبة، وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس بمثل هذا ولكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء ونحو ذلك إلا من ضرورة، واللَّه أعلم، وقوله: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف؟ " قال: "أنا يا رسول اللَّه وله أيَّ ذلك أحب" المتألي الحالف والآلية اليمين وفي هذا كراهة الحلف على ترك الخير وإنكار ذلك، وأنه يستحب لمن حلف لا يفعل خيرًا أن يحنث فيكفر عن يمينه، وفيه الشفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشفاعة في الخير. "النووي في شرح مسلم [١٠/ ١٨٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٢٧٠٥] كتاب الصلح، [١٠] باب هل يشير الإمام بالصلح؟ ومسلم في صحيحه [١٩ - (١٥٥٧)] كتاب المساقاة، [٤] باب استحباب الوضع في الدين، والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٣٠٥].
[ ١ / ٢٨٨ ]
وروينا فيهما من حديث سهل بن سعد الساعدي: "أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج (^١) رسول اللَّه ﷺ يصلح بينهم في أناس معه، فجلس رسول اللَّه ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول اللَّه قد حبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ يمشي في الصفوف حتى وقف في الصلاة، وأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ، فأشار إليه رسول اللَّه، فرفع أبو بكر يده فحمد اللَّه ورجع القهقرى وراءه (^٢) حتى قام في الصف، فتقدم رسول اللَّه فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس ما لكم حين نابكم في الصلاة أخذتم بالتصفيح (^٣) إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه" ثم التفت إلى أبي بكر ﵁ فقال: "يا أبا بكر ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت عليك؟ " قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللَّه ﷺ (^٤).
_________________
(١) في هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس ومشي الإمام وغيره في ذلك وأن الإمام إذا تأخر عن الصلاة تقدم غيره إذا لم يخف فتنة، وإنكار من الإمام، وفي أن المقدم نيابة عن الإمام يكون أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به، وفيه أن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافق. "النووي في شرح مسلم [٤/ ١٢٢] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) وفيه أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة لقوله: صفق الناس، وفيه جواز الالتفات في الصلاة للحاجة واستحباب حمد اللَّه -تعالى- لمن تجددت له نعمة ورفع اليدين بالدعاء، وفعل ذلك الحمد والدعاء عقب النعمة، وإن كان في صلاة، وفيه جواز مشي الخطوة والخطوتين في الصلاة، وفي أن هذا القدر لا يكره إذا كان لحاجة، وفيه جواز استخلاف المصلي بالقوم من يتم الصلاة لهم. "المرجع السابق [٤/ ١٢٢] ".
(٣) التصفيح: في النهاية: التصفيح والتصفيق واحد وهو من ضرب صفحة الكف على صفحة الكف الآخر، وقال النووي: التصفيح أن تضرب المرأة بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللعب واللهو فإن فعلت هكذا على جهة اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٢١٨] كتاب العمل في الصلاة، [١٦] باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به، ورقم [٢٦٩٠] كتاب الصلح، [١] باب ما جاء في الإصلاح بين الناس، وأبو داود في سننه [٩٤٠] كتاب الصلاة، باب التصفيق في الصلاة، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ٢١٥]. في هذا الحديث أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا تحتم الفعل، فله أن يتركه، ولا يكون هذا مخالفة للأمر بل يكون أدبًا وتواضعًا وتحذقًا في فهم المقاصد، وفيه ملازمة الأدب مع الكبار، وفيه أن السنة لمن نابه شيء في صلاته كإعلام من يستأذن عليه، وتنبيه =
[ ١ / ٢٨٩ ]
ومعنى حُبِسَ: أمسكوه ليضيفوه، ومدار هذه الأحاديث على بيان أُجرة المُرغِّب فيه وأهله ومحله وشرطه وتوسع الطريق الموصل إليه، وأن الآلية لا تمنع منه، وأن المصالح عليه أنواع، وحسن الانقياد إليه وأنه من لسان الشارع حتى يمضي إليه وإن بَعُدَ عن أهله وجماعة مسجده.
وفي الحديث الأول أن أهله كل ذي سلامى ولا يعمهم مثله، وأن محله كل اثنين فأكثر، وإن شرطه أن يكون بالقول، فلا يحل حرامًا، ولا يُحَرِّم حلالًا، فإنه صدقة يرغب فيها طالب فكاكه من النار.
وفي الثاني أنها محبوبة للشرع حتى أباح من أهله ما هو حرام في غيره من أقوال خير لم تكن مطابقة ونفى شرعًا أن يكون قائلها كذابًا.
وفي الثالث قوله: "أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف" وإن صاحب الحق قادر لإجابة خصمه، وأن المطلوب كان وضع بعض الدين إبراء، والإمهال والتيسير ترفقًا.
وفي الرابع خروجه ﷺ مع ناس للإصلاح، واحتباسه عندهم حتى حانت الصلاة ودخل فيها الناس.
_________________
(١) = الإمام وغير ذلك. "شرح مسلم للنووي [٤/ ١٢٢] طبعة دار الكتب العلمية".
[ ١ / ٢٩٠ ]