ومعناه الشيء يقصد وهو الوسط بين الإفراط والتفريط، والحسنة بين السيئتين، ومنه ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (^١).
والقصد: العدل، والاقتصاد: الاعتدال فلا غُلُوّ مسطع، ولا تقصير متساهل.
وقد قال ﷺ: "القصد القصد" (^٢).
قال تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (^٣).
فنفى كون الشقاء والكد في العبادة مفعولًا من أجله أنزل القرآن الداعي إلى اللَّه وعبادته، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٤) أي يريد اللَّه بكم اليسر والتخفيف بملة حنيفية سهلة لا إصر (^٥) ولا أغلال فيها، ولا يريد بكم العسر والمشقة والتعب والشقاء.
أما الأحاديث فنذكر منها اثنا عشر حديثًا:
ومدارها الزجر والتحذير البليغ عن غلو الخوارج المارقين، والترغيب في الاقتصاد المعتدل المُرضي للَّه، الموصل إلى اللَّه، المسئول في أم القرى ضمن كل صلاة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ (^٦).
الحديث الأول: عن عائشة أنه ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: "من هذه؟ "
_________________
(١) سورة لقمان [١٩].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٨/ ١٢٢]، وأحمد بن حنبل في مسنده [٢/ ٥١٤، ٥٣٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ١٨]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٩/ ٩٧].
(٣) سورة طه [١، ٢]. قال جويبر عن الضحاك: لما أنزل اللَّه القرآن على رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل اللَّه - تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه اللَّه العلم فقد أراد به خيرًا.
(٤) سورة البقرة [١٨٥].
(٥) أصر الشيء أصرًا: عقده وشده، ولواه وعطفه وحبسه، والإصر: العهد المؤكد الثقيل، وأظنها هي المقصودة في النص.
(٦) سورة النحل [٩]. قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] قال: طريق الحق على اللَّه، وقال =
[ ١ / ٢٢٦ ]
قالت: هذه فلانة؛ تذكر من صلاتها، قال: "مه، عليكم بما تطيقون، فواللَّه لا يملُّ اللَّه حتى تملُّوا (^١)، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه" (^٢) متفق عليه.
ومه: كلمة زجر ونهي، ومعنى لا يملُّ اللَّه: أي لا يقطع ثوابه عنكم، وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة المال حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم، فمفاسد (الناو) (^٣) والملل والعجز عن الدوام ونقص الخيرات.
ثانيها: عن أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (^٤)، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال
_________________
(١) = السدي ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] الإسلام، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] يقول: وعلى اللَّه البيان، أي يبين الهدى والضلالة، وقول مجاهد أقوى لأنه -تعالى- أخبر أن ثَمَّ طرقًا تُسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ [النحل: ٩] أي خائر مائل زائغ عن الحق. "تفسير ابن كثير [٢/ ٥٨٠] ".
(٢) قال النووي: الملل والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق اللَّه -تعالى- فيجب تأويل الحديث، قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المال فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم، وقيل: معناه لا يمل إذا مللتم، وقاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي وغيره، وفي هذا الحديث كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط والقلب منشرحًا، فتتم العبادة بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه أو يفعله بكلفة وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم. "النووي في شرح مسلم [٦/ ٦٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٣] كتاب الإيمان، [٣٣] باب أحب الدين إلى اللَّه أدومه، ورقم [١١٥١] كتاب التهجد، [١٨] باب ما يكره من التشديد في العبادة، ومسلم في صحيحه [٢١٥ - (٧٨٢)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٣٠] باب فضيلة العمل الدائم من قيام وغيره، وابن ماجه في سننه [٤٢٣٨]، وأحمد في مسنده [٦/ ٥١]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ١٧]، وابن خزيمة في صحيحه [١٢٨٢].
(٤) كذا بالأصل.
(٥) في عبادة النبي ﷺ روى البخاري في صحيحه [٤٨٣٧] كتاب تفسير القرآن، سورة الفتح، [٢] باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه" فقالت عائشة: "لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ "قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قال فقرأ ثم ركع.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول اللَّه ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي (^١) فليس مني" (^٢) " متفق عليه.
وفيه أن مفاسده المروق من الدين، "فمن رغب عن سنتي" وحقَّر أهلها وصيامهم وصلاتهم وعبادتهم مع عبادته فليس مني.
ثالثها: عن ابن مسعود مرفوعًا: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا أخرجه مسلم (^٣) وهم المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد، فهو مهلك.
رابعها: عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الدين يسر ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء من الدجلة" (^٤) رواه البخاري.
وفي رواية له: "سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدجلة، القصد القصد تبلغوا" (^٥).
_________________
(١) قال النووي: قوله ﷺ: "فمن رغب عن سنتي فليس مني معناه من تركها إعراضا عنها غير معتقد لها على ما هي عليه، أما من ترك النكاح على الصفة التي يستحب له تركه كما سبق، أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه أو لاشتغاله بعبادة مأذون فيها أو نحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم والنهي. "النووي في شرح مسلم [٩/ ١٥٠] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٠٦٣] كتاب النكاح، [١] باب الترغيب في النكاح لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ومسلم في صحيحه [٥ - (١٤٠١)] كتاب النكاح، [١] باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٧٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٤٥]، والقرطبي في تفسيره [٦/ ٢٦١، ٩/ ٣٢٨].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٧ - (٢٦٧٠)] كتاب العلم، [٤] باب هلك المتنطعون، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٢/ ٥٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٤٧٨٥]، والطبراني في المعجم الكبير [٢/ ٥٠]، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار [١/ ٩٥ و٢/ ٢١١].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٩] كتاب الإيمان، [٣٠] باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: "أحب الدين إلى اللَّه الحنيفية السمحة"، ورقم [٥٦٧٣] كتاب المرض والطب، [١٩] باب تمني المريض الموت، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٢٤٦]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٣٦٨]، وابن عبد البر في التمهيد [٥/ ١٢١].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٦٣] كتاب الرقاق، [١٨] باب القصد والمداومة على العمل، وأحمد في مسنده [٢/ ٣١٩]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٥٦٧]، وابن حبان في صحيحه =
[ ١ / ٢٢٨ ]
قوله: الدين: هو مرفوع على ما لم يسم فاعله، وروي منصوبًا، وروي: لن يشاد أحد الدين.
قوله ﷺ: "إلا غلبه" أي غلبه الدين، وعجز ذلك الشاذ عن مقاومة الدين بكثرة، والغدوة: سير أول النهار، والروحة: آخر النهار، والدجلة: آخر الليل.
وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: استعينوا على طاعة اللَّه -تعالى- بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم، بحيث تستلذون العبادة، ولا تسأمون فتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب، واللَّه أعلم.
فمن شاء فهو مغلوب عاجز عن مقاومته، منقطع عن مرامه، والمقتصد الواصل. (^١)
خامسها: عن أنس ﵁ قال: "دخل رسول اللَّه ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال ﷺ: "حُلُّوه، ليصل أحدُكُم نشاطه، فإذا فتر فليقعد"" (^٢) أخرجاه.
والفتور: منفر من القيام ينقص فيه، وعادة أهله الرقاد، وغيره ليس بمشروع لهم، فما لهم وله.
سادسها: عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي
_________________
(١) = [١٧٥٥ - الموارد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٤٠١]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ١٩٢، ٢/ ٢٢٧]، والقرطبي في تفسيره [١٢/ ٣]، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة [١١٦١].
(٢) في الحديث الأول المتقدم في هذا الفصل، وقد رواه مسلم عن عائشة في قوله ﷺ: "عليكم من الأعمال ما تطيقون" قال النووي: أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر، وفيه دليل على الحث على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصًا بالصلاة، بل هو عام في جميع أعمال البر، وفي قوله ﷺ: "وإن أحب الأعمال إلى اللَّه ما دووم عليه وإن قل" فيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ﷾. "النووي في شرح مسلم [٦/ ٦٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [١١٥٠] كتاب التهجد، [١٨] باب ما يكره من التشديد في العبادة، ومسلم في صحيحه [٢١٩ - (٧٨٤)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٣١] باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، والنسائي [٣/ ٢١٩ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٣/ ٣٠١]، وابن خزيمة في صحيحه [١١٨٠]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ١٦٠].
[ ١ / ٢٢٩ ]
فليرقد حتى يذهب عنه النوم (^١)؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (^٢) أخرجاه.
فالناعس فاقد التمييز، فأنى له العبادة، فالسنة زاجرة عن الإفراط.
سابعها: عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع رسول اللَّه ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا" أخرجه مسلم (^٣) أي بين الطول والقصر، فالاقتصاد محمود لأنه الهدي المحمدي المحمود، وكفى بذلك مرغبًا.
ثامنها: عن أبي جحيفة: "أنه ﷺ آخا بين سلمان وأبي الدرداء، فزاره سلمان فرأى زوجته مبتذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا" الحديث.
وفيه فقال سلمان: "إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى رسول اللَّه ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "صدق سلمان" (^٤) أخرجه البخاري.
فالقصد هو من أعطى كل ذي حق حقه، وغيره معتد ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
_________________
(١) فيه الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط، وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج فريضة عن وقتها، قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل لأنه محل النوم غالبًا. "النووي في شرح مسلم [٦/ ٦٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٢١٢] كتاب الوضوء، [٥٥] باب الوضوء من النوم، ومن لم ير من النعسة والنعستين أو الخفقة وضوءًا، ومسلم في صحيحه [٢٢٢ - (٧٨٦)] كتاب صلاة المسافرين وقصرها، [٣١] باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، وأبو داود في سننه [١٣١٠]، والترمذي في سننه [٣٥٥]، وأحمد في مسنده [٦/ ٢٠٢]، والتبريزي في مكاة المصابيح [١٢٤٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٤١ - (٨٦٦)]، ورقم [٤٢] كتاب الجمعة، [١٣] باب تخفيف الصلاة والخطبة، وأبو داود في سننه [١١٠١] كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس، وابن ماجه في سننه [١١٠٦] كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، [٨٥] باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، وأحمد في مسنده [٥/ ٩٣، ٩٤، ٩٨].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٩٦٨] كتاب الصوم، [٥١] باب من أقم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له، ورقم [٦١٣٩] كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، والترمذي في سننه [٢٤١٣] كتاب الزهد، والسيوطي في الدر المنثور [٢/ ٣٠٩]، والزبيدي في الإتحاف [٥/ ١٦٧].
[ ١ / ٢٣٠ ]
تاسعها: عن عبد اللَّه بن عمرو في قصة صلاته وصومه وقراءته وقوله بعد ما كبر: "يا ليتني قبلت رخصة رسول اللَّه ﷺ" أخرجاه (^١) بطوله.
فالاقتصاد سنة الأكابر المسددين، ومن شدد شُدِّد عليه (^٢).
عاشرها: عن حنظلة بن ربيع أحد كتَّاب الوحي قال: "لقيني الصدِّيق فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان اللَّه ما تقول؟! قال: نكون عند رسول اللَّه ﷺ فيُذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا (^٣) قال الصديق: فواللَّه إنا لنلقى مثل هذا، وأخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك فقال: "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وطرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ثلاث مرات. أخرجه مسلم (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [١٩٧٥] كتاب الصوم، [٥٥] باب حق الجسم في الصوم، ومسلم في صحيحه [١٨٢ - (١١٥٩)] كتاب الصيام، [٣٥] باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، وأبو داود في سننه [٢٤٢٧] كتاب الصوم، باب في صوم الدهر تطوعًا، وأحمد في مسنده [٥/ ١٨٨]، وعبد الرزاق في مصنفه [٧٨٦٢].
(٢) قال النووي: في حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وجمع مسلم ﵀ طرفه فأتقنها، وحاصل الحديث بيان رفق رسول اللَّه ﷺ بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمق والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها، واختلف العلماء فيه؛ فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر نظرًا لظواهر الأحاديث، قال القاضي وغيره: وذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها، وهي العيدين والتشريق. "النووي في شرح مسلم [٨/ ٣٣] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) قوله "عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات" هو بالفاء والسين المهملة، قال الهروي وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به أي عالجنا معايشنا وحظوظنا، والضيعات جمع ضيعة بالضاد المعجمة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة، ورى الخطابي هذا الحرف: عانسنا بالنون، قال: ومعناه لاعبنا، ورواه ابن قتيبة بالسين المعجمة قال: ومعناه عانقنا، الأول هو المعروف وهو أعم. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [١٢ - (٢٧٥٠)] كتاب التوبة، [٣] باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا، وقال النووي: قوله: "نافق حنظلة" معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقًا، فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، وساعة وساعة: أي ساعة =
[ ١ / ٢٣١ ]
(. . . . . . . .) (^١) للبر والذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون الملائكة الكرام، لكن نومتنا محسوبة كومتنا، فزدنا عليهم هذا التنويع من الخير بإذن السميع العليم.
الحادي عشر: عن ابن عباس ﵄ قال: "بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ: "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" (^٢) أخرجه البخاري. فالاستدراك إنما هو في المشروع، وغيره مردود ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
_________________
(١) = كذا وساعة كذا. "النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٦] طبعة دار الكتب العلمية".
(٢) كلمات غير واضحة نحو ثلاث كلمات.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٧٠٤] كتاب الإيمان والنذور، [٣١] باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٧٥]، والطبراني في المعجم الكبير [١٢/ ٢٤]، والدارقطني في سننه [٤/ ١٦١]، وابن حجر في تلخيص الحبير [٤/ ١٨٧].
[ ١ / ٢٣٢ ]