في عظيم المخلوقات وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورها، وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة.
وحاصله تلمس البصيرة لاستدراك البغية، وتمرنه العلم والعمل.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (^١).
أي فتزول عنكم رقدة الغفلة، وورطة الفترة.
وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢).
وقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (^٣) الآية.
وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤) الآية.
والآيات كثيرة.
ومن الأحاديث:
الحديث السالف: "الكيس من دان نفسه" (^٥) أي ناظرًا في صلاحها وفسادها،
_________________
(١) سورة سبأ [٤٦]. يقول ﵎: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أنك مجنون ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] أي إنما آمركم بواحدة وهي ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] أي تقوموا قيامًا خالصًا للَّه ﷿ من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦] أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكر في ذلك. تفسير ابن كثير [٣/ ٥٦٠].
(٢) سورة آل عمران [١٩٠ - ١٩١].
(٣) سورة الغاشية [١٧].
(٤) سورة يوسف [١٠٩]، الحج [٤٦]، غافر [٨٢].
(٥) أخرجه الترمذي في سننه [٢٤٥٩] كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وأحمد في مسنده [٤/ ٢٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٦٩]، والحاكم في المستدرك [١/ ٥٧، ٤/ ٢٥١]، والطبراني في المعجم الكبير [٧/ ٣٣٨، ٣٤١]، والزبيدي في الإتحاف [٧/ ٤٤]، ٨/ ٤٢٨، والطبراني في المعجم الصغير [٢/ ٣٦]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٥٢٨٩]، والمنذري في =
[ ١ / ١٢٩ ]
وطالبًا تزكيتها.
وفي صحيح البخاري في قصة العنبر: وإن ضلعها كذا، وأكل منها كذا وكذا.
وفي جامع الترمذي من حديث العباس وقال: حسن غريب، في السحابة وأنها المزن والعنان أيضًا. ثم قال ﷺ: "أتدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا، قال: "فإن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث سبعون سنة، والسماء التي فوقها كذلك" حتى عدهن سبع سماوات كذلك. ثم قال: "فوق السابعة بحر ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أعوال ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلن سماء، واللَّه -تعالى- فوق ذلك" (^١).
وقد حكى ابن عباس في حملة العرش ما يهيم، وقد ساقه البغوي وغيره في تفسيره في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ (^٢) وإن ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدمه مسيرة خمسمائة عام.
ويحكى أن أقدامهم في تخوم الأرض، والأرضون والسماوات إلى حجزتهم وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت.
وقال ابن أبي عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم تحت العرش.
ويروى أن ملكا من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه بمسيرة سبعمائة عام.
_________________
(١) = الترغيب والترهب [٤/ ٢٥٢]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [١/ ٢٦٧]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ١٩٦].
(٢) أخرجه الترمذي في سننه [٣٣٢٠] كتاب تفسير القرآن، باب من سورة الحاقة، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الجهمية، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في مسنده [١/ ٢٠٦، ٢/ ٣٧٠]، والزبيدي في الإتحاف [١٠/ ٢١٧].
(٣) سورة غافر [٧]. يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم، أي يتقربون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح. تفسير ابن كثير [٤/ ٧١].
[ ١ / ١٣٠ ]