عن الاسترسال في القطيعة، وهو واجبة من كل ذنب، وشرطها الإقلاع والندم والعزم على عدم العود، ورد ظلامة الآدمي واستحلالها.
وفيها آيات: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (^١) الآية.
وقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (^٢).
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (^٣) أي خالصة.
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (^٤).
وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٥).
وقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٦).
وقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٧) الآية.
وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٨).
وقال: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٩).
وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ (^١٠).
وقال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (^١١) الآية.
وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (^١٢).
_________________
(١) سورة النور [٣١].
(٢) سورة هود [٩٠].
(٣) سورة التحريم [٨]. التوبة النصوح: أي الصادقة الجازمة تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. تفسير ابن كثير [٤/ ٣٩١]. يقول تعالى ممتنًا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه: إنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر كقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾. تفسير ابن كثير [٤/ ١١٤].
(٤) سورة الشورى [٢٥].
(٥) سورة آل عمران [١٢٨].
(٦) سورة آل عمران [١٢٨].
(٧) سورة النساء [١٧].
(٨) سورة الأنفال [٣٨].
(٩) سورة التوبة [٣].
(١٠) سورة التوبة [٥]، [١١].
(١١) سورة التوبة [١٠٢].
(١٢) سورة التوبة [١٠٤].
[ ١ / ٤٩ ]
وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^١).
وقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).
وقال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣).
وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٤) الآية.
وقال: ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ (^٥).
وقال: ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (^٦).
وقال: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (^٧).
وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ (^٨).
وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ (^٩).
وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (^١٠).
وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (^١١).
وقال: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (^١٢).
وقال: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^١٣).
وقال: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (^١٤).
وقال: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (^١٥).
وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^١٦).
وقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (^١٧)
وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (^١٨) الآية.
وأما الأحاديث: فكثيرة نذكر منها اثني عشر حديثًا. أحدها: حديث أبي
_________________
(١) سورة التوبة [١٠٤].
(٢) سورة التوبة [٢٧].
(٣) سورة التوبة [١٠٦].
(٤) سورة التوبة [١١٧].
(٥) سورة التوبة [١٢٦].
(٦) سورة النحل [١١٩].
(٧) سورة الإسراء [٢٥].
(٨) سورة طه [٨٢].
(٩) سورة آل عمران [٨٩].
(١٠) سورة النور [١٠].
(١١) سورة الفرقان [٧٠].
(١٢) سورة الأحقاف [١٥].
(١٣) سورة الأحزاب [٧٣].
(١٤) سورة غافر [٣].
(١٥) سورة غافر [٧].
(١٦) سورة التحريم [٤].
(١٧) سورة البقرة [٥٤].
(١٨) سورة البقرة [٥٤].
[ ١ / ٥٠ ]
هريرة: "واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (^١) رواه البخاري.
وهو دال على أنها من سنن الأكابر، وشيم المآثر.
ثانيها: حديث الأغر بن يسار (^٢): "يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب إلى اللَّه في اليوم مائة مرة" (^٣) رواه مسلم.
وهو دال على الأمر بها مع الحمل على الاقتداء والتأسي.
ثالثها: حديث أنس: "للَّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في الأرض فلاة" (^٤) أخرجاه.
وفي مسلم: "وعليها طعامه وشرابه، فآيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (^٥) وهو دال على أنها
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣٠٧] كتاب الدعوات، [٣] باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٤١]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٣٢٥]، والألباني في السلسلة الصحيحة [٣/ ٤٣٦].
(٢) الأغر بن اليسار، البصري المزني، ويقال الجهني الغفاري، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم، وأبو داود، والنسائي، صحابي. ترجمته: تهذيب التهذيب [١/ ٣٦٥]، تقريب التهذيب [١/ ٨٢]، الكاشف [١/ ١٣٧]، الجرح والتعديل [٢/ ٣٠٨]، ميزان الاعتدال [١/ ٢٧٣]، لسان الميزان [١/ ٤٦٤]، تجريد أسماء الصحابة [١/ ٢٥]، أسد الغابة [١/ ١٩٩، ١٣٢]، الإصابة [١/ ٩٧]، الوافي بالوفيات [٩/ ١٩٤]، الثقات [٣/ ١٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٤٢ - (٢٧٠٢)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [١٢] باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، وابن ماجه [٧٨، ١٠٨١]، وأحمد بن حنبل في مسنده [٤/ ٢١١، ٢٦٠]، وابن أبي شيبة في مصنفه [١٠/ ٢٢٩]، والشجري في أماليه [٢/ ٢٩٤].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٣٠٩] كتاب الدعوات، [٤] باب التوبة، ومسلم في صحيحه [٨ - (٢٧٤٧)] كتاب التوبة، [١]، باب الحض على التوبة والفرح بها، وأحمد في مسنده [٢/ ٥٠٠، ٣/ ٨٣]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٠٤، ١٠٥]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٥٨].
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [٧ - (٢٧٤٧)] كتاب التوبة، [١]، باب في الحض على التوبة والفرح بها. قال النووي: للتوبة ثلاثة أركان: الإقلاع، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق، وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السنة بالشرع، وعند المعتزلة بالعقل. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٥٠] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٥١ ]
أفرح إلى الرب من جميع المفرحات، وإن تعاظم حتى أدهش الألباب، وطيش الأحلام.
رابعها: حديث أبي موسى: "إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (^١) أخرجه مسلم أيضًا.
خامسها: حديث أبي هريرة: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب اللَّه عليه" (^٢) أخرجه مسلم أيضًا.
سادسها: حديث ابن عمر: "إن اللَّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (^٣) رواه الترمذي وحسنه.
سابعها: حديث زر بن حبيش (^٤)، عن صفوان: "المرء مع من أحب يوم القيامة، وإن باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، والباب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عاما" رواه الترمذي (^٥) وقال حسن صحيح.
ثامنها: حديث أبي سعيد الخدري: "كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [٣١ - (٢٧٥٩)] كتاب التوبة، [٥] باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، وأحمد في مسنده [٤/ ٣٩٥]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٣٦، ١٠/ ١٨٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٢٩]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٨٨].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٤٣ - (٢٧٠٣)] كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، [١٢] باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٧٥، ٣٩٥]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٨٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٢٣٣١].
(٣) أخرجه الترمذي [٣٥٣٧]، وأحمد في مسنده [٢/ ١٣٢، ٣/ ٤٢٥]، والحاكم في المستدرك [٤/ ٢٥٧]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٩٣]، والشجري في أماليه [١/ ١٩٨]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٥/ ١٩٠]، والتبريزي في مكاة المصابيح [٢٣٤٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٤٤٩ - الموارد]، والقضاعي في مسند الشهاب [١٠٨٥].
(٤) زر بن حبش بن حباشة بن أوس بن بلال، أبو مريم الأسدي الكوفي الغاضري، ثقه جليل، أخرج له أصحاب الكتب الستة وتوفي سنة [٨١ أو ٨٢ أو ٨٣]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٣/ ٣٢١]، تقريب التهذيب [١/ ٢٥٩]، الكاشف [١/ ٣٢١]، تاريخ البخاري الكبير [٣/ ٤٤٧]، الجرح والتعديل [٣/ ٢٨١٧]، والوافي بالوفيات [١٤/ ١٩٠]. البداية والنهاية [٩/ ٦٦]، الإصابة [١/ ٥٧٧]، سير الأعلام [٤/ ١٦٦]، الثقات [٤/ ٢٦٩].
(٥) أخرجه الترمذي [٣٥٣٥] كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار، وما ذكر من رحمة اللَّه لعباده.
[ ١ / ٥٢ ]
وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل، فقال إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة (^١) انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناسًا يعبدون اللَّه -تعالى- فاعبد اللَّه معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلا بقلبه إلى اللَّه تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط.
فأتاهم ملك في صورة آدمي فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أدنى، فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (^٢) أخرجاه.
وفي رواية في الصحيحين: "فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها".
وفي أخرى فيه: " فأوحى اللَّه -تعالى- إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي أقرب".
وفي أخرى: "فنأى بصدره نحوها".
وهو دال على العناية بالتائب حتى تخرق العادة بالتقريب.
تاسعها: حديث كعب (^٣) في الثلاثة المتخلفين، ونزلت فيهم الآية (^٤) أخرجاه مطولا.
_________________
(١) قال النووي: مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعًا لنا بلا شك. النووي في شرح مسلم [١٧/ ٦٩] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه البخاري [٣٤٧٠] كتاب أحاديث الأنبياء، [٥٦]، باب منه، ومسلم في صحيحه [٤٦ - (٢٧٦٦)] كتاب التوبة، [٨]، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. وأحمد في مسنده [٣/ ٧٢]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٣/ ١٠٢].
(٣) كعب بن مالك بن أبي كعب واسمه عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، أبو عبد اللَّه، أبو عبد الرحمن، أبو محمد الأنصاري السلمي المدني الشاعر الخزرجي، صحابي مشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا، أخرج له: أصحاب الكتب الستة، وتوفي في خلافة علي. ترجمته: تهذيب التهذيب [٨/ ٤٤٠]، تقريب التهذيب [٢/ ١٣٥]، الكاشف [٣/ ٩]، تاريخ البخاري الكبير [٧/ ٢١٩]، الثقات [٣/ ٣٥٠]، أسد الغابة [٤/ ٤٨٧]، الإصابة [٤/ ٦١٠]، سير الأعلام [٢/ ٥٢٣].
(٤) أخرجه البخاري [٤٦٧٧] كتاب تفسير القرآن سورة براءة، [١١٨] باب ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى =
[ ١ / ٥٣ ]
وهو دال على أن الصادق في الإيمان يحرص على التوبة، ولو يجد فيها أشد الشدائد، وأن ضيق النفس والأرض بما رحبت مفتاح التوبة والفرج.
عاشرها: حديث عمران بن حصين في قصة الزانية المرجومة: "لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جاءت بنفسها للَّه" (^١) أخرجه مسلم.
حادي عشر: حديث ابن عباس: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب" (^٢) أخرجاه.
الثاني عشر: حديث أبي هريرة: "يضحك اللَّه ﷾ إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل اللَّه فيقتل، ثم يتوب اللَّه على القاتل فيسلم فيستشهد" (^٣) أخرجاه أيضًا.
_________________
(١) = إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، ومسلم في صحيحه [٥٣ - (٢٧٦٩)] كتاب التوبة، [٩]، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [٢٤ - (١٦٩٦)] كتاب الحدود، [٥]، باب من اعترف على نفسه بالزنى، وأبو داود في الحدود باب المرأة التي أمر النبي ﷺ برجمها من جهينة، والترمذي [١٤٣٥] كتاب الحدود، باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع، والنسائي في الجنائز [٤/ ٦٣ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٤/ ٤٤٠]، والطبراني في المعجم الصغير [١/ ١٩٣]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ١٠٠]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٨/ ٥٨١].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٣٦ - ٦٤٣٧] كتاب الرقاق، [١٠]، باب ما يتقى من فتنة المال، وقول اللَّه تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، ومسلم في صحيحه [١١٨ - (١٠٤٩)] كتاب الزكاة، [٣٩] باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، كلاهما عن ابن عباس، والترمذي [٣٧٩٣] كتاب المناقب، عن أبي بن كعب، وابن ماجه [٤٢٣٥]، وأحمد في مسنده [١/ ٣٧٠، ٣/ ٧٦، ١٩٢، ٢٣٨]، والطبراني في المعجم الكبير [٨/ ٢٩٥]، والهيثمي في مجمع الزوائد [١٠/ ٢٤٤]، وابن عبد البر في التمهيد [٤/ ٢٧٤]، والسيوطي في الدر المنثور [٦/ ٣٧٨].
(٤) أخرجه البخاري [٢٨٢٦] كتاب الجهاد والسير، [٢٨]، باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل، ومسلم في صحيحه [١٢٨ - (١٨٩٠)] كتاب الإمارة، [٣٥]، باب ببان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، والنسائي [٦/ ١٣٩ - المجتبى]، وأحمد في مسنده [٢/ ٤٦٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ١٦٥]، والحاكم في المستدرك [١/ ٢٦]، وقال النووي: قال القاضي: الضحك هنا استعارة في حق اللَّه -تعالى- لأنه لا يجوز عليه -سبحانه- الضحك المعروف في حقنا؛ لأنه إنما يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات، واللَّه -تعالى- منزه عن ذلك، وإنما المراد به الرضا بفعلهما، والثواب عليه وحمد فعلهما، ومحبته وتلقي رسل اللَّه لهما بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقته ما يرضاه، وسروره وبره لمن يلقاه، قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة اللَّه -تعالى- الذين يوجههم لقبض روحه =
[ ١ / ٥٤ ]
وهو دال على أن الرب -تعالى- يقبل التوبة ولو كانت السيئة الكفر، وقتل النفس الصالحة، ويضحك لها، وهو توكيد لعموم من تاب اللَّه عليه.
لا عذر لي قد أتى الشيب … فليت شعري بني أتوب
ومن رأى هول قبر … ساكنه مفرد غريب
ولست أدري إذا أتاني … رسول ربي بما أجيب
هل أنا عند الجواب مني … أُخطئ في القول أم أُصيب
أم أنا يوم الحساب ناج … أم لي في ناره نصيب
يا رب جد لي على رجائي … بمثله منك لا أجيب
وأما الحكايات فست:
الأولى: عن بعضهم أنه قال في آخر مجلس: اللهم اغفر لفتانًا قلبا، وأجمدنا عينا، وأقربنا بالمعصية عهدًا، فقام رجل (مونث) (^١) فقال: ها أنا ذا أعده عليَّ، فادع اللَّه كي يتوب عليَّ، فرأيت في الليلة الثانية، كأني واقف بين يدي الرب ﷻ، وهو يقول لي: سرني حين أوقعت الصلح بيني وبين عبدي، وقد غفرت لك وله ولأهل المجلس أجمعين من أخطأ ومن ندما.
يا رب قد تبت فاغفر زلتي كرمًا … وارحم بعفوك يا خير من رحما
لا عدت أفعل ما قد كنت أفعله … عمري فخذ بيدي يا خير من رحما
هذا مقام ظلوم خائف وجل … لم يظلم الناس لكن نفسه ظلما
واصفح بفضلك عمن جاء معتذرًا … واغفر ذنوب مسيء طالما اجترما
إبليس قد غواني … ومسني منهما الذنوب
إذا انقضى للشقاء ذنب … تجدد من بعده ذنوب
الثانية: عن ذي النون (^٢) قال: بينما أنا أمشي على شاطئ النيل إذ رأيت عقربًا
_________________
(١) = وإدخاله الجنة، كما يقال: قتل السلطان فلانًا أي أمر بقتله. النووي في شرح مسلم [١٣/ ٣٢] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) ذو النون المصري الزاهد اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال أبو الفيض بن أحمد، ويقال ابن إبراهيم أبو الفيض، ويقال أبو الفياض الأخميمي، وأبوه نوبي، روى عن الإمام مالك والليث بن سعد وابن لهيعة، وفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة وسلم الخواص وجماعة، وعنه أحمد بن صبيح وربيعة بن محمد الطائي ورضوان بن محيميد ومقدام بن داود والجنيد بن محمد وغيرهم وغيرهم. انظر تاريخ الإسلام، وفيات [٢٤١، ٢٥٠].
[ ١ / ٥٥ ]
تدب، فأخذت حجرًا فأردت قتلها، فهربت مسرعة، فوقفت على شاطئ النيل، فوثبت العقرب عليها، فغدت بها إلى ذلك فتبعتها، ونزلت عن ظهرها وإذا بنائم سكران أقبل عليه ثعبان ليلدغه، فلدغتها العقرب فتقطع الثعبان قطعًا، فأيقظت الرجل فقام فزعًا، فلما رأى الثعبان ولى هاربًا.
فقلت له: لا تخف كفيت أمره، وقصصت عليه القصة، فأطرق برأسه ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب هكذا تفعل بمن عصاك، فكيف تفعل بمن أطاعك، وعزتك وجلالك لا أعصيك بعدها أبدًا، ثم ولى باكيًا وهو يقول:
يا راقدًا والجليل يحرسه … من كل سوء يدن في الظلم
كيف تنام العيون عن ملك … تأتيك منه فوائد النعم
سبحان من خلق الأشياء وقدرها … ومن يجود على العاصي ويستره
يخفي القبيح ويبدي كل صالحة … ويغمد العبد إحسانا ويشكره
ويغفر الذنب للعاصي ويقبله … إذا أناب وبالغفران يجبره
ومن يلوذ به في دفع نائبة … يعطيه من فضله عزًا وينصره
ولا يضيع مثقالًا لمجتهد … في ماله بل يربيه ويؤخره
ومن يكن قلبه من ذنبه دنسًا … فبالمدافع والتقوى يطهره
وليس للعبد تصريف وأن له … مولى يغنيه أو إن شاء يفقره
فلا الحذار ينجي العبد من قدر … يريده اللَّه أو أمر يدبره
ونسأل اللَّه حقًا حسن خاتمة … عند الممات وصفوًا لا يكدره
الثالثة: حكي أن إبراهيم بن أدهم (^١) مر بسكران مطروح على قارعة الطريق، وقد طفح سكره من فمه، فنظر إليه إبراهيم وقال: أي لسان أصابته هذه الآفة وقد ذكر اللَّه به، فدنا منه وغسل فمه فلما أفاق أُخبر بفعل إبراهيم فخجل، فتاب فحسنت توبته، فرأى إبراهيم فيما يرى النائم كان قائلا يقول له: طهرت لأجلنا فمه، فطهرنا لأجلك قلبه.
_________________
(١) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، أبو إسحاق العجلي، وقيل التميمي البلخي الزاهد، أحد الاعلام، يروي عن أبيه ومنصور ومحمد زياد الجمحي وأبي إسحاق وأبي جعفر الباقر ومالك بن دينار والأعمش وجماعة، وعنه الثوري وشقيق البلخي وأبو إسحاق الفزاري وبقية وضمرة بن ربيعة ومحمد بن حمير وخلف بن تميم. انظر تاريخ الإسلام، وفيات [١٦١ - ١٧٠].
[ ١ / ٥٦ ]
الرابعة: حكي أن بشرًا كان في زمن لهوه في دار، وعنده ندماء يطيبون، فاجتاز منهم رجل صالح فدق الباب، فخرجت إليه جارية، فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ قالت: بل حر قال: صدقت؛ لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية، وترك اللهو والطرب، فسمع بشر (^١) محاورته لها، فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا، وقد ولى الرجل، فقال لها: ويحك من كلمك، فأخبرته بما قال، فتبعه بشر حتى لحقه، وقال له: يا سيدي أعد على كلامك، فأعاده، فمرغ بشر خده في الأرض، وقال: بل عبد، عبد، عبد، ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرف بالحافي، فقيل له: لم لا تلبس نعلين؟ فقال: لأني ما صالحت مولاي إلا وأنا حاف، فلا أزال عليها حتى أموت، وحكي عنه أنه سئل عن بدء أمره، وشهرة اسمه بين الناس فقال: هذا من فضل اللَّه، كنت رجلًا عبارًا صاحب عصبية، فوجدت قرطاسًا في الطريق فرفعته، فإذا فيه البسملة، فمسحته وجعلته في جيبي، وكان عندي درهمان لا أملك غيرهما، فشريت بهما غالية، وطيبت بها القرطاس، فرأيت في المنام تلك الليلة كأن قائلًا يقول: يا بشر لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة: (^٢)
تتوب من الذنوب إذا مرضت … وترجع للذنوب إذا برئتا
إذا ما الضر مسك أنت باك … وأخبث ما تكون إذا قويتا
فكم من كربة نجاك منها … وكم كشفت البلاء إذا بليتا
_________________
(١) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال، أبو نصر المروزي المعروف بالحافي الزاهد البغدادي، ثقة قدوة، أخرج له أبو داود في مسائله، والنسائي في مسند علي، توفي سنة [٢٢٧]. ترجمه: تهذيب التهذيب [١/ ٤٤٤]، تقريب التهذيب [١/ ٩٨]، تاريخ البخاري الكبير [٢/ ٨٥]؛ الجرح والتعديل [٢/ ٣٥٦]، ميزان الاعتدال [١/ ٣٢٨]، العبر [١/ ٣٩٩]، الذيل على الكاشف [١٢٥]، طبقات الصوفية [٣٩]، مجمع الزوائد [٧/ ٥]، الحلية [٨/ ٣٣٦]، طبقات ابن سعد [١/ ٢٩٥]، سير الأعلام [١٠/ ٤٦٩]، وفيات الأعيان [١/ ٢٧٤].
(٢) قريبًا من ذلك ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام: كان بشر بن الحارث شاطرًا يجرح بالحديد، وكان سبب توبته أنه وجد قرطاسًا في أتون حمام فيه "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" فعظم ذلك عليه، ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هنا ملقى، فرفعه، وقلع عنه السحاة التي هو فيها، وأعطى عطارًا درهمًا فاشترى له غالية لم يكن مع سواه، ولطخ بها تلك السحاة وأدخله شق حائط وانصرف إلى زجاج كان يجالسه، فقال له الزجاج: واللَّه يا أخي لقد رأيت لك في هذه الليلة رؤيا ما أقولها حتى تحدثني ما فعلت بينك وبين اللَّه، فذكر له شأن الورقة، فقال: رأيت كأن قائلًا يقول لي في المنام: قل لبشر: ترفع لنا اسمًا من الأرض إجلالًا أن يداس، لننوهن باسمك في الدنيا والآخرة. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٢١ - ٢٣٠].
[ ١ / ٥٧ ]
وكم غطاك في ذنب وعنه … مدى الأيام جهرًا قد نهيتا
أما تخشى بأن تأتي المنايا … وأنت على الخطايا قد ذهبتا
وتنسى فضل رب جاد لطفا … عليك ولا ارعويت ولا خثئتا
وكم عاهدت ثم نقضت عهدا … وأنت لكل معروف نسيتا
فدارك قبل نقلك عن ديارك … إلى قبر إليه قد نعيتا
الخامسة: حكي عن بعضهم أنه رؤي بعد موته في المنام فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أعطاني كتابي بيميني، فمررت بزلة فاستحييت أن أذكرها، فقلت: إلهي لا تفضحني، فقال: حين عملتها ولم تستحي مني لم أفضحك، أفأفضحك وأنت تستحي مني، قد غفرت لك زلتك، وأدخلتك الجنة برحمتي وكرمي.
فسبحان من أبدى جميل جماله … على عبده لطفًا وجود جواد
وأخفى المساوئ والعيوب تكرمًا … وحلما تعالى ساتر العباد
السادسة: مر عليّ ﵄ ببعض شوارع البصرة، فإذا هو بحلقة كبيرة، والناس حولها يمدون الأعناق ويشخصون إليها بالأحداق، فمضى إليهم لينظر ما سبب اجتماعهم، وإذا فيهم شاب حسن الشباب نقي الثياب، عليه هيئة الوقار، وسكينة الأخيار، وهو جالس على كرسي، والناس يأتونه بقوارير من الماء، وهو ينظرها ويصف لهم ما يوافق من أنواع الدواء، فتقدم إليه وقال: السلام عليك أيها الطبيب (^١) ورحمة اللَّه وبركاته، هل عندك شيء من أدوية الذنوب، فقد أعيا الناس دواءها فأطرق برأسه ولم يتكلم، فناداه ثانية وثالثة كذلك، فرفع الطبيب رأسه بعد ما رد السلام وقال: أوتعرف أدوية الذنوب، بارك اللَّه فيك؟ قال: صف وباللَّه التوفيق، قال: تعمد إلى بستان الإيمان، فتأخذ منه عروق النية، وحب الندامة، وورق التدبير، وبذر الورع، وثمر العفة، وأغصان اليقين، ولب الإخلاص، وقشور الاجتهاد، وعروق التوكل، وأكمام الاعتبار، وسيسبان الإنابة، وترياف التواضع، تأخذ هذه الأدوية بقلب حاضر، وفهم واقد، بأنامل التصريف، وكف التوفيق، ثم تضعها في طبق التحقيق، ثم تغسلها بماء الدموع، ثم تصفيها في قدر الرجاء، ثم توقد عليها
_________________
(١) في مرض ابن مسعود الذي توفي فيه فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاه؟ قال: لا حاجة لي فيه، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي بقرآن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا". تفسير ابن كثير [٤/ ٢٨١].
[ ١ / ٥٨ ]
بنار الشوق حتى ترعى زبد الحكمة، ثم تفرغها في صحاف الرضا، ثم تروح عليها بمرواح الاستغفار (^١)، ينعقد لك من ذلك شربة جدة، ثم تشربها في مكان لا يراك فيه أحد إلا مولاك، فإن ذلك يزيل عنك الذنوب، فلا يبقى عليك ذنب، ثم أنشأ يقول:
يا طالب الحوراء في حسنها … شمر فتقوى اللَّه من مهرها
وكن مجدًا وانيا … وجاهد النفس على صبرها
ثم شهق شهقة فارق الدنيا، فقال عليّ: واللَّه إنك لطبيب الدنيا والآخرة. قال ذو النون: إن للَّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب أعينهم، وسقوها بماء التوبة، فأثمرت ندما وحزنا، فجنوا من غير جنون، وإنهم لهم العارفون (^٢) باللَّه ورسوله، ثم شربوا بكأس الصفا، فوزنوا الصبر على طول البلاء، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت، وجالت فكرتهم بين سرايا حجب الجبروت، واستظلوا تحت رواق الندم، فقرأوا صحيفة الخطايا، فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا، واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بجبل النجاة، وعروة السلامة وسرحت أرواحهم في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر الحياة، وردموا خنادق الجزع، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا في سفينة العصمة، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الرَّاحة، ومعدن العز والكرامة.
ركب المحب إلى الحبيب سفينة … تجري من الخطرات في أمواج
في (سرسر) (^٣) الشر سرا أقلعت … في لج بحر زاخر عجَّاج
يا حسنها تجري به متفردا … بعلومه في جنح ليل داج
فالقلب مشكاة وفيه زجاجة … قد علقت بسلاسل المنهاج
_________________
(١) روى أبو داود في سننه [١٥١٨] عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
(٢) لما سأل المتوكل ذا النون فقال: يا أبا الفيض صف لي أولياء اللَّه. قال: يا أمير المؤمنين هم قوم ألبسهم اللَّه النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته، ثم أخرجهم وقد ودع القلوب ذخائر الغيوب، فهي معلمة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم إلى عظيم جلاله ناظرة، ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدواء، وعرفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتقى. . . إلى آخر كلامه. تاريخ الإسلام، وفيات [٢٤١ - ٢٥٠].
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٥٩ ]
متوقد بالنور من زيتونة … تسقي سراجًا فاق كل سراج
غيره:
واخجلة العبد من إحسان سيده … يا حيرة القلب من ألطاف (^١) معناه
واحسرة الطرف (^٢) لم ينظر لجانبه … من المعاصي ولا يرضى بها اللَّه
وكم أسأت وبالإحسان عاملني … وأخجلني وأحناي حين ألقاه
وكم له من أياد غير واحدة … وافت إليّ لعلمي أنه اللَّه
بلطفه وبفضل منه عرفتني … في حبه كيف أرجوه وأخشاه
يا نفس كم بخفي اللطف عاملني … وقد رآني على ما ليس يرضاه
يا نفس توبي من العصيان وانزجري (^٣) … فقد كفى ما جرى لي حسبي اللَّه
غيره:
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا … واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترى للمنايا (^٤) كيف تلقطنا … لقطا وتلحق أخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه … نفسي مصرعة آثار موتانا
يا نفس ما لي والأموال أتركها … خلفي وأخرج من دنياي عريانا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا … ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
كم قد رأينا أناسا صالحين مضوا … موتى وقد سلبوا دينا وإيمانا
فاستبدلوا الكفر بالإيمان (^٥) وانقلبوا … بسوء خاتمة في الموت إعلانا
_________________
(١) اللطف: الهدية، جمعها ألطاف.
(٢) طرف البصر طرفًا، تحرك جفناه وعييه وبهما: حرك جفنيه.
(٣) زجر: الكلب وغيره وزجر به زجرًا، كفه، وفلانًا عن كذا: منعه ونهاه وانتهره.
(٤) المنية: الموت، جمعها منايا.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [١١ - (٢٦٥١)] كتاب القدر، [١] باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة"، وقال النووي: إن هذا قد يقع في نادر الناس لا أنه غالب فيهم، ثم إنه من لطف اللَّه -تعالى- وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: (إن رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي). النووي في شرح مسلم [١٦/ ١٥٨] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٦٠ ]
أبعد خمسين قد قضيتها لعبًا … قد آن تقصيرها قد آن قد آنا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن … كانت تخر له الأذقان إذعانا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا … مستبدلين من الأوطان أوطانا
اخلوا منازل كان العز مفرشها … واستفرشوا حفرًا غرًّا وقيعانا
يا راكضا في ميادين الهوى مرحًا … ورافلا (^١) في ثياب الغي نشوانا
مضى الزمان وولى العمر في لعب … يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
_________________
(١) رفل رفلًا ورفولًا: جرَّ ذيله وتبختر في سيره فهو رافل وهي رافلة.
[ ١ / ٦١ ]