قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (^١).
وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٢) فالآية الأولى آمرة بالدعاء، وهذه مما يدعى به.
وهذه باعتبار مراتب المدعو في النباهة التامة وسلامة الصدور.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٣).
وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (^٤) فالآية الأولى معمِّمة لوجوه البِّر، والثانية مبينة بأنه فرض كفاية.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري ﵄ مرفوعًا: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (^٥) أخرجه مسلم، وهو حاث على الترغيب بالدلالة.
وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵄ مرفوعًا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (^٦).
_________________
(١) سورة القصص [٨٧].
(٢) سورة النحل [١٢٥].
(٣) سورة المائدة [٢]. يأمر اللَّه -تعالى- عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قيل: يا رسول اللَّه هذا نصرته مظلومًا، فكيف انصره ظالمًا؟!! قال: "تحجزه وتمنعه من الظلم فذلك نصره".
(٤) سورة آل عمران [١٠٤].
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٣ - (١٨٩٣)] كتاب الإمارة، [٣٨] باب فضل إعانة الغازي في سبيل اللَّه بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير، وأبو داود في سننه [٥١٢٩] كتاب الأدب، باب في الدال على الخير، والترمذي في سننه [٢٦٧١]، وأحمد في مسنده [٤/ ١٢٠، ٥/ ٢٧٢]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٢٨]، وابن حبان في صحيحه [٨٦٧ - الموارد]، والمنذري في الترغيب والترهيب [١/ ١٢٠]، والطبراني في المعجم الكبير [١٧/ ٢٢٥، ٢٢٦].
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه [١٦ - (٢٦٧٤)] كتاب العلم، [٦] باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، وأبو داود في سننه [٤٦٠٩] كتاب السنة، باب لزوم السنة، =
[ ١ / ٢٥٦ ]
وروينا في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁: "أنه ﷺ قال لعلي ﵁ يوم خيبر: "فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النعم" (^١).
وأي ترغيب أعظم من هذا في الهداية والتعليم، فإن حُمُر النعم فيها من النفع والجمال لأربابها أنفس شيء وأعزه، فكيف أجرها بالصدقة ونحوها وفي الذي قبله ترغيب في الدعاء إلى الهدى، والتحذير من الدعاء إلى الضلالة بمثل أجر فاعل ذلك.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أنس ﵄: "أن فتى من أسلم قال: يا رسول اللَّه إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، فقال: "ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض" فأتاه فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يُقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي عنه شيئًا، فواللَّه لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه" (^٢) وهو ظاهر في الدلالة على الخيرات كالعالم والعابد والواعظ والمتصدق وغير ذلك من العقائد والنصائح.
ومدار هذه الأحاديث على الترغيب في الدلالة والدعاء والهداية بالقول البين بجزيل الأجر وبالفعل الجاذب إلى الاقتداء.
_________________
(١) = والترمذي في سننه [٢٦٧٤]، وابن ماجه [٢٠٦]، وأحمد في مسنده [٢/ ٣٩٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٨]، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة [٨٦٥].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٧٠١] كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، [٩] باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن ﵄، ومسلم في صحيحه [٣٤ - (٢٤٠٦)] كتاب فضائل الصحابة، [٤] باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵄، قال النووي: هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه، وقد سبق أن تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها لو تصورت، وفي هذا بيان فضيلة العلم والدعاء إلى الهدى ومن السنن الحسنة. "النووي في شرح مسلم [١٥/ ١٤٥] طبعة دار الكتب العلمية".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٤ - (١٨٩٤)] كتاب الإمارة، [٣٨] باب فضل إعانة الغازي في سبيل اللَّه بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير، قال النووي: فيه فضيلة الدلالة على الخير، وفيه أن ما نوى الإنسان صرفه في جهة بر فتعذرت عليه تلك الجهة يستحب له بذله في جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزمه بالنذر.
[ ١ / ٢٥٧ ]