وهو مسك النفس وحبسها عما يكره الرب -تعالى- وتنشأ من تعظيم أمره، وإيثار رضوانه، والحذر من مقته. ويترتب عليه الثبات -إن شاء اللَّه- إلى الممات.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ (^١) والصبر شامل، والمصابرة فرد من أفراده.
والعطف للعناية، لينال بها في الجهاد إلى أشرف غاية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢).
وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (^٣) أي المهمات منها.
وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. (^٤)
فالالتجاء بهما عند حلول البليات يجزل الصلات.
وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (^٥) فيعز المرء إذ ذاك أو يهان، فبالاختبار تظهر الرجال.
والآيات في الأمر بالصبر كثيرة مشهورة غزيرة، ولنذكر جملة من الأحاديث الثابتة في فوائده، ومستهلات منازله، وبيان وقته وأهله وما ينافيه، وتنوع حكمته، والزجر عن تمني موجبه، فإنما هو للضرورة في شكر العافية أغنى عنه، وصبر السَّراء أفضل من صبر الضَّراء (^٦)، ويحضرنا منها تسعة وعشرون حديثًا.
_________________
(١) سورة آل عمران [٢٠٠]. قال الحسن البصري: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه اللَّه لهم وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف. تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٤].
(٢) سورة الزمر [١٠]. قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال لهم، إنما يغرف لهم غرفًا، وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] يعني في الجنة. تفسير ابن كثير [٤/ ٤٨].
(٣) سورة الشورى [٤٣].
(٤) سورة البقرة [٤٥].
(٥) سورة محمد [٣١].
(٦) قال النووي: الصبر المحبوب في الشرع هو الصبر على طاعة اللَّه -تعالى- والصبر على معصيته =
[ ١ / ٧٢ ]
أولها: حديث أبي مالك الحارثي الأشعري الطويل، وفيه: "والصبر ضياء" (^١) أخرجه مسلم.
إذا وجد حصل الفرج والوضأة، وإثابة سبل السلامة، واندار مهاوي الردى.
ثانيها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "ومن يتصبر يصبره اللَّه، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (^٢) متفق عليه.
وإذا حصل الوسع، فأي ضيق أو ضيم يوجد معه؟!!
ثالثها: حديث أبي يحيى صهيب بن سنان مرفوعا: "عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له" (^٣) رواه مسلم.
فكأنه يقلب ضرَها ونفعها، وأعظم بذلك وصفًا ووضعًا.
رابعها: حديث أنس: "لما ثقل رسول اللَّه ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (^٤) رواه البخاري.
_________________
(١) = والصبر أيضًا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا على الصواب، قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة، وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رحمه اللَّه تعالى: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور. النووي في شرح مسلم [٣/ ٨٦] طبعة دار الكتب العلمية.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه [١ - (٢٢٣)] كتاب الطهارة، [١] باب فضل الوضوء، والترمذي [٣٥١٧]، كتاب الدعوات، والنسائي في عمل اليوم والليلة، باب نوع آخر ذكر حديث كعب بن عجرة في المعجمات [ص ٧١]، وابن ماجه [٢٨٠]، وأحمد في مسنده [٥/ ٣٤٢، ٣٤٣]، والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٤٢]، وأبو عوانة في مسنده [١/ ٢٢٣]، وابن أبي عاصم في السنة [٢/ ٥٢٣]، وابن حبان في صحيحه [٢٣٣٦ - الموارد]، والسيوطي في الدر المنثور [١/ ١٢]، والزبيدي في الإتحاف [٢/ ٣٠٤، ٥/ ١٥].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [١٤٦٩] كتاب الزكاة، [٥٢] باب الاستعفاف عن المسألة، ومسلم في صحيحه [١٢٤ - (١٠٥٣)] كتاب الزكاة، [٤٢] باب فضل التعفف والصبر، وأبو داود في الزكاة، باب [٢٩]، والترمذي في سننه [٢٠٢٤] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الصبر، وأحمد في مسنده [٣/ ١٢، ٩٣].
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه [٦٤ - (٢٩٩٩)] كتاب الزهد والرقائق، [١٣] باب المؤمن أمره كله خير، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٧٨]، والزبيدي في الإتحاف [٩/ ١٤٠]، والشجري في أماليه [٢/ ٢٧٩]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٤]، والدارمي في السنن [٢/ ٣١٨].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٤٤٦٢]، كتاب المغازي، [٨٥]، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، وقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾، والتبريزي =
[ ١ / ٧٣ ]
وهو دال على بدء الشدائد، وإفضال العوائد.
خامسها: حديث أسامة: "أرسلت بنت رسول اللَّه ﷺ إن ابني قد احتضر، فأرسل إليها فلتصبر ولتحتسب (^١) متفق عليه.
فليس للعبد سوى الصبر، لينال الرحمة والثواب في المحيا والممات.
سادسها: حديث صهيب في قصة الغلام مع الساحر والراهب. (^٢) أخرجه مسلم بطوله.
وهو دال على أن من كان على الحق لا يضره نبال ولا منشار ولا نار بقدرة الجبار.
سابعها: حديث أنس: "مر ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، وفي لفظ على صبي لها، فقال: "اتقي اللَّه واصبري" فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه رسول اللَّه، فأتت بابه فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". (^٣) متفق عليه.
وهو دال على بيان أهم أوقات الاعتناء به، والشارع أقرَّها على قولها: إليك عني، وما أقواه من تجني.
ثامنها: حديث أبي هريرة مرفوعا: "يقول اللَّه -تعالى- ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفته من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة" (^٤) رواه البخاري.
_________________
(١) = في مشكاة المصابيح [٥٩٦١].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [١٢٨٤] كتاب الجنائز، [٣٢] باب قول النبي ﷺ: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته"، ومسلم في صحيحه [١١ - (٩٢٣)] كتاب الجنائز، [٦] باب البكاء على الميت، والنسائي في الجنائز باب [٢١]، وأحمد في مسنده [٥/ ٢٠٤]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٦٥]، وعبد الرزاق في مصنفه [٦٦٧٠]، والبخاري في الأدب المفرد [٥١٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٧٢٣].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه [٧٣ - (٣٠٠٥)] كتاب الزهد والرقائق، [١٧] باب قصة الأخدود والساحر والراهب والغلام، عن صهيب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه [١٢٨٣]، كتاب الجنائز، [٣١]، باب زيارة القبور، ومسلم في صحيحه [١٥ - (٦٢٦)] كتاب الجنائز، [٨]، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، قال النووي: معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦٤٢٤] كتاب الرقاق، [٦] باب العمل الذي يبتغي به وجه اللَّه -تعالى- وأحمد في مسنده [٢/ ٤١٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٧٣١].
[ ١ / ٧٤ ]
والصفي: هو الابن أو الحميم، أو الحبيب.
تاسعها: حديث عائشة مرفوعًا في الطاعون: "إنه كان عذابًا يبعثه اللَّه -تعالى- على من يشاء، فجعله اللَّه رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في بلدة الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه ما يصيبه إلا ما كتب اللَّه له إلا كان له مثل أجر الشهيد" (^١) رواه البخاري.
عاشرها: حديث أنس مرفوعًا: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما في الجنة" (^٢) يريد عينيه. رواه البخاري.
الحادي عشر: حديث ابن عباس في المرأة التي تُصرع وتنكشف، وأنها سألت الدعاء من رسول اللَّه ﷺ فقال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت اللَّه أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع اللَّه أن لا أنكشف، فدعا لها. (^٣)
الثاني عشر: حديث ابن مسعود: "كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (^٤).
الثالث عشر: حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر اللَّه بها من خطاياه" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٧٣٤] كتاب الطب، [٣١] باب أجر الصابر في الطاعون، وأحمد في مسنده [٦/ ٦٤].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦٥٣] كتاب المرضى والطب، [٧]، باب فضل من ذهب بصره، والبيهقي في السنن الكبرى [٣/ ٣٧٥]، والزبيدي في الإتحاف [٦/ ٣٦١، ٩/ ٢٨].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦٥٢] كتاب المرض والطب، [٦]، باب فضل من يصرع من الريح، ومسلم في صحيحه [٥٤ - (٢٥٧٦)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٤]، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، وأحمد في مسنده [١/ ٣٤٧]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٢/ ٧١، ٦/ ١٨٠]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٧٧]، والبيهقي في دلائل النبوة [٦/ ١٥٦].
(٤) أخرجه البخاري [٤/ ٢١٤]، ومسلم [١٠٥ - (١٧٩٢)] في الجهاد، وأحمد في مسنده [١/ ٤٤١]، والهيثمي في مجمع الزوائد [٦/ ١١٧]، والمنذري في الترغيب [٣/ ٤١٩]، والقاضي عياض في الشفا [١/ ٢٢٢]، والطبراني في المعجم الكبير [٦/ ١٤٦].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦٤١، ٥٦٤٢] كتاب المرضى والطب، [١] باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم في صحيحه [٥٢ - (٢٥٧٣)] كتاب البر والصلة والآداب.
[ ١ / ٧٥ ]
الرابع عشر: حديث ابن مسعود: "دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك توعك وعكًا شديدا، قال: "أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها إلا كفر اللَّه بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها"" (^١) متفق عليهن - أعني الأربعة.
شعر:
قد ينعم اللَّه بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي اللَّه بعض القوم بالنعم
الخامس عشر: حديث أنس مرفوعًا: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (^٢) متفق عليه أيضًا.
ووجه النهي أنه مناف للصبر الذي تركه محبط للأجر.
السادس عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه" (^٣) رواه البخاري.
وهو من تسهيل التخلق بالصبر.
السابع عشر: حديث خباب بن الأرت (^٤) مرفوعًا: "قد كان من قبلكم يؤخذ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦٤٨] كتاب المرضى والطب، [٣] باب أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأول فالأول، ومسلم في صحيحه [٤٥ - (٢٥٧١)] كتاب البر والصلة والآداب، [١٤] باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك.
(٢) أخرجه البخاري [٦٣٥١] كتاب الدعوات، [٣٠] باب الدعاء بالموت والحياة، ومسلم في صحيحه [١٠ - (٢٦٨٠)] كتاب الذكر والدعاء، [٤] باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، وأبو داود في الجنائز باب [١٣]، والترمذي في سننه [٩٧١] كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن التمني للموت، والنسائي [٤/ ٣ - المجتبى]، وابن ماجه في سننه [٤٢٦٥]، وأحمد في مسنده [٣/ ١٠٣]، والحاكم في المستدرك [٣/ ٤٤٣].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٥٦٤٥] كتاب المرضى والطب، [١] باب ما جاء في كفارة المرض، وأحمد بن حنبل في مسنده [٢/ ٢٣٧]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٣٦]، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين [٦/ ٢٩٦، ٩/ ١٤٢]، ومالك في الموطأ [٩٤١].
(٤) خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد، أبو عبد اللَّه أبو يحيى التميمي الزهري الخزاعي، صحابي جليل مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة [٣٧]. ترجمته: تهذيب التهذيب [٣/ ١٣٣]، تقريب التهذيب [١/ ٢٢٢]، الكاشف [١/ ٢٧٧]، تاريخ البخاري الكبير [٣/ ٢١٥]، تاريخ البخاري الصغير [١/ ٧٨]، الجرح والتعديل [٣/ ١٨١٧]، أسد الغابة [٢/ ١١٤]، سير الأعلام [٢/ ٣٢٣]، الثقات [٣/ ١٠٦]، أسماء الصحابة الرواة [٨٩].
[ ١ / ٧٦ ]
الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه" (^١) الحديث، رواه البخاري.
فالتبرم مناف للصبر، مخوف لعدم كشف الضر.
الثامن عشر: حديث ابن مسعود مرفوعا: لما قيل له، وقد قسم: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه اللَّه، فتغير وجهه ﵊ حين بلغه، حتى كان كالصِّرف (^٢)، ثم قال: "فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، يرحم اللَّه موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (^٣) متفق عليه.
وهو دال على أن هذه الأمور غير منافية للصبر ولا مفوتة للأجر، والأسى يذهب الأسى، عملًا بقوله: "لقد أوذي. . . إلى آخره".
التاسع عشر: حديث أنس مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد اللَّه بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة".
وقال ﷺ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه -تعالى- إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (^٤) رواه الترمذي وحسنه.
فالبلاء دليل إرادة الخير، إذ عقوبة الذنب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فمن عظم بلاؤه عظم أجره، وهو دال على محبة اللَّه لعبده إذا عجل عقوبته في الدنيا وآجره في العقبى.
العشرون: حديثه أيضًا في قصة أم سليم مع أبي طلحة في موت الولد وإخفائه حتى واقعها، فبارك لهما في ليلتهما، فحصل ولد ومنه تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن. (^٥) متفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٩/ ٢٦]، وأبو داود [٢٦٤٩]، والطبراني في المعجم الكبير [٤/ ٧٢].
(٢) الصرف: صبغ أحمر يصبغ به الجلود، قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضًا صرفًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٤٠٥] كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في صحيحه [١٤٠ - (١٠٦٢)] كتاب الزكاة، [٤٦] باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوى إيمانه، وأحمد في مسنده [١/ ٤١١]، والبيهقي في دلائل النبوة [٥/ ١٨٤].
(٤) أخرجه الترمذي في سننه [٢٣٩٦] كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، وابن ماجه في سننه [٤٠٣١] كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، والحاكم في المستدرك [٤/ ٦٠٨]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [١٥٦٥]، وأحمد في مسنده [٤/ ٨٧].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [١٣٠١] كتاب الجنائز، [٤١] باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، =
[ ١ / ٧٧ ]
فكل ما عند الشخص عارية، والحق لا يشق إلا على أحمق، والخلف عند الرب -تعالى- عاجلا أعظم وأكثر مما فات، يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم.
الحادي بعد العشرين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (^١)
الثاني بعد العشرين: حديث سليمان بن صرد: أنه ﷺ قال للذي احمر وجهه عند السب: "إني أعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم" فتعوذ (^٢). متفق عليهما.
الثالث بعد العشرين: حديث معاذ بن أنس مرفوعًا: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه اللَّه ﷿ على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء" (^٣) رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
فيا سعادة من وقع له ذلك بين الأمم، فيه يغبط ويسر، ويصرف كل ألم.
الرابع بعد العشرين: حديث أبي هريرة: "أن رجلا قال لرسول اللَّه ﷺ: أوصني، قال: "لا تغضب"، فردد عليه مرارًا، قال: "لا تغضب"". (^٤) رواه البخاري.
_________________
(١) = ومسلم في صحيحه [١٠٧ - (٢١٤٤)] كتاب فضائل الصحابة، [٢٠] باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري، وأحمد في مسنده [٣/ ١٩٦]، والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٦٦]، وابن حبان في صحيحه [٧٣٥ - المواد]، وأبو نعيم في حية الأولياء [٢/ ٥٨]، والشجري في أماليه [١/ ٣٠١].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٦١١٤] كتاب الأدب، [٧٦] باب الحذر من الغضب، ومسلم في صحيحه [١٠٧ - (٢٦٠٩)] كتاب البر والصلة والآداب، [٣٠] باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب، وأحمد في مسنده [٢/ ٢٣٦، ٢٦٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ٢٣٥].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٦١١٥] كتاب الأدب، [٧٦] باب الحذر من الغضب، ومسلم في صحيحه [١٠٩ - (٢٦١٠)] كتاب البر والصلة والآداب، [٣٠] باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، كلاهما عن سليمان بن صرد، ولم يذكر البخاري ومسلم هذه الكلمة الأخيرة "فتعوذ" ولكن قال في آخره: "فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ فقال: أتدري ما قال رسول اللَّه ﷺ آنفًا؟ قال: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه؛ أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم" فقال الرجل: أمجنونًا تراني؟ ".
(٤) أخرجه أبو داود [٤٧٧٧] كتاب الأدب، باب من كظم غيظًا، والترمذي [٢٠٢١] كتاب البر والصلة، باب في كظم الغيظ، وابن ماجه في سننه [٤١٨٦]، في الزهد، باب الحلم، وأحمد في مسنده [٣/ ٤٤٠]، والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ١٦١]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣/ ٤٤٩].
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه [٦١١٦] كتاب الأدب، [٧٦] باب الحذر من الغضب، والترمذي =
[ ١ / ٧٨ ]
أي لا تعمل بمقتضاه، فيخفف مؤنة الصبر وتأباه.
الخامس بعد العشرين: حديثه أيضًا مرفوعًا: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللَّه -تعالى- وما عليه خطيئة" (^١) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فهو صارف لمشقته، ومنه حديث: "مثل المؤمن كخامة الزرع" (^٢) وتسهيل لتناوله.
السادس بعد العشرين: حديث ابن عباس: أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب ﵄: فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يقع به، فقال له: الحرُّ يا أمير المؤمنين، إن اللَّه -تعالى- قال لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، واللَّه ما جاوزها عمر، "وكان وقَّافًا عند كتاب اللَّه". رواه البخاري (^٣).
وهو من صوارف المشقات، وتسهيل المعضلات.
السابع بعد العشرين: حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إنه ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول اللَّه، فماذا تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون اللَّه الذي لكم". (^٤)
فالأثرة من مجاري الصبر، والسؤال ليحمل الصبر وتصرف المشقة.
الثامن بعد العشرين: حديث أسيد بن حضير: "أن رجلًا من الأنصار قال: يا
_________________
(١) = في سننه [٢٠٢٠] كتاب البر والصلة، باب ما جاء في كثرة الغضب.
(٢) أخرجه الترمذي [٢٣٩٩] كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، والحاكم في المستدرك [٤/ ٣١٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٤/ ٢٨٦]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٧/ ٩١]، والعجلوني في كشف الخفا [٢/ ٢٧٥، ٤٢٢].
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه [٨/ ١٦٨]، وأحمد في مسنده [٣/ ٤٥٤، ٥/ ١٤٢].
(٤) أخرجه البخاري [٤٦٤٢] كتاب تفسير القرآن، سورة الأعراف، [٦] باب ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩﴾ [الأعراف: ١٩٩].
(٥) أخرجه البخاري [٣٦٠٣] كتاب المناقب، [٢٥] باب علامات النبوة في الإسلام، ومسلم في صحيحه [٤٥ - (١٨٤٣)] كتاب الإمارة، [١٠] باب وجوب الوفاء ببيعة الخفاء الأول فالأول. وقال النووي: هذا من معجزات النبوة وقد وقع هذا الإخبار متكررًا، ووجد مخبره متكررًا، وفيه الحث على السمع والطاعة، وان كان المتولي ظالمًا عسوفًا فيعطى حقه من الطاعة ولا يخرج عليه ولا يخلع، بل يتضرع إلى اللَّه -تعالى- في كشف أذاه ودفع شره واصلاحه. النووي في شرح مسلم [١٢/ ١٩٥] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٧٩ ]
رسول اللَّه، ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ قال: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"". (^١)
وهو مسهل للصبر على الأثرة، وصارف للمشقة، كما قيل:
كلما فات في الليالي المواضي … فهو في ذمة الليل البواقي
التاسع بعد العشرين: حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: "يا أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللَّه العافية" (^٢) الحديث، متفق عليهن - أعني الثلاثة.
فتمني ذلك قد يحمل على تمني البلايا والنوازل، فالصبر أجمل طريق؛ إذ به يحصل الجزاء على التحقيق.
ونذكر من الحكايات الائقة بذلك ما حضر:
فالحكاية الأولى: ما حكي عن بعضهم أنه رأى مبتلى يقول: الحمد للَّه الذي أنعمت عليَّ وفضلتني على كثير من خلقك تفضيلًا (^٣)، فقيل: على أي نعمة تحمده؟ أم على أي فضل تشكره؟ فواللَّه ما أرى شيئًا من البلاء إلا هو بك!! فقال: ألا ترى ما قد صنع اللَّه بي، فواللَّه لو أرسل السماء على نار فأحرقتني، وأمر الجبال فدكتني، والبحار فأغرقتني، ما ازددت له إلا حمدًا وشكرًا؛ فإن لي إليك حاجة، كانت لي بنت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري، فانظر هل هي موجودة فتطلبها بين تلك الرمال، فإذا السبع قد أكلها، فأخبرته بذلك، فقال: الحمد للَّه الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء، ثم شهق شهقة ومات، فجهزته ودفنته، فرأيته في المنام
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٧٩٢] كتاب مناقب الأنصار، [٨] باب قول النبي ﷺ للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، وعن ابن مسعود أخرجه مسلم في صحيحه [١٣٩ - (١٠٦١)] كتاب الزكاة، [٤٦] باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، والنسائي [٨/ ٢٢٥] المجتبى، وأحمد في مسنده [٣/ ١١١، ١٦٧]، والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٣٣٩]، وابن حبان في صجحه [٢٢٩٨ - الموارد]، وابن أبي شيبة [١١/ ٤٤٢، ١٤/ ٥٣٣].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه [٣٠٢٥] كتاب الجهاد والسير، [١٥٦] باب لا تمنوا لقاء العدو، ومسلم في صحيحه [٢٠ - (١٧٤٢)] كتاب الجهاد والسير، [٦] باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، وأبو داود [٢٦١٣]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٧٨]، والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ١٥٢]، والتبريزي في مشكاة المصابيح [٣٩٣٠]، وعبد الرزاق في مصنفه [٩٥١٤]، وأبو نعيم في حلية الأولياء [٨/ ٢٦٠].
(٣) روى الترمذي في سننه [٣٤٣١] كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا رأى مبتلى، عن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا إلا عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان ما عاش".
[ ١ / ٨٠ ]
في روضة خضراء عليه حلتان خضراوتان، وهو قائم يتلو القرآن، فقلت: ألست صاحبي بالأمس؟ قال: بلى، قلت: فما صيرك إلى ما أرى؟!! قال: وردت مع الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
الثانية: عن معروف الكرخي (^١) أنه توفي له ولد فلم يحزن عليه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت جوار اللَّه وثوابه خيرًا له مني.
الثالثة: عن أبي علي الرازي قال: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة، فما رأيته ضاحكًا إلا يوم أن مات ولده، فقيل له في ذلك، فقال: إن اللَّه أحب أمرًا فأحببته.
الرابعة: عن المعافي بن عمران قال: دخلت على فتح الموصلي فرأيته قاعدًا في الشمس، وصبية له عريانة، وابن له مريض، فقلت: ائذن لي حتى أكسو هذه الصبية، قال: لا، قلت: ولم؟ قال: دعها حتى يرى اللَّه صبرها وصبري عليها فيرحمني، قال: فجاوزت إلى الصبي، وقعدت عند رأسه فقلت: أتشتهي شيئًا؟ قال: ومن أنت؟ قلت: المعافي، فرفع رأسه إلى السماء، فقال مني الصبر، ومنك البلاء.
الخامسة: عن ذي النون المصري قال: رأيت بعض أصحابي في المنام، فقلت: ما فعل بك؟ قال: غفر لي ببركتك، ومحبتي فيك، فأدخلني الجنة، وعرض على منازلي فيها، قال ذلك ووجهه حزين، قلت: مالي أراك حزينًا؟ فتنفس الصعداء، ثم قال: لا أزال حزينًا إلى يوم القيامة، قلت: ولم؟ قال: لما رأيت منازلي في الجنة رفعت لي مقامات في عليين، فلما رأيتها فرحت وهممت بدخولها، فناداني مناد من فوقها: اصرفوه عنها، فليس هذه له، إنما هي لمن أمضى في سبيل اللَّه - يعني كلما أصابه شيء من أمور الدنيا، قال: في سبيل اللَّه، ثم لا يرجع فيه، فلو كنت أمضيت
_________________
(١) معروف الكرخي، هو زاهد العراف، وشيخ الوقت أبو محفوظ معروف بن الفيرزان، وقيل: ابن فيروز من أهل كرخ بغداد، وقيل: كنيته أبو الحسن، وكان أبوه من أعمال واسط من الصابئة، وقد ذكر معروف عند أحمد بن حنبل فقالوا: قصير العلم، فقال للقائل: أمسك، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ ومن قول معروف: إذا أراد اللَّه بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل، توفي سنة [٢٠٠]. تاريخ الإسلام للذهبي، وفيات [١٩١ - ٢٠٠]. فتح المولى، هو فتح بن محمد بن وشاح الأزدي الموصلي الزاهد أحد العارفين، ذكر المعافي ابن عمران شيخ الموصل أنه لقي ثمانمائة شيخ ما فيهم أعقل من فتح، وكان مشهورًا بالعبادة والفضل، وهو فتح الموصلي الكبير لا فتح الصغير، وكان كثير البكاء من خشية اللَّه، ملازمًا لقيام الليل، أرسل إليه المعافي بألف درهم فردها وأخذ منها درهمًا واحدًا مع شدة فاقة أهله، توفي سنة [١٦٥]. تاريخ الإسلام، وفيات [١٦١ - ١٧٠].
[ ١ / ٨١ ]
السبيل لأمضينا لك الدخول فيها.
السادسة: عن عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى ناحية (الخريبة) (^١) فإذا أن بشاب أسود مجذوم قد تقطعت أوصاله، وعمي، وأقعد، وإذا صبيان يرجمونه حتى أدموا وجهه، فرأيته يحرك شفتيه، فدنوت منه فإذا به يقول: يا سيدي إنك تعلم أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض، ونشرت عظامي بالمناشير، ما ازددت لك إلا حبا، واصنع بي ما شئت.
السابعة: روي أن يونس (^٢) ﷺ قال لجبريل "دلني على أعبد أهل الأرض، فأتى به إلى رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وهو يقول: متعتني بهما حيث شئت، وسلبتهما حيث شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا غفور، فقال يونس: يا جبريل سألتك أن تريني صواما قواما، فقال قد كان قبل البلاء هكذا، وقد أمرت أن أسلبه بصره، فأشار إلى عينيه فسالتا، فقال: متعتني بهما حيث شئت، وسلبتهما حيث شئت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بار يا غفور، فقال جبريل: هل تدعو وندعوا معك، ويرد اللَّه عليك يديك ورجليك وبصرك، وتعود إلى العبادة التي كنت عليها؟ فقال: ما أحب ذلك، قال: ولم؟!! قال: إذا كانت محبته في هذا، فمحبته أحب إليَّ، فقال يونس: ما رأيت أحدًا أعبد من هذا، فقال جبريل: هذا طريق لا يوصل إلى اللَّه بأفضل منه، وأنشدوا:
قالت لطيف الخيال زارها ومضى … باللَّه صفة ولا تنقص ولا تزد
فقال خلقته لو مات من ظمإ … وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته … يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
الثامنة: عن أبي الحسن السراج قال: حججت فبينا أنا أطوف فإذا أنا بامرأة قد أضاء حسن وجهها، فما رأيت مثل ذلك، وما ذاك إلا لقلة الهم والحزن، فسمعت ذلك القول مني فقالت: أعده فواللَّه إني لوثيقة بالأحزان، مكلومة الفؤاد بالهموم
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) فيما روى مسلم [١٦٧ - (٢٣٧٧)] في الفضائل، [٤٣] باب في ذكر يونس ﷺ عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" قال النووي: هذه الأحاديث تحتمل وجهين: أحدهما أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: "أنا سيد ولد آدم"، والثاني: أنه ﷺ قال هذا زجرًا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس ﷺ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته، قال العلماء: وما جرى ليونس ﷺ لم يحطه من النبوة مثقال ذرة، وخص يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذكر. النووي في شرح مسلم [١٥/ ١٠٩] طبعة دار الكتب العلمية.
[ ١ / ٨٢ ]
والأشجان، ما يشركني فيها أحد، قلت: وكيف ذاك؟ قالت: ذبح زوجي شاة وضحى بها، ولي ولدان صغيران يلعبان، وعلى ثديي طفل يرضع، فقمت لأصنع لهم طعاما، إذ قال ابني الكبير للصغير: ألا أريك كيف صنع أبي الشاة؟ قال: بلى، فأضجعه وذبحه، وخرج هاربًا نحو الجبل، فأكله ذئب، فانطلق أبوه في طلبه، فأدركه العطش فمات، فوضعت الطفل وخرجت إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم، فدب الطفل إلى البرمة، وهي على النار، فألقى يده فيها وصبها على نفسه، وهي تغلي، فانتثر لحمه عن عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها، فرمت بنفسها إلى الأرض، فوافت أجلها، فأفردني الدهر من بينهم، فقلت لها: كيف صبرك على هذه المصائب العظيمة؟ فقالت: ما من أحد (يبر) (^١) الصبر والجزع إلا وجد منهاجًا متفاوتًا، فأما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة، وأما الجزع فصاحبه غير مفوض، ثم أعرضت وهي تقول:
صبرت فكان الصبر خير معول … وهل جزع يجدي إليَّ فأجزع
صبرت على ما لو تحمل بعضه … جبال غرورًا أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين حتى رددتها … إلى ناظري فالعين في القلب تدفع
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ١ / ٨٣ ]